محمد حركات يكتب…أزمة الحكومة والمؤسسات العمومية في تدبير الكوارث والفواجع: قطار الموت نموذجا

القادة مهما تعددوا فإنهم كما كتب الصحافي التونسي سعيد الصافي في كتابه “لا أنبياء ولا شياطين” لا يتجاوزون ثلاثة أنواع: منهم من يبدو أصغر من منظمته، وهؤلاء ينعمون بأكبر قدر من برودة الأعصاب، ومنهم من يكون على قياس منظمته، وهؤلاء ينعمون بأكبر قدر من الانسجام، ومنهم من يكون أكبر من منظمته..وهؤلاء ينعمون بأكبر قدر من القلق والفشل أحيانا.

فاجعة قطار الموت ببولقنادل (التطابق الرمزي لاسم المكان بالصدفة عنيد يسائلنا لحمل الشموع حول النازلة لمعرفة ما حدث؟ ومن المسؤول؟) أوضحت بالملموس مدى عجز الحكومة والمؤسسة المعنية في تدبير الكوارث والفواجع ببلادنا..

على سبيل المثال يلاحظ غياب المساندة النفسية لركاب القطار والعائلات المفجوعة، فضلا عن شح المعلومات والتغطية الإعلامية اللازمة للحادث، ووجود رقم هاتف اخضر مفتوح لإخبار الركاب والعائلات عن مكان الاستشفاء وأسماء الضحايا…

كما يسجل عدم توفر مؤسسة كبرى من حجم المكتب الوطني للسكك الحديدية على فريق من المستشارين والأطباء في علم النفس للقيام بالمتابعة النفسية للركاب وعائلاتهم المفجوعة. فبرلمان “فايسبوك” والشباب والمواطنون هم الذين قاموا بالمبادرات، بحملة التبرع بالدم وبالتضامن والإعلام..

كما يسجل تعتيم حقوقي مهول حول تعويض عائلات الضحايا…وما يقوله القانون في النازلة/ الكارثة.

خلاصة القول ينبغي التأكيد أن ليس القطار هو الذي انحرف عن السكة، بل قيم تدبير المخاطر والمراقبة الداخلية والدائمة للوجستية النقل السككي والحكامة في تدبير المرافق العمومية المقدمة للمواطنين، وفق مبادئ السلامة والشفافية والفعالية والأداء، كما هو منصوص عليها في الدستور.

إن مكوث مسؤول لمدة طويلة تناهز عشرات السنين على رأس مؤسسة عمومية، براتب عال وامتيازات مذهلة، وفق معايير غير واضحة وشفافة في تولي المهام، وهيمنة الزبونية والولاءات، وغياب أو ضعف اعتماد مبادئ الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص في إسناد المسؤوليات، بدون تقييم مستمر ومساءلة لعمله وإخفاقاته، يفقده (هو نفسه) القدرة والحماس اللازمين في الأداء والفعالية في تقديم المرافق العمومية للمواطنين وفق التطبيقات الفضلى للتدبير والحكامة.

في اعتقادي هذا من الأسباب الجوهرية التي يترتب عنها التراخي والرتابة في التدبير الإستراتيجي لمصالح المواطنين، وتنتج عنها بالتالي فواجع وكوارث لا تحصى ولا تعوض بثمن…

اقتبس بعض الأبيات من نزار القباني في مرثيته لجمال عبد الناصر “قتلناك”..رثاء لمواطنين ضحايا سوء التقدير في تدبير المخاطر المحدقة.

قتلناكم …

“نزلتم علينا كتابا جميلاً

ولكننا لا نجيد القراءة

وسافرتم فينا لأرض البراءة

ولكننا ما قبلنا الرحيلا…”..

رحم الله شهداءنا.