2017/10/24

ملاحظات عامة حول بعض مفاهيم اليسار المعاصر

- 23 فبراير، 2017


عزيز قنجاع - كاتب وناشط جموي

إن المسالة الأساس في عملية تجديد إنتاج اليسار لفكره السياسي الراهن، لا بد أن ينطلق من إعادة النظر في الأسس والمفاهيم التي انطلق منها هذا اليسار في توصيف هذا الواقع .وأي مقاربة لهذا الواقع لا تعود لتساءل الأصول المؤسسة للقول اليساري لن يكون في إمكانها أن تتبين لنفسها ولن يكون في إمكانها العودة لتملك واقعها ووجودها كقوة تود أن تكون دافعة للتقدم، لذا سيحاول هذا المقال أن يقارب المفاهيم الأساس التي انبنى عليها الفكر اليساري، ونقصد بالمفاهيم الأساس,  المفاهيم التي شكلت الأس بالمعنى المنطقي والزمني اللذان تحكما في الرؤية والفكر السياسي اليساري. وهي المفاهيم التي تولدت عن قراءة خاصة لإشكالية مركزية داخل النسق الماركسي ظلت مقاربتها تشكل الأرضية التي من رحمها تولدت جميع التيارات اليسارية والحركات الانشقاقية عموما, ألا وهي إشكالية التراكم الرأسمالي .

I-في معنى التراكم.

1- فالرشتاين: التراكم والنظم.

لقد صاغ ايمانويل فالرشتاين ما سماه “الحركات المعادية للنظم” بالإشارة إلى أن الملمح الرئيسي للتوسع الامبريالي تاريخيا كان هو التراكم. تقوم منظومة فالرشتاين على اعتبار ” إن التراكم الرأسمالي هو في العمق عقلاني فمكاسبه الإضافية الشرهة المولعة بالاكتساب تستمر دون ضابط رغم ان تكاليفه في الحفاظ على هذه العملية وفي دفع تكاليف الحروب لحمايتها وفي شراء ولاء الأطر الوسطية باهظة جدا لا تسوغها المكاسب “. تتضمن عملية التراكم الرأسمالي إذن الأساس الواقعي الذي يتيح لنا معرفة الميكانيزمات التي على أساسها تقوم عملية الانزياح الرأسمالي وميله العام نحو التوسع، دافعا بذلك الفئات الاجتماعية والقوى الحاملة له الى الخروج من مراكزها الجغرافية للبحث عن قيم إضافية جديدة.وهي عملية معقدة في التاريخ نجد صداها المبكر في الادب الغربي كرواية روبنسون كريزويه او لدى جين اوستن او ديكنز او كونراد. ان العودة ال نقاش هذه المسالة من داخل الأدبيات الماركسية يبدو الآن مفيدا نظرا لكون هذه الأدبيات ربطت مسالة الاستعمار بالمسالة الاقتصادية. ونقاش إشكالية التراكم الرأسمالي من داخل المنظومة الاقتصادية الماركسية لمن الأهمية بمكان لتوضيح الأسس التي ينهض عليها الواقع الراهن والقوانين المتحكمة في مساراته. وقبل الانطلاق في نقاش تاثير موضوعة التراكم في الفكر السياسي الراهن لا بد من إطلالة مقتضبة لفهم آليات هذه العملية.

2-التراكم عند ماركس.

بالعودة الى تصفح كتاب الرأسمال لماركس سنجد ان هذا الأخير لاحظ أن الرأسمالية تجنح في تطورها الى التوسع اللانهائي ان عن طريق الاستعمار المباشر او عن طريق السوق الخارجية كسوق عالمية ، رغم ان كتاب الراسمال لم يجد اكتمالاته العملية في الارتباط بمسالة الاستعمار نظرا لكونها ظاهرة لم تكن لتجد مكانها في الخط الذي فكر به المؤلف موضوعة الراسمال، بسب كونه كان يرصد المنطق الداخلي لعملية التراكم الراسمالي في صيغتها الفزيائية العلمية، الا ان عملية الربط هذه ستجد صداها على مستوى كتابات ماركس السياسية، حيث سيعتبر هذا الأخير الاستعمار تحقيقا تاريخيا للإمكانيات الواقعية لصيرورة الرأسمالية و على هذا الأساس فهم ماركس الاستعمار البريطاني للهند حيث قال عن بريطانيا “هي الاداة غير الواعية للتاريخ”. ان اعتبار خروج بريطانيا للاستعمار باعتبارها أداة لاواعية للتاريخ المحكوم في قوانينه و بناه بمنطق التطور الراسمالي كأفق متزايد الاتساع ينتج التجارة الخارجية بسبب ضرورات تطوره الداخلي، والتجارة الخارجية تستدعي فيما تستدعيه الاستعمار كحلقة مكملة للسيطرة على الأسواق ومصادر فائض القيم.

3-الانعكاس السياسي لموضوعة التراكم بين لينين وروزا ليكسمبورغ.

بعد وفاة كارل ماركس أصبحت عملية التراكم وفهمها يشكل عصى الرحى الذي تخرجت من طاحونته أفواج من الانشقاقيين داخل الحركة الشيوعية العالمية، والبداية كانت بين لينين وروزا لكسمبورغ فالاثنان رغم أنهما اتفقا على ربط الاستعمار بتطور نمط الإنتاج الرأسمالي الا ان الاثنين اختلفا في صيغ المقاربة تراكم الراسمال . الا انه لا بد من تسجيل ملاحظة عرضية وهي ان لينين اختلف مع روزا لكسمبورغ لا لاعتبارات علمية، ولكن للاستتباعات السياسية لموضوعة التراكم .ففي الوقت الذي اعتبرت فيه روزا لكسمبورغ ان الفعل الانساني يبقى خارج امكانية التحكم في مسار التاريخ باعتبار قاهرية قوانين التراكم داخل نمط الانتاج الراسمالي في التحكم في صيرورة الحركية التاريخية ، رأى لينين في الأمر تأسيسا سياسيا لرؤية لا تعطي للفعل الواعي المنظم اعتبارات أساسية أو هي تأسيس للعدمية كوجه آخر للفوضوية، وهو المسار الذي ميز أنصار حركة اسبارطاكوس، في الوقت الذي شدد لينين على دور الحزب في التوجيه و التحريض والتأطير السياسي قاطعا الطريق أمام أي عمل عفوي، من هنا يتبين ان الاستتباعات العملية لفهم موضوعة التراكم لها تاثير مباشر على الممارسة السياسية اليسارية في فهم طبيعة التنظيم والفعل الانساني ودوره في الثورة .

4-روزا ليكسمبورغ وموضوعة التراكم

تقول روزا في كتابها “تراكم الراسمال” ” تظهر الراسمالية في بدايتها و تنمو تاريخيا في وسط اجتماعي لارأسمالي ففي اوروبا الغربية تمتد الرأسمالية بادئ ذي بدء داخل الوسط الإقطاعي الذي انبثقت عنه اقتصاد الاستعباد في الريف ، وحرفية الفرق المهنية في المدينة ثم بعد القضاء على الإقطاعية ، تمتد داخل وسط فلاحي وحرفي معا ، حيث يسود بالتالي الاقتصاد السلعي البسيط في الزراعة كما في الحرف، وخارج اوروبا تحاط الرأسمالية الأوروبية بأراضي شاسعة، حيث تتواجد جميع الأشكال الاجتماعية وفي كل درجات التطور ، بدء بقبائل الصيادين الرحل الشيوعية حتى الإنتاج السلعي الفلاحي و الحرفي .ففي هذا الوسط تتم إيوالية التراكم الرأسمالي”. وتميز روزا بين ثلاث مراحل في التراكم : اولا صراع الرأسمال ضد الاقتصاد الطبيعي ، صراعه ضد الاقتصاد السلعي و صراعه على المسرح العالمي حول ما تبقى من شروط التراكم ” من هنا يبدو ان مسالة توسع نمط الانتاج الراسمالي عند روزا ليكسمبورغ ارتبطت تاريخيا بخروج أوروبا عن مركزها الجغرافي للبحث عن شروط ارقى للتراكم وهي ليست عملية إرادية بل مرتبطة بصلب تطور نمط الإنتاج الرأسمالي. اين تختلف روزا عن ماركس في فهم عملية التراكم ؟.

5- عودة إلى ماركس

فبالنسبة لماركس التمركز القوي للراسمال الثابت عبر التكنولوجيا يستدعي في المعادلة انتاج فائض قيمة نسبية كل ذلك يدفع الراسمالي الى التفتيش عن مصادر اكثر ثباتا لفائض القيمة وذلك عن طريق تثوير سلكة الانتاج وتطوير المكننة و التقنية المتطورة و تقسيم العمل …مما يؤدي الى زيادة الراسمال الثابت وانخفاض الراسمال المتحول ومردود هذه العملية ياتي مناقضا لطموحات الراسمالي في الربح اذ ان الزيادة المطردة في الراسمال الثابت يقابلها انخفاض اتجاهي في نسبة الربح..وسعي الراسمالي خارج حدود النمط الراسمالي والتفتيش عن مصادر ثابتة للربح ضمن مجتمعات لاراسمالية ” ان هذه المعادلة التي تحكم عملية التراكم الراسمالي مرتبطة بتفكيك التشكيلات اللارأسمالية بشكل لا يمكن ان نتناول معه هذه التشكيلات بمعزل عن الراسمال نظرا لكون هذه البنى لم تعد مطابقة لنموذجها الماقبل راسمالي ومرتبطة في نفس الوقت بحدود تاريخية تمنع هذه التشكيلات من ان تتحول الى نمط راسمال ناجز وربما باليات انتاج نقيضة حسب ما ذهبت اليه الدراسة المنجزة من قبل مهدي عامل في موضوعة نمط الانتاج الكولونيالي. واذا كان لينين قد اعتبر المرحلة الامبريالية كاحدى المراحل الحاسمة والنهائية في تطور نمط الإنتاج الراسمالي باعتبارها مرحلة التناقض الحاسم بين قوى الإنتاج وعلاقات الانتاج ضمن خطية غائية موجهة دون الاهتمام بالمسالة المركزية في صيرورة الرأسمالية والمبنية أساسا على العلاقة التقابلية القائمة بين فائض القيمة المطلق و فائض القيمة النسبي والراسمال الثابت والراسمال المتحول.

– II التراكم و دول العالم الثالث

لقد ارتبطت عملية التراكم في صيرورتها الواقعية الى دفع اوروبا اولا ثم باقي البلدان الراسمالية الاخرى، الى الخروج عن مراكزها الجغرافية لتملك باقي المناطق اللاراسمالية، في حركة سميت تاريخيا بالاستعمار واتخدت بعد ذلك اشكالا سياسية متعددة وتحت أسماء مختلفة، لكن ما يهمنا هنا هو كيفية فهم اليسار الثالثي للتحويلات التي احدثتها عمليات التراكم على بنية مجتماعتنا.

1- تنبيه منهجي

دائما ما اعتبر التحليل الماركسي تحليلا لا ينسجم وخصوصية واقعنا التاريخي واعتبرت مفاهيم الماركسية واعمالها في فهم مجتمعاتنا، سمة على تيار تغريبي يسقط مقولات غريبة على واقعنا القائم ، الا ان تحليل اشكالية التراكم تضعنا عند تحليل مجتمعاتنا في صلب التحليل الماركسي، على اعتبار أن بنية مجتمعاتنا الحديثة تشكل جزءا من منظومة نسقية تولدت عن الاستعمار كوجه مباشر لحركة تطور النمط الرأسمالي للإنتاج, وبالتالي فالرأسمالية كبنية إنتاجية أصبحت محركا لمجتمعاتنا في تميز يطال شكل تكونها كبنية تابعة، او كبنية تمتاح دورها من تقسيم العمل على الصعيد الدولي. وبالتالي يتم على مستوى التناول إمكانية إعمال مفاهيم المنظومة الماركسية باجتهادات ومقاييس قد تكون مختلفة، لكن متفق حول منطلقاتها.

2- الصراع الايديولوجي الدولي و التعتيم المعرفي

شهد العقدان اللذان تليا انهيار المنظومة السياسية الاشتراكية و سقوط جدار برلين عملية توضيب إيديولوجي وخلط مفاهيمي مورس على مستوى واسع في حقل الصراع السياسي على المستوى العالمي، لإيجاد صيغ تبريرية لهيمنة أحادية على الصعيد الدولي، وضعت مجمل الفكر اليساري ضمن مسارات جديدة وتوفيقات جعلت مجمل إنتاجياته النظرية والفكرية التي راكمها طيلة المدة ما بعد الحرب العالمية الثانية موضع تحوير شامل، وذلك ضمن استراتيجية توفيقية أعادت رسم أفق جديد للحدود المعرفية للمفاهيم التي دأب اليسار على نحتها في عمليات القراءة المتكررة لواقعه، وجعلت الطرف المهيمن عليه في هذه العملية دون إمكانية إنتاج فكر يستطيع من خلاله رسم مساره وتميزه . تولد عن هذه العملية إمكانيات جديدة لم تكن متاحة في الماضي حيث أصبحت قوى غارقة في المحافظة قادرة على توظيف مفاهيم غاية في التقدم حتى بدون حرج علمي ومعرفي مثل حشر مفهوم التقدم ضمن باقة فضائل خطاب الحركات النكوصية للإسلام السياسي.

3-  التخلف والعولمة في أدبيات اليسار الراهن

مفهوم العولمة أصبح بمثابة المفتاح السحري للجواب على معضلات المرحلة ، لكن تناوله يؤدي الى طرح مع ذلك مجموعة من المساءل على بساط النقد والتحليل. فهل العولمة وليدة المرحلة المتأخرة للرأسمالية؟ هل العولمة ارتبطت تاريخيا بسقوط جدار برلين وانهيار النظم السياسية الاشتراكية.؟ هل القبض على مفهوم العولمة من قبل مجموعات اليسار عموما والمغربي على وجه الخصوص، وتبنيه كصيغة أكثر تطورا في عملية استعادة الوجه الآخر للنضال ضد الامبريالية حيث تم على أرضيتها تشكيل مجموعات صغيرة تخصصت في مجابهة ظواهر العولمة كاطاك وجيل التروتسكيين، و تبدو المجموعات المناهضة للعولمة ببلادنا أكثر جدية في التعاطي النضالي مع موضوعها يصل الى حد تحريم أكل الهمبورغر، الشيء الذي أسس لتبني صيغة المواجهة دون مناقشة أصول المفهوم و مترتباته الإستراتيجية على العمل السياسي اليساري. ويبقى بالمقابل السؤال مطروحا حول تخلي المفكرين اليساريين والتنظيمات العربية السياسية عن الصيغة التي راكموها في قراءة واقعهم السياسي انطلاقا من مفهوم التخلف إلى منطق آخر لم يتم التأسيس له داخل الفكر السياسي ونعني به منطق العولمة، في الوقت الذي شكلت الكتابات العربية في موضوعة التخلف ريادة عالمية كما نجدها عند فرانز فانون في الجزائر والوثيقة الإيديولوجية المقدمة للمؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمغرب ودراسات رفعت السعيد وسمير أمين بمصر، كما قدم الحزب الشيوعي اللبناني قراءات متقدمة في الموضوع كما هو الحال عند كريم مروة و مهدي عامل وقد وجدت هذه القراءات متوازيات لها عبر العالم ككتابات جوندر فراند و سلسو فورطادو بامريكا اللاتينية وعند بتلهايم و ايف لاكوست باوروبا.

4- التخلف و العولمة وجهتا نظر متناقضة في فهم عملية التراكم وإنتاج البرامج السياسية.

لقد غطى مفهوم “التخلف” كل الكتابات اليسارية ما قبل مرحلة انهيار المنظومة الاشتراكية، وشكل المعنى الكامن لكل كتابات اليسار في المسألة السياسية، واستدعى هذا المفهوم كشعار بالمقابل مفهوم “التقدم” كنقيض مباشر و أساس للبرنامج السياسي والنضالي العام، اما مفهوم “العولمة” الذي اكتسح مجال الفكر بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وانتعش بشكل كبير في الدراسات  الاستراتيجية سواء على المستوى الرسمي او لدى الأحزاب اليسارية فقد استحث بالضرورة استجداء مفهوم التنمية كصيغة تندرج ضمن الرؤية التي يطرحها المفهوم بالاستتباع الحتمي والتولد الضروري. فكما تولد مفهوم “التقدم” معرفيا عن مفهوم “التخلف” ضمن سياق من المتولدات الدلالية والمعرفية، تولد مفهوم “التنمية” عن مفهوم “العولمة” ، ولا بد من الاشارة هنا الى ان المسالة ليست عملية استبدال مفاهيمي او تمرين لغوي بل ان لكل مفهوم مستتبعاته العملية في انتاج البرامج السياسية. فالعولمة تعالج اشكالية التراكم من وجهة نظر راسمالية أي بتحليل يستند الى معطيات تطور التراكم  الرأسمالي، وليس الأمر كالتخلف الذي يرى اشكالية التراكم من حيث آثارها على البلدان التي تم لي مسارها التاريخي لحشرها ضمن منظومة الإنتاج الرأسمالي. وبالتالي فان وجهة نظر العولمة ترى توسع الرأسمالية وتحققها ببلداننا تحققا لإمكانياتها في تطورها الذاتي،  في حين فان وجهة نظر “التخلف” ترى التوسع الراسمالي في بلداننا من حيث آثاره وفعله التاريخي في بلداننا و ليس بما تحققه الراسمالية من تراكم على هذا الصعيد.  ويصير الفرق بينها على مستوى القراءة السياسية هو الفرق بين انتاج برامج سياسية تقارب الموضوع من وجهة نظر ممانعة عندما تستند الى واقع التخلف كبنية قائمة تعيد انتاج نفسها ضمن منظومة رأسمالية واحدة. وبين العولمة كصيغة تصوغ القبول بالاندماج اللامتكافئ ضمن نسقية أحادية الاتجاه تجد حلها في مسار التاريخ. تستدعي قراءة التخلف معالجة شمولية للظاهرة أي يستدعي الحل شكلا سياسيا بكسر ميكانيزماته الواقعية المولدة له، في حين تكتفي العولمة باستدعاء الحلول الجزئية لمشكلات آنية في تمظهراتها، كالفقر والتهميش والهشاشة ومنظومة وصف طويلة لاثار شكل محدد في انتاج الثروات والتي قد تصبح جزء من عمل الأحزاب وتضمنها برامجها السياسية، كما يمكن أن تصبح في سياق التخصيص والتخصص إلى مشكل جمعوي بسيط ، يقوم بادوار في سياق العولمة تقوم على تفتيت المجتمع تحت اثر نمط من التنمية يعتمد على مقاربات طفيلية غير منفكة عن الدولة، حيث تغدو السلطة أداة لإدارة تفتيت المجتمع وفتحه أمام الأنماط الجديدة للانخراط داخل النظام الاقتصادي العالمي. إن عدم الوعي بسياق توطين مفهوم العولمة داخل أوطاننا ضمن رؤية ممنهجة للصراع الاستراتيجي الدولي ينتج لا محالة رؤية تنبني على التقابل بين طرفي المعادلة – المركز و المحيط – كاختلاف طبيعي يؤكد الهوية والتماثل والتصالح الأبدي، وهي أطروحات أخدت أشكال مختلفة وتحت عناوين “شمال افريقيا والشرق الاوسط” بشكله الامريكي الى “تكتل حوض البحر الأبيض المتوسط” بالصيغة الأوروبية. هذا بالإضافة الى ما تتضمنه صيغة “العولمة” من وعد بالمساواة الوهمية خارج العلاقات الفعلية وهي الصيغة الأمثل للعصر في سياق تطور الايديولجية المهيمنة. فهي و إن لم تكن كمقولة تنفي واقع التفاوت والتمايز بل تقره و تعترف به، الا أنها لا تعلن طابعه الجوهري ومن ثمة تطرح في صلبها إمكانية المساواة التي هي مبدأ الوجود حسب هذا المنطق، لكن لا في العلاقات الواقعية بل في سجل الحضور أمام القدر، أمام الله، أمام صناديق الاقتراع، أو أمام حضارة العصر في الأمد البعيد باستصلاح أثار حضورها القطاعي كما هو الحال بالنسبة لموضوعنا، مبشرة بالوفاق كحل للتناقضات بين الدول المهيمنة والدول التابعة بتعميم نعم العصر في آجال غير مسماة على مجموع الإنسانية.