محمد بولعيش يكتب:وايساراه

في مرحلة العلاج والنقاهة التي اجتزتها ولا زلت أجتازها، كان لي الوقت الكافي لاسترجاع ما مضى والتأمل فيما آلت إليه أوضاع اليسار وعلاقتي بهاته السيرورة. كنت أحيانا – وهذا شعور ينتابني من حين لأخر – آسف على ما أضعته من سنوات عمري وما عانيته من محن وسط هذا اليسار وخارجه ، كان حريا بي أن أقضي تلك الأوقات في أمور مفيدة لي ولأسرتي .

لكنني في أحيان أخرى – وهي الغالبة بالتأكيد – أعود لأقرر بأن في هذا اليسار مناضلين حقيقيين يستحقون أن أرافقهم في الصيرورة النضالية التي سرنا وساهمنا فيها جماعيا ، ويحفزونني على الاستمرار في التشبت بالمبادئ والقيم التي جمعتنا وناضلنا وما زلنا نناضل من أجل تحقيقها .

صحيح أن مسيرة هذا اليسار عرفت منعرجات والتواءات واختلالات ، فقد التحق به ليستظل بظله يوم لا ظل إلا ظله من كان يأمل أن يصبح زعيما ، وابتعد عنه حين لم يتحقق له ذلك ، ووجد عدد آخر أنفسهم وسط اليسار وقد جرفهم التيار مع من جرف ، وحين ادلهمّت سماء اليسار وتعقدت أوضاعه انكمشوا وانزووا في ركن قصي وغيروا وجهتهم مبتعدين عن هموم الساسة والسياسيين ، وهناك انتهازيون دائما مع الجهة الغالبة، عندما رأوا أن ورقة اليسار غير رابحة ولا تقدم لهم ما كانوا به يحلمون ، ولا تلبي لهم طموحاتهم في الجاه والرفاه ، صاروا بإرادتهم “فريسة” سهلة في يد المخزن الذي أنعم على عدد منهم مناصب ومقاعد وكراسي في الحكومات والبرلمانات والأحزاب (الإدارية خاصة) والمجالس والإدارات والمؤسسات التي تُدِر منافع وريعا وثراء وعلاقات وامتيازات ، فمنهم من قضى حاجته ومنهم من ينتظر على طابور الانتهاز والوصول .

ولكن الغلبة كانت ولا زالت وستظل لليساريين القابضين على الجمر ، الصامدين في خنادق الممانعة ، المشرئبين بعناد وإصرار إلى غد مغاير لا بد آت يوما ، وسأظل مع هؤلاء صامدا حتى ينبلج النور ، نور الحق والحرية والكرامة والعدالة والمساواة ، قد لا أراه شخصيا ولكن أبنائي وأحفادي لا بد أنهم راؤوه .