محمد بولعيش يكتب : أخطأنا المواعيد ..

من طبيعة اليساري ، ومن واجبه وهذا مبرر وجوده ، أن يسعى إلى التغيير .. أن يتحمل مسؤوليته المجتمعية بالمساهمة مع الجماهير – ومن ورائها المجتمع – للارتقاء بها اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ومعرفيا .. أن يعمل معها وبجانبها لدحر الاستبداد والطغيان ومحاربة الفساد والظلم ، بإقامة أسس مجتمع ودولة يسود فيهما العدل والحرية والمساواة ، وتصان فيهما الكرامة والحقوق .. أن ينخرط بكل قناعة وتفانٍ ونكران ذات في المعارك التي تنخرط فيها الجماهير دفاعا عن حقوقها وعن كرامتها ضد التسلط والمهانة والحكرة ، وذلك أضعف الإيمان .

فهل كنا ، هل نحن في المستوى المطلوب ؟ هل كنا ، هل نحن في مستوى تطلعات الجماهير ، ولو بالقدر اليسير المتاح ؟ هل لدينا – فعلا – تلك القناعة التي تتطلب أن يكون لكل معركة اجتماعية و/أو سياسية صداها عندنا ؟ بالتأكيد لا . لقد مرت بنا محطات نضالية خرجت فيها الجماهير إلى الشارع أو الساحة تحتج وتستنكر وتطالب ، وأخلفنا الموعد معها ، بل خذلناها كما حدث مع حركة 20 فبراير وما هو قيد الصيرورة مع حراك الريف ، بتقاعسنا ونظرتنا الحزبية الضيقة وبالتنافس على كسب “الغنائم” استقطابا وتوظيفا ، بضعفنا وضبابية الرؤية لدينا وعدم قدرتنا على التأطير السياسي وقيادة المعارك تاركيها تهيم في مسارها العفوي القاصر وفوضوية قيادتها “الميدانية” بشكل اعتباطي .

كان علينا الاستفادة من هاته الدروس والاعتبار بما وقع حتى لا نكرر التجارب الفاشلة ، ونستبدل عمى البصر السياسي الذي عشناه وشبِعناه بوضوح البصيرة المجتمعية موحَّدين متكتلين حول برنامج حد أدنى برؤية مستقبلية واضحة قابلة للإنجاز ، تلتف حوله الجماهير الغاضبة لتحقيق الحد الأدنى لطموحاتها في الحرية والعيش الكريم .

حتى هذا لم نستطع تملُّكَه والسيرَ به نحو الأجرأة ، رغم الزعيق الذي ملأ ويملأ الفضاء حول ضرورة الوحدة والعمل يدا في يد من أجل الجماهير ومعها ، فبقي ذلك كله صيحة في وادٍ لم يحرك وجدان ولا عقل الكتل البشرية المُتَمتْرِسة يسارا (في انتظار ماذا ؟) .. بل عكس ذلك بدأت تطفو إلى السطح دعوات صريحة أحيانا وضمنية أحيانا أخرى ، تدفع في اتجاه حداثة ليبرالية “جنينية” تكون بديلا عن الاتجاه اليساري الراديكالي ، وتجعل “النضال” النخبوي بديلا عن النضال الجماهيري ، والعمل من داخل المؤسسات بديلا عن النضال حيث الجماهير أي الشارع ، وهذا ما جعل قيادة الحراك بإقليم الحسيمة ، مثلا ، تفقد الثقة في كل الأحزاب – ومن ضمنها أحزاب اليسار – وتعتبرها مجرد دكاكين ، ونحن نعرف معنى الكلمة ودلالتها السياسية ..

أظن أن قراءة بسيطة وسريعة (لأن الأمور صارت على قدر كبير من الوضوح) في مواقف وممارسة الأحزاب والفصائل التي تعتبر نفسها يسارية ، ستجعلنا ندرك هذه التوجهات التي تحدثت عنها ، والأمل معقود على مناضلي هذه التنظيمات اليسارية لتدارك الأمر وإنقاذ “ماء الوجه” وإعادة القطار إلى سكته اليسارية لتتحمل مسؤوليتها التاريخية .

0