محمد بولعيش يكتب : لليمين دُر

كانت الطبقة الوسطى، أو لنقل بلغة ماركس الفئة العليا من البورجوازية الصغيرة، تلعب ولا زالت دورا هاما في معارك الإصلاح والتغيير وقيادة الثروات، وتتبعها الجماهير حين تتأكد من صدقها فتضع الثقة فيها لمّا “تنتحر طبقيا” ويقوم مثقفوها العضويون بوضع مصالح هذه الجماهير ضمن أولوياتهم في التغيير وبناء مجتمع عادل يسير على درب إلغاء استغلال الإنسان للإنسان. لهذا وجدنا أن كبار الثوريين وقادة الثورات ضد الإمبريالية والرجعية وما بينهما قد انتموا إلى هذه الطبقة وفضلوا كاختيار والتزام العمل مع الجماهير وتبني فكرها وقضاياها، وتكفي إطلالة بسيطة على سِيَر هؤلاء، أمثال ماركس وإنجلس ولينين وروزا لوكسمبورغ وتروتسكي وماو وكاسترو وغيفارا وغيرهم من كبار قادة العالم اليساريين ، للتأكد من هذا الأمر ..

لكن بعد انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي وما صاحب ذلك من ارتباك فكري وتهلهل إيديولوجي نتيجة هذه الرجة الكبرى التي أصابت عالم اليسار عموما ومن ضمنه اليسار المغربي، تراجعت أهمية هاته الطبقة و”تحرر” مثقفوها من ضغط اليسار وقيوده فانتشرت الانتهازية والوصولية، وانكمش دور المثقفين، بل تراجعت الثقافة ذاتها عقودا إلى الوراء .

نتذكر – ولعل الذكرى تنفع من على بالكم – أن المثقفين المغاربة على امتداد الستينات والسبعينات والثمانينات كانت لهم “السلطة” المطلقة في الساحة الثقافية، وقاموا بدور هام في المجال الثقافي الفني الإشعاعي، جسدته الملاحق الثقافية لجرائد الأحزاب الوطنية كجريدة العلم، والمجلات الفكرية والثقافية والأندية السينمائية ومسرح الهواة وتأطير دور الشباب …

أما الآن ومنذ مدة عدنا القهقرى فانتشرت الطفيليات وبيعت الذمم واجتمع الأيتام على موائد اللئام. ورغم هذا الواقع المفلس لجزء هام من مناضلي هذه الطبقة ظهر من لا يزال يؤمن ويدعو لاعتماد الطبقة الوسطى – اعتباطا ودونما أي مبرّر فكري أو مُصَوِّغ إيديولوجي – بحمولاتها المَرَضية الحالية كعرّاب للنضال من أجل تحديث الدولة (لا يتحدثون عن تحديث المخزن تقِيّةً) والمجتمع بغية تحقيق مصالحة أو التقاء بين قوة قادمة من اليسار وأخرى قادمة من الاتجاه الليبرالي تنتج عنه بلورة قوة اشتراكية ليبرالية وسطية، لا هي يسارية ولا هي محافظة، ألسنا أمّةً وسطا ؟

وقد بدأت بوادر هذه المصالحة أو هذا التلاقي على حساب العمل الجماهيري تظهر في بعض الممارسات الحزبية تتجسد في استقطاب بعض الفاعلين السياسيين والاقتصاديين من هذه الفئات العليا من البورجوازية الصغيرة، بل حتى من “الرأسماليين” المتنورين، تقام لهم حفلات الالتحاق لم يَحْظَ بمثلها مناضلون مخلصون أفنوا حياتهم و”قطّعوا سبابيطهم” في خدمة الجماهير ومن أجلها ..

أختم ببعض ما ورثناه عن أجدادنا من حِكَم ، حين قالوا : “الراس للي ما يدور كدية” أو “للي عندو باب واحدة الله يسدّها عليه” أو “للي ما عندو سيدو عندو للاّه” ..

0