2017/08/19

مفهوم التاريخ والأصالة في فكر الدكتور محمد جبرون من خلال كتابه ” نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره”

شمال بوست

عزيز قنجاع - كاتب وناشط جموي

يتميز كتاب محمد جبرون ” نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره” دراسة في المثلث الإشكالي المدنية والأصالة والعقلانية السياسية” بغياب الإضمار والإبهام ، ولا شك أن وضوح مقاصده وجلاء مقدماته يعتبر مكسبا علميا في لجة الإنتاج الكلامي المفرط، وقبل ان انطلق في قراءة مضامين الكتاب وتحليلاته والاجتهادات التي خلص إليها لا بد أن نضع هذا المنتج المعرفي ضمن سياق الفهم النظري الذي يؤطر مضامينه، والخلفية المنهجية المؤسسة التي أطرته. والمرامي الإيديولوجية التي ابتغاها الكاتب هدفا لكتابه هذا.

وفي هذا السياق نفهم من كلام الكاتب محمد جبرون ان المادة المعرفية التي سيشتغل عليها في كتابه هذا هي مادة مستدعاة لدواعي الحاضر: ” الكتاب هو تجربة بحثية جديدة تتحول معها مقومات النموذج الفكري – …. إلى فرضيات أولية وإشكاليات بحثية تعبر بنا إلى انشغالات الحاضر الإسلامي ” ويضيف : ” عرف عصر التدوين وضع أسس وقواعد التفكير السياسي الإسلامي ، التي ستحكم ديناميته الداخلية وعلاقته بالخارج حتى العصر الحديث”. مشيرا إلى : ” الكثير من المشاكل والصعوبات التي يعانيها الفكر السياسي الإسلامي المعاصر ناتجة بالأساس عن الفهم المغلوط لماضيه” كما ان : ” الدراسات العلمية التي تتناول النشأة والمؤسسة لمعرفة علمية شمولية حول ميلاد الفكر السياسي الإسلامي، يصح البناء عليها في الكلام السياسي المعاصر”. فالملاحظ ان مشكل الحاضر قائم في صلب الهم المعرفي للكتاب. وذلك على اعتبار ان الفائدة المرجوة من هذه الدراسة هي ” تحرير العقل السياسي الإسلامي وحفزه على الاندماج في العصر بقيم ورسالية مختلفة عن تلك التي يروج لها الكثير من الحركييين الإسلاميين.” حسب تعبيره

نحن إذن أمام كتاب ينصرف لمعالجة قضايا الحاضر من خلال الماضي وباستدعائه، وذلك من خلال ثلاث قضايا مركزية :

أولا : مدنية السلطة: من خلال استقراء مضامين معاهدة الصحيفة التي وقعها الرسول بالمدينة، حاول الباحث إثبات مدنية السلطة السياسية في الإسلام، قائلا ان شروطها “بلورتها غايات موضوعية تاريخية.  متمركزة حول قيمة جوهرية مركزية إلا وهي قيمة العدل المجردة من كل أشكال الميز والتفاوت”. مع هامش حرية للفاعلين السياسيين لاختيار شكل تحققها، خالصا إلى ان شروط  شكل تحقق السلطة صدر الإسلام بلورته غايات موضوعية تاريخية، ويهمنا هنا ان نشير الى تكرار حضور مصطلح التاريخ في هذا البحث بكثافة.

ثانيا: مدنية الدولة : دولة الرسول دولة مدنية لم تكن قط كهنوتية، انسجمت مع بنياتها الاجتماعية وأملتها تفاعلات الأحداث وحاجيات الواقع، ولم تكن أبدا مقتضى من مقتضيات النص، خالصا أيضا في هذا الباب إلى أنها دولة تاريخية خرجت من رحم الظروف السياسية آنذاكونسجل ثانية استعمال مصطلح التاريخ في خلاصته الثانية

ثالثا : الأصالة التاريخية للفكر السياسي الإسلامي قبل التدوين: يتمثل في مجموعة من الإنتاجات الدالة عليها ككتب الأمثال والآداب والمدونات التي حفظت آراء أوائل المتكلمين والفقهاء. تناولت بالأساس إشكالية شرعية الإمام وحرج الانتقال من البداوة إلى الدولة وما يستتبع ذلك من استبداد بالسياسة والمال وظهور الإرهاصات الأولى للآداب السلطانية، كان الفكر خلالها نتيجة شرعية للبيئة الثقافية والتاريخية التي ظهر فيها، ويبدو ان حضور مفهوم التاريخ كتحقق عيني للحدث يطوق كل التفكير في المسالة السياسية في التاريخ الإسلامي عند الدكتور امحمد جبرون.

 رابعا : الأصالة التاريخية للفكر السياسي الإسلامي: وتتجلى في الأصل المدني للإمامة من خلال اصل القضية  مبدئها التي لا علاقة لها بالدين حسب الدكتور جبرون بل ارتبطت بالصراع السياسي بعد مقتل عثمان والفتوحات الواسعة ، ثم هناك النمو التدريجي لفقه السياسة الذي تطور في مرحلة أولى في مجال فقه الأموال والخراج ثم تزامنت معه مؤلفات القضاء والولاية ثم كتب الاحكام السلطانية

خامسا : فقه السياسة ترجمة لثقافة العصر: وقد شكلت مؤلفات الأحكام ومؤلفات فلاسفة الإسلام في الجانب المتعلق بالفلسفة السياسية الذين كرسوا الطابع المدني للاجتماع السياسي عكس الفقاء الذين نظروا للدولة الإسلامية كمقتضى شرعي اقتضته جملة من الأحكام الشرعية، وقد عرف الاستناد إلى النص الديني في مسائل السياسة مرحلتين، الأولى لم يكن هذا الفكر بحاجة إلى النص والمرحلة الثانية تزامنت مع مرحلة التدوين في العصر العباسي الأول تميزت باللجوء المكثف إلى النص القرآني والحديث، يفسره هذه الظاهرة عامل الاستلاب الثقافي الفارسي.

الفكر الصوفي : لم يكن محرضا أو باعثا على الخروج والتمرد ورافضا للطاعة بل بالعكس من ذلك دعى إليها ونظر لها ومن خلال دراسة في ثورة المريدين بالأندلس استنتج الدكتور جبرون ما يؤيد قوله ليلخص لنا عمله هذا في توجيه عام بالقول “ان إصلاح الفكر السياسي اليوم يحتاج إلى مراجعات صعبة على الوجدان الديني الموروث ومتحررة من الهويات الأيديولوجية القاتلة ومتشبثة بالنظر العلمي “.

من الملاحظ ان كل العمل الجبروني هذا تتجاذبه أسئلة الحاضر وتحكمه خلفيات حاضرة، فعلاقة الدكتور جبرون بالمنهج التاريخي علاقة ملتبسة فهو بحكم تخصصه في التاريخ الوسيط تأثر بالدراسات التاريخية وبمناهجها لكن لا نقف عنده في هذا الكتاب إلى إشارات تعفينا البحث عن وجهة نظره التاريخية ومنهجه وما رشح عنه قليل يستوجب منا استخراجه من سياق البحث، وفي مضان القول والتعقيب والهوامش التي تأتي عرضا في كتابته، لدا عزلنا كما رأينا في بسط الكتاب، كل الأجزاء المتعلقة بمفهوم التاريخ عند الدكتور جبرون.

فمدنية السلطة كما رأينا ومدنية الدولة والتفكير السياسي قبل عصر التدوين كلها إنتاجات تاريخية حكمتها شروط موضوعية تاريخية، ظروف أملتها عوامل يمكننا تتبعها وتلمسها في مسارات الأحداث والوقائع. كما أنها لم تكن مكتملة ولا مبنية على نموذج سابق بل تشكلت وفق مسار حدثي متفاعل مع المحيط والأحداث. إذن نحن هنا أمام منهج موضوعي وضعاني تاريخي لا يرى الحدث في ذاته بل بالارتباط بأترابه من الأحداث المتفاعلة المتشاكلة والمتشابكة والتي تعطي للسياق مضمونه، نعتقد في أول الأمر أننا أمام فهم للموضوعية التاريخية إذ يجعل منها تجردا نفسيا ويجعل من عملية المعرفة آلية وضعانية تدعي النفاذ إلى الواقع كما هو فعلا.

لكن مباشرة يتبادر إلينا سؤال معرفي ضمني أخر، ان سلمنا مع الدكتور بهكذا منهجية ، منهجية تؤكد ان الماضي وأحداثه مجموعة، تأخذ فحواها ضمن شروطها وضمن تشكلها هي كما توحي بذلك تحليلاته التي استعرضناها سابقا. إذن ما فائدة استدعاء الماضي لإصلاح أحوال الحاضر مادام مضمون الماضي هو تشكله ضمن سياقه التاريخي هو، لننتقل إلى سؤال اعم وهو علاقة الحاضر بالماضي في فكر الدكتور جبرون؟

وقبل أن نتطرق إلى هذا الإشكال نسجل أولا ان الفكر التاريخي الجبروني يرى في الزمان و مسيرته فعلا ايجابيا ترتقي فيها الأشياء عبر درجات متنامية من الاكتمال ترتبط بسياقاتها وبأترابها من الأحداث التي تتراكب وتتطور لتشكل واقعة شاملة، يسميها الدكتور جبرون كلية النص الإسلامي، هذه الكلية يعتبرها أيضا خصوصية الفكر الإسلامي. هذا التأريخ الذي يريده الأستاذ جبرون عمادا للتاريخية التي يبني عليها رؤاه- وسأستعمل بعد قليل مفهوم التاريخانية – زمان اكتمل فعله واتضح سقفه، واستدعاؤه هو من اجل استصلاح حاضرنا المتسم بتأخر تاريخي قياسا على الفعل المكتمل والسقف المنجز الذي هو التاريخ الإسلامي نفسه، إذن نحن نعيش فواتا تاريخيا لا عن العصر بل عن الماضي وسبب إشكالاتنا الراهنة لا تقوم بسبب الحاضر وإشكالاته بل بسبب الماضي. ولكن ليس الماضي المنجز النموذجي، فذاك الماضي مترفع عن المساءلة هو مقدس في المتن الجبروني، بل المشكل قائم في نوع العلاقة التي تربطنا بهذا الماضي والتي تعكر صفو الوصول إلى كنهه وجوهره والتماهي معه، وليست قائمة أيضا في المادة التاريخية والأحداث التاريخية التي يشتغل عليها الكتاب لسبب بسيط لان الكتاب يستدعيها كمادة لاشتغاله، بسبب مشاكل الحاضر نفسه فليس من الطبيعي ان يتم استدعاء ماض معلول لإصلاح علل الحاضر، وبالتالي فالنصوص التراثية المؤسسة تتعالى عن المساءلة في الحاضر، ولا ترى في هذه النصوص بالذات وفي مضامينها مشكلا لحاضرنا، بل المشكل قائم في نظر الدكتور جبرون في أزمة العلوم الإنسانية وتأخر البحث العلمي والشروحات الفكرية والثقافية غير ذات مصداقية والتي قال عنها أنها مبنية على الأوهام أكثر من الحقائق، ليخلص إلى الدعوة إلى ضرورة العمل على الاهتمام بالدرس العلمي ونتائجه. إلا أن ذلك ليس بالشأن الطاعن في الاكتمال والانجاز اللذين للتاريخ في العرف التاريخاني الذي يختاره جبرون ، بل هو ليس إلا الدليل على أن الزمان المواكب لبلداننا لا وجهة له إلا تلك المقتضاة لكل زمان وهو زمان اكتمال الفعل واتضاح السقف اللذين للتاريخ بما هو تاريخ في ماضي امتنا وتراثنا، والمشكل القائم مع الماضي يبقى في المقاربة وليس في المضمون.

إذن نحن أمام تاريخانية مقلوبة يتحول التاريخ الماضي ضمنها عند الدكتور جبرون إلى برنامج جامع الأبعاد لتسوية وضعيتنا الحضارية ، من وضع ميزته الأساسية التأخر قياسا على تاريخ حاصل منجز، يحتاج فقط إلى استصلاح وإعادة توضيب وهو المشروع الجبروني في كليته. التأخر التاريخي هذا، أي تحقق التاريخ في الماضي وفواته في الحاضر أمر يكاد ان يكون أمرا  واقعا إمبريقيا لا يطاله الشك.

فعمل جبرون غير قائم على  ضرورة التمكن من هذا الماضي وإعادته إلى مضانه ضمن حقيقة حضوره في التاريخ ، بل هو حاضر اليوم بفعل استمرار الماضي في الحاضر على اعتباره جوهرا موجودا ضمن أعراضه في انسيابات الزمن وان الزمن ما حقيقته إلا المصاحبة الدائمة للتراث حيث يصبح التاريخ في هذا المعنى مضارعة دائمة لهوية ثابتة. و ليس التاريخ الإسلامي إذن إلا تاريخا طبيعيا ينتظم كل التواريخ ويصحح اعوجاج كل تاريخنا المفوت، وذلك بابتلاعه في شموليته الناجزة والمحتملة.

إذن نحن أمام مشروع تاريخاني مكتمل يقوم فيه الحاضر ما قبل تاريخ الماضي، على حضور الماضي فيه، وتتقوم مادة الحاضر بسريان الماضي فيها، والتناسب بين فراغ الحاضر في مكوناته البنيوية الخاصة وحلول الماضي فيه تناسب مطرد. في هذه التصورات عماد التاريخانية، بإفراغها اليوم في آنه وتحديداته وتعييناته، تضحى خصوصية الآن أصالة الماضي، ويضحى اليوم المسابق للغد- الماضي وجها من إطلاق هذا الماضي. ويصبح الحاضر قنطرة وصل بين الزمنين بدون شكل أو ملمح.

فما هي ضمانة تاريخانية جبرون المتجهة نحو الماضي أو كما سميتها التاريخانية المقلوبة،  فإذا كانت تاريخية فولتير القائمة على صراع العقل ضد اللاعقل وجدت ضمانتها في فريديريك الكبير، وإذا كان ضمان سجل كوندورسيه الانفتاح على المستقبل انفتاحا مطلقا في عهد الثورة الفرنسية، و لئن ابتدأ التاريخ عند هيغل يكتمل مذ رأى صاحبه روح العالم وقد تشخصت وحلت في نابليون على صهوة جواد في فيينا.السؤال عندنا هنا هو ما هي ضمانة التاريخانية جبرون حتى يكتمل المشهد بالمنهج

 ان إبلاء أمر تحقق مقتضى التاريخ إلى جهة فاعلة هو ضمان التاريخانية والجهة التي يتحدث عنها جبرون هي الفاعل السياسي وهو يقولها بصريح العبارة، “ربط المشروع بالفاعل السياسي” سيكون ذلك: “احد الأبواب الرئيسية لتسوية وضعيتنا الحضارية”، والفاعل السياسي هذا لن يكون في اخر المطاف سوى حزب العدالة والتنمية التي ينظر لها الدكتور جبرون.

في موضوع الأصالة، ينحو الدكتور جبرون إلى البحث في الأصيل من الفكر الإسلامي قبل الشوائب التي مازجته، ويحتل صدر الإسلام إلى 105 هجرية تقريبا كل ما يمكن ان يدلنا على الأصالة التاريخية والعقلانية للفكر السياسي الإسلامي قبل ان تنتظمه المنظومة الكسروية وتبتلعه لصالحها ولتحوله إلى فكر “ستاتيكو” مبني على الاستبداد والعسف وهذا ما سيدفعنا إلى نقاش هذه العملية الفكرية عند جبرون، ان عملية البحث عن الأصالة في الفكر السياسي الإسلامي هو عملية يمكن ان نطلق عليها عملية تأصل وهو عمل يقوم تقويم علاقة ما خرج عن الأصل بأصله، فرهان الأصالة والعقلانية والديمقراطية الذي يعتمل الفكر السياسي المعاصر، هو هو جوهر الفكر السياسي الإسلامي الأصيل قبل ان تشوبه شوائب الدخيل من الفكر السياسي الكسروي، فوجوه الاستبداد في الفكر السياسي الإسلامي هو من باب الدخيل البراني الذي لا أصول له في الفكر السياسي الإسلامي الحقيقي كما تشكل في مراحله الأولى، هنا تصبح كل العملية المعرفية برمتها عبور معرفي عبر مغايرة مطلقة يروم الربط الفاعل بين الغيرين الماضي والحاضر من خلال استصلاح معرف لماض منقطع عبر إعطاء شحنة معيارية للماضي. فالأصالة تقوم على أساس تأصيل الحاضر وتأصيل الماضي بأصالة الحاضر لتقوم الصلة بينهما ، ان كل متطلبات الحاضر السياسي من ” عقلانية أصالة ديمقراطية ” موجودة في النموذج الإسلامي قبل عصر التدوين ما يحتاجه الأمر هو استصلاح هذا النموذج و شطب شوائبه لاستخلاص كنهه وجوهره ويتم بعدها العبور إلى الماضي عبورا نموذجيا . هذه المعادلات المعرفية الطاغية لدى الإسلاميين تنفي عن الزمان خاصية التغيير الكيفية وعن المكان خاصية الحيز الكيفية ويصبح بالتالي بالإمكان توحيد أزمنة ماضية وحاضرة ومستقبلية ومجالات مكانية شتى ويصبح المستقبل ترداد للماضي ويصبح المستقبل يحادي الماضي ويحتدي به وتصبح مهمة الفكر في عملية الأصالة والمعاصرة مهمة تقنية تقوم على تبيان وعزل وتصنيف الأصيل من الدخيل، وعند تحديد هذا الأصيل وتعريفه و تبيانه تصبح مهمة الفكر آنذاك التفريق داخله بين ما هو صالح  ما هو طالح، الصالح الذي يعيش معنا ومن ثمة معاصرته، أو لم يعد كذلك فنعدمه، فيتم بذلك إفراغ الحاضر من كل فاعلية على اعتبار انه لحظة تكرار للماضي، فالأصالة تتحول إذن إلى نموذج ينفي الكلية و يعتبر الأصل – النوع كلا دون نواقص . من هنا نفهم ونتساءل عن غياب السقيفة وصفين والجمل… من تحليل الكتاب. لكن بالنسبة للكتاب استصلاح الأصيل باعتباره جوهرا يخترقنا رغم انقطاعنا عنه هو مآل التاريخ فالماضي هو مستقبلنا أما الحاضر فهو نقطة عبور فارغة في سبيل وصل الحاضر بالمستقبل.