ما ستقرأه قد يفوق الخيال لكنك ستقتنع بأن ياسر عرفات كان فعلاً بـ7 أرواح

نشر الصحفي والمحلل العسكري الإسرائيلي رونين بيرغمان مقالاً له في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، تناول فيه خطة إسرائيل عام 1982 لاغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والمبني على كتاب ” Rise and Kill First: The Secret History of Israel’s Targeted Assassinations” المنتظر نشره في شهر يناير/كانون الثاني 2018.

ويسرد الكاتب ما حصل ظُهر يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 1982، قائلاً: التقطت رادارات طائرات الـ(إف-15) أزيز طائرة النقل من طراز (دي إتش سي-5 بافالو)، على بُعد 370 ميلاً داخل المجال الجوي للبحر المتوسط. اقتربت الطائرات المقاتلة بسرعةٍ شديدة، وقرأ الطيَّارون الأرقام المدونة على ذيل الطائرة، ورأوا العلامات الزرقاء والبُنية. كانوا واثقين بعثورهم على الطائرة الصحيحة.

التقط الطيار الرئيسي مذياعه، وسأل: “هل لدينا إذنٌ بالاشتباك؟”.

داخل غرفة القيادة والتحكم الرئيسية للقوات الجوية الإسرائيلية التي تحمل الاسم الحركي “كناري”، وعلى عمقٍ كبيرٍ تحت الأرض بمنتصف تل أبيب، دوَّى سؤال الطيار في مكبرات الصوت. واتجهت الأبصار صوب الضابط المسؤول. توقَّع الجميع أمراً بإطلاق النيران، لكنَّ القائد الأعلى للقوات الجوية، اللواء ديفيد أيفري، كان متردداً، رُغم ما كان يُعرَف عنه بكونه رجلاً حاسماً.

كان يعلم أنَّ مقاتليه لديهم كل ما يحتاجونه: لقد تعرفوا بصرياً على الهدف، ولديهم الفرصة لتوجيه ضربة للطائرة وإصابتها في السماء المفتوحة فوق المحيط. والأمر بإطلاق النار على الطائرة والراكب الذي تحمله، أتى من وزير الدفاع، أرييل شارون، شخصياً. ووظيفتهم -ومعهم أيفري- كانت إسقاط الأهداف، وليس اختيارها.

لكنَّ شكوك أيفري تغلبت عليه؛ إذ قال للطيار: “لا. أكرِّر: لا تفتحوا النيران”.

خطة اغتيال عرفات بالطائرة

بدأت هذه العملية العسكرية الهادفة إلى اغتيال ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وعدو دولة إسرائيل، في اليوم السابق بواسطة الموساد، وكالة الاستخبارات المدنية الإسرائيلية. وتلقت “تسوميت” -وحدة الموساد المسؤولة عن تجنيد وإدارة العملاء في الخارج- تقاريرَ من اثنين من مُخبريها داخل منظمة التحرير الفلسطينية، تؤكد أنَّ عرفات سيُغادر مطار أثينا في اليوم التالي، داخل طائرةٍ خاصة، متجهاً إلى القاهرة. وأرسلت “قيساريا” -وحدة الموساد المسؤولة عن عمليات الاغتيالات- اثنين من عملائها فوراً لجمع المزيد من المعلومات. ومُستغلين التراخي الأمني بمطار أثينا، نجح العميلان في انتظار عرفات داخل المنطقة التي تقف فيها الطائرات الخاصة.

وفي الوقت ذاته، كان شارون يضغط بشكلٍ مستمرٍ على الفريق رفائيل إيتان، رئيس هيئة أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، لتنفيذ العملية. ووضعت القوات الجوية طيارتين من طراز “إف-15” في وضع الاستعداد للانطلاق فوراً من قاعدة تل نوف العسكرية. وأطلع أيفري الحَذِر الطيار الرئيسي بنفسه على تفاصيل المهمة. كان أيفري يُدرك المخاطر جيداً، وكان يعي حجم الكارثة التي ستقع في حال أسقطت إسرائيل الطائرة الخطأ. وقال للطيار: “لا تُطلق النار دون تأكيدٍ مني شخصياً. هل هذا واضح؟ حتى لو حدثت مشكلةٌ في التواصل أو لم تسمع الأمر مني” -وأكد الجزء الأخير: تسمع الأمر مني- “لا تُطلق النار”.

وفي تمام الساعة 2:05 ظهراً، اتصل أحد عملاء “قيساريا” في أثينا بمقر قيادة الموساد. وقال بصوتٍ يضج بالإثارة: “إنَّه هنا. أؤكد تطابق هويته”. وأبلغ أنَّه رأى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورجاله يُجرون التجهيزات الأخيرة للصعود على متن الطائرة “دي إتش سي-5 بافالو” ذات الذيل الأزرق والعلامات البنية، وتحمل رقم التسجيل: 1169.

ويقول الكاتب الإسرائيلي إن الموساد نقل هذا التأكيد إلى كناري. لكنَّ شيئاً ما بدا مُقلقاً بالنسبة لأيفري رغم ذلك.

تأكيد هوية عرفات

وفي حديث للكاتب مع أيفري بعدها بسنوات، قال له وهو جالسٌ داخل جناحه التنفيذي المطل على تل أبيب حيث يعمل الآن رئيساً لشركة بوينغ في إسرائيل: “لم أفهم تلك القصة برمتها، ولم يكن من الواضح لي سبب طيران عرفات إلى القاهرة. فوفقاً لأجهزة الاستخبارات، ليس لديه ما يبحث عنه هناك في ذلك الوقت. وإذا كان متجهاً إلى هناك بالفعل، فلماذا داخل هذا النوع من طائرات النقل؟ فليس هذا مُوقراً بما فيه الكفاية بالنسبة لشخصٍ في مستواه. وطلبتُ وقتها من الموساد التأكد من كونه الرجل الصحيح”.

وأصر عميلا “قيساريا” مُجدداً على أنَّه هو عرفات. وأبلغا: “الهدف تعمّد إطالة لحيته للتضليل”. وأعاد الموساد تأكيد تطابق الهوية.

وفي تمام الساعة 4:30 عصراً، أبلغ العملاء عن إقلاع الطائرة. وتلقى أيفري الأمر الرسمي بالهاتف من إيتان: أسقطوا الطائرة. وأمر أيفري طياري الـ”إف-15″ بالإقلاع. ولم يكن سيمضي وقتٌ طويل قبل أن تعترض الطائرتان المقاتلتان طائرة النقل البطيئة.

ومع اقتراب المقاتلات، استمرت الشكوك التي تساور أيفري. وطلب من مساعده الاتصال بالموساد مجدداً، وطلب تأكيداً ثانياً على أنَّ عرفات هو من يستقل الطائرة، وليس شخصاً آخر يُشبهه. ونادراً ما كان أيفري يُظهِر مشاعره. لكن أحد مرؤوسيه الحاضرين في ذلك الوقت قال: “كان بمقدرونا أن نرى القلق الشديد بادياً على وجهه”.

احتاج أيفري لمزيدٍ من الوقت، وكان يُدرك جيداً أنَّ الطيارين يُمكن أن يكونوا متحمسين بشدة، لدرجةٍ تدفعهم أحياناً للبحث عن أسبابٍ لإطلاق النيران على الهدف، أو تفسير إحدى الرسائل اللاسلكية غير الواضحة على أنَّها أمرٌ بالهجوم مثلاً. ولذا ذكَّر طياريه: “لا تُطلقوا النار. إذا لم يكن هناك اتصالٌ لا سلكي، فلا تفتحوا النيران”.

واستمر إيتان في الاتصال؛ لمعرفة ما يجري، والحرص على تنفيذ أوامره بإسقاط الطائرة. ورغم تأكيد عملاء “قيساريا” مرتين أنَّ عرفات على متن الطائرة، أعطاه أيفري الرد نفسه في كل مرةٍ، مُستخدماً اسم إيتان الأول: “رفائيل، ليس لدينا تأكيدٌ إيجابي نهائي على أنه هو”.

وعلى نحوٍ منفصل، قال أيفري لشعبة الاستخبارات العسكرية (المعروفة باسم آمان) والموساد، إنَّ التأكيد البصري ليس كافياً، وإنه طالب بتأكيدٍ آخر على وجود عرفات في الطائرة. وكان هذا عندما التقط الطيارون أزيز الرادار وطلبوا الإذن بالاشتباك.

30 طفلاً على متن الطائرة

ولم يكن بوسع أيفري المماطلة أكثر؛ إذ أُعطِيَ أمراً مُباشراً. وفي حال لم يُسقط الطائرة سريعاً، فسيتعين عليه شرح أسبابه لإيتان وشارون.

تعالت حدة التوتر. ومرت الدقائق ببطء.

وقبل 5 دقائق من تمام الساعة الخامسة، بعد إقلاع المقاتلات بـ25 دقيقة، ارتفع رنين الهاتف داخل كناري. وكان هذا صوت الخط المتصل مباشرةً بمقر قيادة الموساد. وجاء الصوت من الطرف الآخر مُحمَّلاً بالحرج: “ظهرت شكوكٌ جديدة”. وكان لدى الموساد وقتها مصادرُ أخرى تؤكد أنَّ عرفات لم يكن بالقرب من اليونان على الإطلاق، وأنَّ الرجل الموجود بالطائرة يستحيل أن يكون عرفات.

ومع عدم صدور أوامر أخرى، استمرت طائرتا الـ”إف-15″ في تتبع “البافالو”. وكرر أيفري أوامره: “نحن بانتظار مزيدٍ من المعلومات. أبقوا أعينكم على الهدف وانتظروا”.

وفي تمام الساعة 5:23 عصراً، وصل تقريرٌ آخر إلى كناري. وأشارت مصادر للموساد و”آمان” إلى أنَّ الرجل الموجود على متن الطائرة هو فتحي عرفات، شقيق ياسر الأصغر الذي يُشبهه، وهو طبيب أطفال ومؤسس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. وكان معه على متن الطائرة 30 طفلاً فلسطينياً مُصابين نجوا من المذبحة التي ارتكبتها الكتائب اللبنانية المسيحية المارونية في مخيمات اللاجئين بصبرا وشاتيلا في بيروت قبل شهر. ورافقهم فتحي عرفات إلى القاهرة ليحصلوا على العلاج الطبي اللازم.

إسرائيل أكثر الدول استخداماً لعمليات الاغتيال

تنفَّس أيفري الصعداء، وأصدر أوامره لطياريه: “عودوا أدراجكم، ستعودون إلى أرض الوطن”.

ويتابع الكاتب مقاله: وكمراسلٍ في إسرائيل، أجريتُ لقاءاتٍ مع مئات الأشخاص العاملين في مؤسسات الاستخبارات والدفاع، ودرستُ آلاف الملفات السرية التي كشفت تاريخاً خفياً ومفاجئاً حتى في ظل سمعة إسرائيل المعروفة بالشراسة. واستشهد العديد من الأشخاص الذين تحدثتُ إليهم، في أثناء شرحهم أسباب ما فعلوه، بالتلمود البابلي: “إذا جاء شخصٌ لقتلك، فانهض واقتله أولاً”.

وأضاف: وجدتُ في تحقيقاتي أنَّه منذ الحرب العالمية الثانية، استخدمت إسرائيل عمليات الاغتيال والقتل المستهدف، أكثر من أي دولةٍ أخرى في الغرب، ووصل بها الأمر في بعض الأحيان إلى تعريض حياة المدنيين للخطر. لكنَّني اكتشفتُ أيضاً تاريخاً طويلاً من الجدل الداخلي العميق –والمفعم بالغضب غالباً- حول كيفية الحفاظ على الدولة. هل يُمكن لدولةٍ أن تستخدم أساليب الإرهاب؟ هل يُمكن لها أن تؤذي المدنيين وسط عملياتها؟ ما هي التكاليف؟ وأين هو الخط الفاصل؟.

يرغب الناس في الحديث بشكلٍ متزايد. كانت المرة الأولى التي سمعتُ فيها عن أوامر شارون بإسقاط طائرة النقل التي تقلّ عرفات عام 1982، في أثناء حديثي عام 2011 مع ضابطٍ كبير داخل مقهى شمال تل أبيب. وصف الضابط كل شيءٍ بالتفصيل، لكنَّه وضع شرطاً عنيداً لنشر القصة: أن يقوم شخصٌ آخر بوصف الحدث رسمياً أيضاً. وفي تلك الحالة فقط يُمكنني نشر القصة. وذهبتُ لرؤية الشخص الآخر، وأنا أُدرك جيداً مدى صعوبة إقناعه بالحديث عن الواقعة. وتقربتُ إليه بطريقةٍ ملتوية قبل أن أدخل في صلب الموضوع. نظر لي الرجل نظرةً فولاذية، لكنَّه تلاها بتعبير رقيقٍ يحمل لمسة حزن على وجهه. وقال: “انتظرتُ أكثر من 30 عاماً أن يأتي شخصٌ ويسألني عن تلك القصة”.

أول محاولة لاغتيال عرفات في ألمانيا عام 1965

لم يسبق لهدفٍ أن نجح في إعاقة واستفزاز وتضليل آلة الاغتيالات الإسرائيلية أكثر من ياسر عرفات، قائد منظمة التحرير الفلسطينية المحبوب الذي تُوفي عام 2004. أحياناً، تمكَّن من الهرب ببساطة، وأحياناً أخرى ألغى المسؤولون العملية لعدم تأكيد هوية الهدف، أو لأنَّهم رأوا التكلفة من أرواح المدنيين باهظة للغاية.

في الأعوام التي تلت تأسيس عرفات حركة فتح، أحد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1959، اعتبره الموساد هو وأصدقاءه مجرد حفنة من الطلبة والمثقفين. وبحلول عام 1965، في أثناء تنفيذ “فتح” أولى العمليات ضد إسرائيل، طلب رافي إيتان، رئيس عمليات الموساد في أوروبا، (لا علاقة له برافائيل إيتان، الفريق بجيش الدفاع الإسرائيلي) من مائير عميت، مدير الموساد، أن يأمر “قيساريا” باقتحام شقةٍ يستخدمها عرفات كقاعدة عمليات في فرانكفورت وقتله. وكتب إلى عميت: “يُمكننا قتله بكل سهولة. يُمكننا الوصول إلى الهدف، وهذه فرصةٌ ربما لا نحصل عليها مجدداً”. ووفقاً لإيتان، رفض عميت التوقيع على هذه المهمة. إذ لم يرَ المجموعة أكثر من مجرد عصابة من الشباب قُطاع الطرق. وقال لي إيتان بعدها بعقود: “من المؤسف أنَّهم لم يستمعوا لي. كنا سنوفر على أنفسنا الكثير من العناء والألم والأسف”.

اغتيال عرفات كان الرأي السائد في أوساط الموساد

لكن في نهاية المطاف، انتصر موقف إيتان وساد؛ إذ أصبح اعتقاد أن اغتيال قائد منظمة التحرير الفلسطينية سيحلُّ الأزمة الفلسطينية بالكامل هو الرأي السائد في أوساط الاستخبارات الإسرائيلية أعواماً طويلة قادمة.

وفي بعض الأحيان، شملت الجهود تدخُّلاً عسكرياً مباشراً. فبعد حرب الأيام الستة مباشرةً، أطلق عرفات سلسلةً من عمليات حرب العصابات من القدس الشرقية والضفة الغربية. وبناءً على معلوماتٍ وصلتهم، اقتحم الجنود الإسرائيليون منزلاً كان يُقيم به، لكنَّهم وصلوا متأخرين بضع دقائق، ليجدوا طعامه ما زال ساخناً على الطاولة.

وكانت بعض الخطط الأخرى أكثر تفصيلاً؛ إذ استلهم الإسرائيليون فكرةً من فيلم The Manchurian Candidate، وقضوا 3 أشهر عام 1968 يُحاولون تحويل سجينٍ فلسطيني إلى قاتلٍ مُبرمج. وخلال 5 ساعاتٍ من إطلاق سراحه لتنفيذ المهمة، قام بتسليم نفسه للشرطة المحلية، وسلّم مسدسه، وشرح كيف حاولت المخابرات الإسرائيلية غسل دماغه ليقتل عرفات.

ولم يتسبب فشل هذه المحاولات وغيرها في شعور إسرائيل بالحرج وحسب، لكنَّها ساهمت أيضاً في زيادة شعبية عرفات وهو يروي القصص عن معجزات هروبه.

وعلاوةً على كسب قلوب أبناء شعبه، بدأ عرفات أيضاً في تكوين صداقاتٍ مع العديد من الأشخاص النافذين بالخارج؛ إذ اعتبره إيريش هونيكر، قائد ألمانيا الشرقية، ثورياً حقيقياً مثل فيدل كاسترو، وأمدَّ جواسيسه الفلسطينيين بالمعلومات والأسلحة. وفي الوقت ذاته، تعهدته وكالة المخابرات المركزية الأميركية برعايتها من خلال قنواتٍ سرية، وهي الجهود التي حصدت الدعم على أعلى المستويات. ومع قرب نهاية السبعينيات، بدا عرفات بعيد المنال. وأصبح رئيس الدولة بحكم الأمر الواقع، وكان يحظى بدعمٍ عريض. واغتيال مثل هذا الرجل علنياً سيعني كسر كل أعراف العلاقات الدولية؛ وهو ما دفع الإسرائيليين إلى صرف النظر عن الأمر وهم يتميزون غيظاً.

أوامر بقتل جميع أعضاء منظمة التحرير

وبحلول عام 1979، تحول الوضع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى نمطٍ متكرر لا ينتهي من الضربات والضربات المضادة. ثُم تسببت حادثة قتلٍ مروعة في تأجيج التوتر أكثر. ففي 22 أبريل/نيسان 1979، رست مجموعةٌ من جبهة التحرير الفلسطينية -أحد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية- مستخدمةً زورقاً مطاطياً على شاطئ نهاريا، وهي مدينة إسرائيلية تبعد 6 أميالٍ جنوب الحدود اللبنانية. وكان أحد أفرادها يُدعى سمير القنطار، وعمره وقتها 16 عاماً. وبعد محاولة اقتحام أحد المنازل وردعهم بطلقاتٍ نارية وقتلهم ضابط شرطة حاول القبض عليهم، اقتحم الرجال شقة إحدى الأسر، وأخذوا داني هران وابنته عينات (4 أعوام) رهائن. قاموا بعدها بجرهم إلى الشاطئ الذي حاصره الجنود وأفراد الشرطة، وحدث تبادلٌ لإطلاق النار. أطلق القنطار النار على داني، ثُم هشم رأس عينات بمؤخرة بندقيته حتى ماتت. بينما اختبأت سمادار، زوجة داني، داخل مساحةٍ ضيقةٍ في شقتهم مع ابنتها ياعيل، التي تبلغ من العمر عامين. وغطت فم رضيعتها بيدها لتمنعها من البكاء بصوتٍ عالٍ وتدل المهاجمين على مكانهما. وفي غمرة ذعرها، خنقت سمادار طفلتها بيدها.

ويقول الكاتب الإسرائيلي إنه في أعقاب أحداث نهاريا، أصدر رافئيل إيتان أمراً بسيطاً للقائد الميداني أفيغدور بن-غال: “اقتلهم جميعاً”، ويقصد هنا جميع أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، وأي شخصٍ على صلةٍ بها في لبنان.

وبمباركة إيتان، عَيَّن بن-غال، مئير داغان، الرجل الذي يعتبره خبير جيش الدفاع الأول في العمليات الخاصة، لقيادة الجهود في جنوب لبنان. وأسس ثلاثتهم جبهة تحرير لبنان من الغرباء. وجرت المهمة بالكامل دون موافقةٍ أو علمٍ من الجيش أو وزارة الدفاع أو أجهزة الاستخبارات أو حتى الحكومة. (لم أتحدث مع إيتان الذي تُوفي عام 2004 عن أيٍ من هذه الأحداث).

خلق الفوضى بين الفلسطينيين والسوريين في لبنان دون ترك بصمةٍ إسرائيلية

وبين عام 1979 وأوائل عام 1983، كانت الجبهة قد قتلت مئات الأشخاص عند تفكيكها. وكان ديفيد عجمون، رئيس أركان القيادة الشمالية لجيش الدفاع الإسرائيلي وقتها، واحداً من القلائل المطلعين على عمليات داغان السرية. وقال: “كان الهدف وقتها خلق حالةٍ من الفوضى بين الفلسطينيين والسوريين في لبنان، دون ترك بصمةٍ إسرائيلية؛ لمنحهم شعوراً بأنَّهم تحت الهجوم دائماً وتغذية إحساسهم بانعدام الأمان”. ولتنفيذ ذلك، قام داغان وفريقه بتجنيد مواطنين لبنانيين محليين: دروز ومسيحيين ومسلمين شيعة يكرهون الفلسطينيين، ويرغبون في خروجهم من لبنان.

وفي الخامس من أغسطس/آب 1981، قرر مناحم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، تعيين أرييل شارون وزيراً للدفاع في إسرائيل. وحمل بيغن -أحد أبطال الحركة السرية التي سبقت تأسيس دولة إسرائيل- كثيراً من التقدير والإعجاب تجاه الجنرال السابق، ووصفه بأنَّه “قائدٌ مجيدٌ للجيوش”، لكنَّه كان قلقاً من عدم استعداد شارون لقبول سلطة رؤسائه عليه، لدرجة أنَّ أحد نواب بيغن صرح ضاحكاً قبل تعيينه بعامين: “شارون على استعداد لقصف الكنيست بالدبابات”.

محاولة أخرى لاغتيال عرفات عام 1982

ورفع شارون الرهانات مبكراً؛ إذ جدَّد التركيز على عرفات ومنح الضوء الأخضر إلى بن-غال وداغان من أجل تنفيذ عمليةٍ ستُغير مسار تاريخ الشرق الأوسط حال نجاحها. كانت عملية أوليمبيا تقتضي من العملاء الإسرائيليين زراعة عددٍ هائل من القنابل تحت منصة كبار الزوار التي كانت تحت الإنشاء وقتها في استاد بيروت، حيثُ كان من المقرر أن تحتفل منظمة التحرير الفلسطينية بذكرى عمليتها الأولى داخل إسرائيل يوم 1 يناير/كانون الثاني 1982. وبضغطة زرٍ واحدة، سيتمكنون من تحقيق هدفهم بالقضاء على سائر القيادة الفلسطينية.

كان كل شيءٍ جاهزاً، بما في ذلك متفجراتٌ قوية موزعة بالفعل أسفل المنصة، بالإضافة إلى 3 عرباتٍ مفخخة متوقفة في الشوارع المحيطة بالاستاد، كان من المفترض أن تنفجر بعد دقيقةٍ من انفجار المنصة عندما يصل الهلع لأعلى درجاته ويحاول الناجون من الانفجار الأوليّ الهروب من موقع الحادث. وكان من المتوقع أن تصل معدلات القتل والدمار إلى “مستوياتٍ غير مسبوقةٍ، حتى بالنسبة للبنان”، وفقاً لتصريحات ضابطٍ رفيع المستوى في القيادة الشمالية. لكن مجموعةً من ضباط “آمان” القلقين، بالإضافة إلى نائب وزير الدفاع، توجهوا إلى بيغن وطالبوه بأن يأمر داغان بإلغاء العملية. ويتذكر أحد الضباط قوله لبيغن: “لا يُمكنك أن تقتل استاداً رياضياً بأكمله. سيطاردنا العالم كله بعد هذا!”. وألغى بيغن العملية.

خطة شارون الخيالية

وقتها، كان شارون يعمل على مخططٍ أوسع نطاقاً. ففي 6يونيو/حزيران، اقتحم جيش الدفاع الإسرائيلي الحدود صوب لبنان. وتقدم جيشٌ قوامه 76 ألف مقاتل و800 دبابة و1500 ناقلة جنود مدرعة باتجاه الشمال، وبدأ في غضون أسبوعين حصاراً وقصفاً مروعاً على أحياء بيروت الغربية. قدَّم شارون الحرب على أنَّها عملية توغل محدودة تهدف فقط إلى إزالة مدفعية منظمة التحرير الفلسطينية التي تهدد الإسرائيليين، لكنَّه كان يمتلك رؤيةً أكثر تطرفاً بكثير على أرض الواقع: أن تنجح القوات الإسرائيلية في احتلال لبنان ونفي الفلسطينيين إلى الأردن، حيثُ سيصبحون أغلبيةً يُمكنها تأسيس دولةٍ فلسطينية محل المملكة الهاشمية. وافترض شارون أنَّ هذا سيقضي على المطلب الفلسطيني بإقامة دولةٍ في الضفة الغربية، التي ستُصبح من ثم جزءاً من إسرائيل. وفي هذه الخطة الخيالية، كان هناك عنصرٌ محوري إضافي: قتل ياسر عرفات.

الأب المؤسس للدولة الفلسطينية

ولتحقيق هذا الهدف، تم تشكيل فرقة عمليات خاصة، تحمل الاسم الحركي “سالت فيش”. وعيَّن شارون خبيريه في العمليات الخاصة داغان ورافي إيتان (الذي كان يعمل وقتها مستشاراً لوزير الدفاع في شؤون مكافحة الإرهاب) للإشراف على العملية. وقال داغان: “كنتُ أعتقد أنَّ القضاء عليه سيُغيِّر مجرى التاريخ. لم يكن عرفات مجرد قائدٍ فلسطيني؛ بل أشبه بالأب المؤسس للدولة الفلسطينية. وقتله سيفتح الباب لعددٍ ضخم من الصراعات الداخلية داخل منظمة التحرير الفلسطينية، مما يُعيق قدرتها على اتخاذ أي قراراتٍ مصيرية مستقبلاً بشكلٍ كبير”.

وتولى قيادة الفرقة المقدم عوزي دايان، الرئيس السابق لوحدة استطلاع هيئة الأركان العامة الإسرائيلية (ماتكال)، نخبة كوماندوز الجيش الإسرائيلي. وتنصتت “آمان” على المكالمات الهاتفية في بيروت محاوِلةً تتبع تحركات عرفات. وكانت الضربة الجوية طريقتهم المفضلة للهجوم عليه. وقال دايان: “كانت مهمةً معقدة للغاية؛ إذ كان علينا جمع المعلومات من مصادر متنوعة لنعرف أي مبنى أو كهف هو الموقع الصحيح، من أجل أن نحدده على الخريطة ونقربه لأدق الإحداثيات، ثم نرسلها إلى القوات الجوية مع منحهم وقتاً كافياً لتصعد طائرة إلى السماء وتقصف الموقع”.

وكان عرفات يُدرك أنها ليست مصادفةً أن تسقط القنابل باستمرار على المناطق التي يُوشك أن يدخلها أو يغادرها للتو؛ لذا استمر في تغيير عاداته اليومية. وخرج الفريق الذي بدأ يُصيبه الإحباط بخططٍ أكثر استفزازية.

وفي الثالث من يوليو/تموز 1982، عبَر أوري أفنيري، المحرر بإحدى المجلات اليسارية الإسرائيلية، الخط الأمامي في بيروت مع مراسلٍ ومصورٍ لإجراء لقاءٍ صحفي مع عرفات في قلب المدينة. أثار هذا اللقاء الكثير من الجدل في إسرائيل؛ إذ كان الكثيرون يرون عرفات بوصفه ألد أعداء البلاد، وكان هذا بمثابة أول لقاءٍ رسميٍ له مع الإسرائيليين. وقرر فريق سالت فيش أن يستغل هذه الفرصة بالسماح للصحفيين الثلاثة دون علمهم بقيادة فريقٍ من القتلة مباشرةً إلى عرفات. واندلع نقاشٌ حاد بين أعضاء فريق سالت فيش: هل من الصائب تعريض حياة مواطنين إسرائيليين للخطر وربما قتلهم؟ وكانت الإجابة التي توصلوا إليها، أنَّه من الصائب فعل ذلك. لكنَّ عرفات ساورته الشكوك بشأن مراقبة الموساد لأفنيري؛ لذا قام أفراد حراسته باتخاذ إجراءاتٍ مضادة مضللة شديدة الصرامة، وتاه فريق سالت فيش عن هدفه وسط أزقة جنوب بيروت.

كيف راوغهم عرفات؟

ومع مرور الأيام، كثف شارون ورفائيل إيتان الجنرال بجيش الدفاع الإسرائيلي ضغوطهما على القوات الجوية وفريق سالت فيش للقضاء على عرفات. ويقول أيفري: “كان هناك شعورٌ بأنَّ الأمر شخصي بالنسبة لشارون. واعتقدتُ أنَّ الأمر فوضوي، وفيه مخاطرة بإيذاء المدنيين”. وشاركه عوزي دايان مخاوفه وقال: “لقد أُنقِذَت حياة عرفات بفضل شيئين: حظه السعيد الذي لا حدود له، وأنا”.

كان دايان يرى في عرفات هدفاً شرعياً، لكن دون أن يعني ذلك قتل الكثير من المدنيين. وتابع دايان: “كان رافائيل يتميز غيظاً. ويتصل بي أحياناً ليقول: (تنامى إلى علمي امتلاكك معلوماتٍ عن هذا المكان أو ذاك، لماذا لم تُقلع الطائرات إلى السماء؟)، وأُجيب بأنَّ هذا مستحيل؛ لوجود العديد من الناس حوله. ليرد رفائيل: (لا تهتم لأمرهم، سأتحمل مسؤولية الأمر). لكنَّني لم أكن مستعداً للسماح بهذا. رفائيل لن يُعلّمني أخلاقيات الحرب”.

وكان إيتان يُذكِّر دايان دائماً بأنَّه ليس من سلطاته تقرير إسقاط القنابل من عدمه. لكنَّ دايان رغم ذلك، وجد طريقته للمشاركة في صُنع القرار. وأوضح دايان: “كانت مهمتي أن أُبلغ إن كان الهدف جاهزاً من وجهة النظر الاستخباراتية. ومن هذا المنطلق، في كل مرةٍ كنا نعرف فيها أنَّ الانفجار سيؤدي إلى خسائرَ بشريةٍ هائلة، كنا نُبلغهم أنَّ الهدف ليس جاهزاً من الناحية الاستخباراتية”.

وربما كان شعور إيتان بمقاومة قرارته هو الذي دفعه في وقتٍ من الأوقات، لأن يأخذ مزيداً من الإجراءات المباشرة. ففي مساء الرابع من أغسطس/آب، طلب إيتان من أفييم سيلا، قائد قطاع عمليات القوات الجوية، أن يأتي لرؤيته. وكانت علاقة الرجلين وطيدة؛ إذ كان إيتان مُعجباً بسيلا، الضابط الواعد والقائد المستقبلي المحتمل للقوات الجوية.

نجاة عرفات من الاغتيال مجدداً

حيّا إيتان، سيلا، وأخبره بأنَّه في اليوم التالي لن يعمل من كناري كالمعتاد؛ بل “سيسافر في رحلة”.

تساءل سيلا: “هل هي مثل رحلتنا الأخيرة معاً؟”، مُشيراً إلى زيارتهم لبيروت في مايو/أيار إعداداً للاجتياح وعملية اغتيال عرفات.

وأجاب إيتان: “شيءٌ من هذا القبيل. لكن من الأعلى. قابِلني غداً في حاتسور”، وهي قاعدةٌ جويةٌ عسكرية في الجنوب. وأضاف: “ستقود الطائرة، وأنا سأتولى التوجيه وتشغيل أنظمة القتال. سنقصف بيروت”.

كان سيلا مقتنعاً بأنَّه لم يسمع بشكلٍ صحيح. وقال لي: “كان الأمر جنونياً! أصابتني الصدمة. إذا أخبرني شخصٌ ما بأنَّ رئيس الأركان، الذي لا يستقل الطائرات عادةً، سيمنح قائد قطاع عمليات القوات الجوية إجازةً في خضم الحرب لينطلقوا في رحلةٍ لقصف بيروت معاً، لم أكن لأصدقه”.

وفي اليوم التالي، التقى الاثنان في حاتسور، وصعدا على متن طائرةٍ مقاتلة من طراز “إف-4″، وانطلقا مع 3 طائراتٍ أخرى في مهمةٍ تستهدف قصف مجمع مكاتب بغرب بيروت، حيثُ كان المفترض أن يحضر عرفات اجتماعاً وفقاً لعملاء سالت فيش. ويقول سيلا: “كان أداء رفائيل متذبذباً، وأعتقد أنَّه كان مريضاً بعض الشيء. وقمتُ بالتوجيه بنفسي. بينما قام هو بتشغيل أنظمة الذخيرة، التي كانت بدائيةً بالمصطلحات المعاصرة. قصفنا الهدف مرتين، ثم مرةً ثالثة؛ للتأكد من إصابته. كان رفائيل سعيداً للغاية، وانطلقنا عائدين إلى إسرائيل”. لكنَّ عرفات نجا مجدداً نتيجة التوقيت: إذ سقطت القنابل قبل وصوله مباشرةً.

إصرار شارون على قتل عرفات

لكنَّ شارون لم يتراجع عن نيته قتل عرفات مطلقاً. فبعد انتهاء المعارك في بيروت وإجلاء قادة منظمة التحرير الفلسطينية وقواتها، كان شارون وإيتان “يتحرقان شوقاً لقتله”، وفقاً لعاموس جلبوع الذي كان آنذاك عميداً يشغل منصب رئيس قسم الأبحاث في “آمان”.

لكنَّ فريق شارون وقتها، أدرك مع ذلك أنَّ الاغتيال العلني سيجعل من عرفات شهيداً. ورغم هذا، أصدر شارون الجَسُور أوامره لأجهزة الاستخبارات بإيجاد طريقةٍ أكثر براعة للتخلص من قائد منظمة التحرير الفلسطينية. وتحول اسم عملية سالت فيش إلى غولد فيش. لكنَّ مهمتها لم تتغير، وأمر شارون بأن تُمنح أولويةً قصوى. واجتمع فريق غولد فيش يومياً داخل مكتب جلبوع. ويسترجع جلبوع ذكرياته، قائلاً: “كان لدينا ألف أمرٍ آخر أهم مائة مرة. لكنَّ شارون كان مُصرّاً”.

في الواقع، أصبح شارون أكثر تهوراً. وعندما أبلغ الموساد عن استقلال عرفات طائراتٍ تجارية في رحلاته تشتري فيها منظمة التحرير الفلسطينية جميع تذاكر قمرة الدرجة الأولى أو درجة رجال الأعمال له هو ومساعديه- قرر شارون أنَّ مثل تلك الرحلات تُعتبر أهدافاً شرعية. ورأى أنَّ الطائرة ستُقصف في البحر المفتوح بعيداً عن الساحل، حتى يستغرق المحققون وقتاً طويلاً للعثور على الحطام والتأكد مما إذا كانت قد أُصيبت بصاروخٍ أو تحطمت نتيجة فشل المحركات. وتُفضَّل المياه العميقة في هذه الحالة؛ لجعل عملية استعادة الحطام أكثر صعوبة. (ويقول عوديد شامير، معاون شارون في ذلك الوقت، إنَّ جميع الطائرات المستهدفة كانت طائراتٍ خاصة. لكن 3 على الأقل من الضباط الذين حضروا تلك الأحداث أخبروني بأنَّ بعض الأهداف شملت طائراتٍ تجارية).

ورسمت القوات الجوية خطةً مفصلة؛ إذ وجدوا بُقعةً فوق البحر المتوسط تمر فوقها الطائرات باستمرار، دون تغطية رادار من أي دولة، ويبلغ عُمق البحر تحتها 3 أميال، ما يجعل عملية انتشال الحُطام صعبةً للغاية وربما مستحيلة. لكنَّ تنفيذ الهجوم في هذه البقعة المثالية يعني أن الوقت المتاح قصيرٌ للغاية.

ولأنَّ العملية ستُنفذ بعيداً عن المجال الجوي الإسرائيلي والرادارات الإسرائيلية ومدى إرسالها، كان على القوات الجوية تأسيس مركز قيادة محمولٍ على متن طائرة “بوينغ 707” مجهزة برادار وأجهزة اتصال. وكان سيلا منوطاً به قيادة العملية من تلك الطائرة.

ووفقاً لأوامر شارون حينها، استمر وضع عرفات تحت المراقبة، مع وضع 4 طائرات “إف-15″ و”إف-16” في حالة تأهب لاعتراض طائرة عرفات. وعلى مدار 9 أسابيع، من نوفمبر/تشرين الثاني 1982 وحتى أوائل يناير/كانون الثاني 1983، انطلقت تلك الطائرات 5 مراتٍ على الأقل، لاعتراض وتدمير طائراتٍ اعتُقِدَ أنَّها تحمل عرفات على متنها، لتعود أدراجها بعد مغادرتها بوقتٍ قصير دون جدوى.

وأعرب جلبوع عن معارضته الشديدة لتلك العمليات من وقتٍ لآخر. وأضاف: “كان من الواضح بالنسبة لي، أن القوات الجوية ستؤدي المهمة على أتم وجه. لكن كان منوطاً بي مسؤوليات إضافية”؛ إذ كانت وظيفة جلبوع أن يُقيِّم التبعات السياسية والعسكرية والاقتصادية لكل عملية. وتابع: “أخبرتُ رئيس الأركان إيتان بأنَّ هذه العملية يُمكن أن تدمر الدولة عالمياً، إذا عُرِفَ أنَّنا أسقطنا طائرةً مدنية”.

عرقلوا مهمة اغتياله مراراً

وفي كل مرة، حاول قادة القوات الجوية عمداً عرقلة المهمة، برفضهم الانصياع للأوامر، التي رأوا أنَّها غير قانونية بشكلٍ فج. ويقول سيلا: “عندما تلقينا الأمر، ذهبتُ لرؤية إيتان. وقلتُ له: (سيادة رئيس الأركان، نحن لا ننتوي تنفيذ هذا، وهو أمرٌ لن يحدث بكل بساطة، أتفهم أنَّ وزير الدفاع مسيطرٌ هنا ولا أحد يُمكنه الوقوف أمامه؛ لذلك سنجعل الأمر مستحيلاً من الناحية التقنية). ونظر إليّ رفائيل دون أن يقول شيئاً. واعتبرتُ صمته موافقةً ضمنية على ما قلته”.

وفي مناسبةٍ أخرى، كانت هناك طائرةٌ تُجارية يُعتقد أنَّها تُقل عرفات من عمان إلى تونس فوق البحر المتوسط. وفي أثناء اقتراب الطائرات المقاتلة من الهدف، وجَّه إيتان سؤاله لجلبوع عما إذا كان يعتقد أنَّ هدفهم على متن الطائرة بشكلٍ مؤكد، بينما يقف الرجلان داخل الحجرة المركزية في كناري.

تسائل جلبوع: “سيادة رئيس الأركان، هل ترغب فعلاً في سماع رأيي؟”. فأومأ إيتان برأسه موافقةً.

شعر جلبوع بقلبه يقفز في صدره. فراوغ، وشرح الأسباب كافة التي تؤيد وجود عرفات على متن الطائرة، ثم ذكر الأسباب العديدة للشك في وجوده على متن الطائرة.

ونفد صبر إيتان، فصرخ: “جلبوع. نعم أم لا؟”.

فأجاب جلبوع: “حدسي يقول إنَّه ليس على متن الطائرة”.

توجه إيتان إثر ذلك إلى الهاتف الأحمر الآمن في جانب الغرفة، وأخبر شارون بأنَّ العملية يجب أن تنتظر يوماً آخر.

وفي النهاية، عُرقِلَت خطط شارون لارتكاب جريمة حربٍ أخيراً، نتيجة انعدام ضميره في الماضي. فبعد ضغطٍ شديدٍ من الرأي العام الإسرائيلي وانتقاداتٍ دوليةٍ متزايدة، اضطر بيغن إلى فتح تحقيقٍ قضائيٍ في المذبحة التي وقعت بمخيمات اللاجئين ببيروت. واستقرت اللجنة على أن المسؤولية المباشرة عن ارتكاب المذبحة تقع على عاتق ميليشيا الكتائب، لكنَّها حكمت بأنَّ بعض الإسرائيليين -ومنهم شارون- يتحملون المسؤولية أيضاً؛ لسماحهم للكتائب بدخول المخيمات، مع علمهم أنَّها ستستغل الفرصة لارتكاب الفظائع. وأُجبِرَ شارون على تقديم استقالته من منصب وزير الدفاع.

نجا شارون بالطبع من هذه الضربة، وأصبح في عام 2001 رئيساً لوزراء إسرائيل. وتوصل إلى تفاهمٍ تدريجيٍ مع إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، تدعم بموجبه الولايات المتحدة إسرائيل حتى مع شنها حملة واسعة من عمليات القتل المستهدف، كانت الأكبر في تاريخ البلاد.

وفي 22 مارس/آذار عام 2004، قصفت طائرةٌ مروحية إسرائيلية الشيخ أحمد ياسين في شوارع مدينة غزة. ياسين، هو مؤسس حركة حماس، ويُعتبر مثل عرفات زعيماً سياسياً ذا شهرةٍ عالمية. وفي 23 أبريل/نيسان، صرَّح شارون لمراسلٍ إسرائيليٍ بأنَّه لم يعد ملزماً باتفاقية عام 2001 مع بوش، قائلاً: “التزامي هذا لم يعد له وجود”. وبعد أن طُلِبَ منه توضيح ما إذا كان يعني إيذاء عرفات، أجاب: “لا أعتقد أنَّ هذا الأمر يُمكن أن يكون أكثر وضوحاً”.

ثم فجأةً، سقط عرفات، الرجل الذي نجح في مراوغة الموت مراتٍ عديدة، مستسلماً لعدوى غامضة أدت إلى سكتةٍ دماغية. وتُوفي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004، عن عمرٍ يُناهز 75 عاماً. وحتى يومنا هذا، تتضارب الآراء بين خبراء الطب الشرعي ورؤساء المختبرات الطبية حول سبب الوفاة وما إن كانت توجد آثار لمادة البولونيوم المُشعة التي سبق استخدامها في الاغتيالات على ملابس عرفات وفي رفاته. ونفى المتحدثون الرسميون الإسرائيليون أن تكون لإسرائيل أي علاقةٍ بوفاة عرفات.

مقالات أخرى حول
,