2017/09/22

صورة جماعية في ختام الللقاء الذي نظمته جمعية فضاءات ثقافية بالعرائش

ملامح أدب المنفى في تجربة البجوقي الروائية

شمال بوست / الناقد : محمد الوردي - 29 ديسمبر، 2015


نظمت جمعية فضاءات ثقافية بالعرائش يوم السبت الماضي لقاءا ثقافيا لتعميق النقاش الذي أحدثه موضوع أدب المنفى، واحتفاء بالإصدار الروائي الجديد لعبد الحميد البجوقي “حكايات المنفى : عبسليمو النصراني ” لتقديم هذه الرواية والتعريف بها، وتقديم قراءة في الجوانب العديدة والمتعددة التي تستثيرها هذه المحكية.

وعرف اللقاء قراءة للناقد محمد الوردي في ادب المنفى ورواية ” عبسبيمو النصراني ” تحت عنوان ” ملامح أدب المنفى في تجربة البجوقي الروائية “

    تصدير:

كنت أسمع دائما باسم عبد الحميد البجوقي، إنسانا مهموما بالقضايا السياسية والاجتماعية والثقافية. لكن معرفتي به ظلت محدودة لا ترقى إلى مستوى الفهم العميق الذي يصدر عن تفاعل حقيقي بين الناس إما عن طريق القراءة أو عن طريق التواصل الحي. لكن بعد قراءتي روايته الأولى “عيون المنفى: المورو خايمي” أحسست أنني أعرف كل شيء عن هذا الرجل. أعرف ثقافته واهتمامه ولغته وقيمه الجمالية التي تجعله يفضل موقفا عن موقف وشخصا عن الآخر. رأيت أن الرواية تفشي كل أسراره وتكشف عن كل همومه التي أجهد نفسه سابقا في ترجمتها عبر كتب ومقالات. وعندما قرأت روايته الثانية، -التي أعتبرها امتدادا للرواية الأولى على مستوى الفكرة والشكل والمضمون- ازدادت معرفتي بعبد الحميد البجوقي، الذي أثبت حدسي الأول تجاهه بأنه رجل يحمل مشروعا فكريا وثقافيا اختار السرد الروائي وسيلة تواصلية لمناقشته مع جمهور أوسع من القراء. إنه ليس كاتبا يكتب رواية بالصدفة ليختبر موهبته الإبداعية. لأنه يتبرأ دائما من لقب الروائي، فهو لا يعني له الكثير مقارنة مع  رغبته في البوح بهمومه الإنسانية والسياسية التي اكتسبها من تجربته الفريدة في حياة المنفى والوطن، ومحاولته فتح قناة تواصلية جديدة مع المتلقي ينفرد به في زوايا إبداعية خاصة ليشركه في تجربته وهمومه وأحلامه.

أبتغي من هذا الكلام إعادة صياغة مفهوم الرواية باعتبار مقاصدها التواصلية وباعتبارها خطابا سرديا يظفر بمهام خاصة، حيث لا تتحقق دلالاتها في غياب قارئ واع يتفاعل مع أحداث الرواية ويبني من خلالها مجموعة من الرؤى والأحكام والقيم الإنسانية. فرواية البجوقي، هي عمل فني  يُضمر مواضيع ثقافية معرفية سياسية واجتماعية وتاريخية ودينية شائكة ومثيرة. وإلى جانب كل هذا فهي تجربة أدبية لا شك أن المبدع قد اجتهد في صياغتها في قالب إبداعي يحفظ لها نصيبا وافرا من التأثير الجمالي والفني.  والدليل على ذلك، أن رواية البجوقي تستوعب قراءات متعددة وتستجيب لأسئلة القراء المختلفة لحظة القراءة. فكل قارئ لهذه الرواية يدخل إليها وهو مسلح بأسئلة خاصة واهتمامات معينة سيجد صداها في الخلاصات التي سينتهي إليها بعد إنهاء القراءة. لأنها تتضمن خطابات متعددة متداخلة ومتماسكة في قالب سردي محكم.

أنطلق في هذه القراءة لرواية حكايات المنفى: عبسليمو النصراني: من توجيه دقيق لإدوارد سعيد يقول فيه: لنقوم عمل أدبيا تقويما جيدا، فإنه من الأساسي أن نتعامل معه باعتباره عملا فرديا لكاتب فرد منشبك في ظروف يسلم بها الجميع، مثل الإقامة، والجنسية واللغة والأصدقاء، والثقافة والتجربة الخاصة في الحياة. وهكذا تكون المشكلة بالنسبة للمؤول هي ربط بين هذه الظروف بالعمل الأدبي؟ [1] لذلك ينبغي أن نستحضر تجربة الكاتب عبد الحميد البجوقي ونحن نقرأ روايته عن المنفى، وسرده حكاية عبسليمو. مع ما تتضمنه هذه التجربة الروائية من ومضات يمكننا أن ننتقل بواسطتها بين تجربة الكاتب في المنفى وعوالم نصوصه السردية المتخيلة، والتي لا تخرج –من وجهة نظري- عن تقديم صورة فنية لعوالم الإنسان المنفى وتجاربه الوجدانية التي تؤرخ لتلك الصراعات النفسية التي يشترك فيها المنفيون مهما اختلفت أسباب النفي وظروفه. فالرواية عند البجوقي كما هي عند أدباء المنفى، توريط القارئ في معاناة المنفي الذي يُضمر دائما القلق والتوتر،  فهو لا يضمن الإقامة الطويلة في مكان ما. ولا يؤمن بمحافظته على البيئة المعتادة ولا على اللغة الطبيعية التي تربى على الحديث بها. لذلك لا تسلم الرواية من خطاب عاطفي يحرك فيه الروائي عواطفنا نحو ما يريدنا أن نفهمه ونحسه ونعتقده تجاه تجربة المنفى.

تختلف تجربة النفي في هذه الرواية، لأنها تحضر سرديا باعتبارها مادة روائية أو موضوع رواية، فهي إذن تجربة كتابية جمع السارد النصي /يوسف شتاتها من الذاكرة وجعلها موضوع نقاش حول طبيعة أدب المنفى وطبيعة تجربة النفي، فهو مشارك في ندوة حول أدب المنفى، وهو أيضا يدلي بتصور خاص عن تجربة المنفى أو على الأقل تجربته مع النفي، يقول معرفا بنفسه في ص 9 : “سبق أن نشرت روايتي الأولى .. وأشارك في ملتقى تارودانت كمحاضر في موضوع روايتي كنموذج لكتابة المهجر، ولو أنني لا أتفق مع التعريف ولا أعتبر نفسي مهاجرا، مهما كان أبي من أصل مغربي، وفي أقصى الحالات قد تكون كتاباتي نوعا من أدب المنفى، وأعني المنفى الثقافي والعرقي وليس المنفى الجسدي.”[2] فالتجربة التي يناقشها في روايته هي تجربة مختلفة تتمحور حول النفي الثقافي والعرقي، فهو لا يعتبر نفسه خارج وطنه بل هو كذلك مواطن إسباني كما يبين اسمه “خوصي” وأبوه أيضا لم ينف بسبب سياسي ولكن بسبب ديني، أي اعتناقه المسيحية التي جعلته مرفوضا في المغرب ومضطهدا وغير مرغوب فيه.

تختلف تجربة النفي إذن، لكنها تحتفظ دائما بصبغتها الموحدة وهي الابتعاد من الاضطهاد ومحاولة بناء حياة جديدة بمفاهيم جديدة.  وهي الغاية التي سيبدأ بها عبد السلام حكاياته في المنفى والتي ستشترك مع حياة الغجر المنفيين في وطنهم بسبب فهمهم المختلف للوطن والحرية، وتمردهم على القوانين والقيود الوضعية.

تتعدد إذن المواضيع التي تناقشها هذه الرواية، لكنها في شموليتها تكشف صورا مختلفة من الحياة الاجتماعية والثقافية للأقليات الدينية والثقافية، وتكشف عن وجه آخر للمنفى وهو المنفى الثقافي والاجتماعي الذي يجعل الإنسان منفيا في وطنه أيضا. وهو ما سيعرض في هذه الرواية وسيفرز هذا الالتحام والتضامن والتعاطف بين الغجر وتجربة عبسليمو النصراني.

النسق السردي في الرواية:

استهل السارد روايته بوصف ذلك المحفل الثقافي الذي عقد بتارودات في موضوع أدب المهجر، والذي حضره خوصي/يوسف، باعتباره محاضرا عن تجربة المنفى من خلال عمله الروائي. وسيتعرف خوصي/يوسف على فتاة مغربية “خديجة/ أريناس” وسيدخل معها في نقاش سيحوله فضول خديجة إلى سرد شامل لمشروع روايته الجديدة، عن حكاية عبد السلام ونانونكا. وهنا سيبدأ السرد الاسترجاعي عبر هذا التعاقد القرائي الذي وضعه يوسف قائلا: ” سأحكي لك كل الرواية، سأبدأ من تفاصيلها الأولى التي سمعتها من جدتي الغجرية، سأبدأ من حي صفيحي للغجر في مدريد حيث التقى عبد السلام المغربي الهارب من طنجة بنانوكا الهجرية.”[3]  يحدد هذه النص الاستهلالي إذن مدخلا سرديا وتعاقدا يحدد إطارا للتلقي، وقد انتقل السرد فيه من السارد الأول الذي يقع خارج النص، إلى سارد ثان يسكن الذاكرة ويربط تفاصيلها وينقحها ضمن إطار سردي سماه بالحكي الروائي.

لقد عرض المؤلف هذه التجربة، في قالب سردي صدّره بحدث متأخر لزمن القصة الحقيقية، وكأنه يسعى إلى أن يُوجِد لنفسه مسوغا للسرد، وهو ما أفرز تقلبات متعددة في زمن السرد وأثر بصورة مقصودة على تعاقبه الزمني، حين حول المؤلف السرد من الوظيفة الروائية العامة، إلى وظيفة نصية خاصة وهي “الإخبار” في مقام تواصلي محددة – تواصل خديجة/ أريناس ويوسف/خوصي الذي جعل سرده محفزا لتحريك فضول خديجة لعله يخطف منها موعدا وقد تبادلا الإعجاب في الندوة: يقول مخاطبا خديجة (صفحة10 ) :” ما رأيك أن نلتقي هذا المساء بعد نهاية الندوة وأحكي لك روايتي المقبلة؟”  وسؤالها عن موضوع روايته. تقول في ص 15 : ” أخبرني يا خوصي أو يوسف ما سر هذه الراهبة؟ وما علاقتها بالرواية التي حدثتني عنها؟” فكانت رواية عبسليمو جوابا عن هذا السؤال.

تتداخل إذن أزمنة السرد في رواية “حكايات المنفى” حين تحدث مسافة بين الحدث الأول الذي تمثل في النص الاستهلالي، وهو الباعث على السرد، ويتشكل في الزمن الحاضر أو زمن السرد، ويتم من خلاله الحكي الاستيعادي الذي يتصرف فيه السارد النصي، “يوسف” في تشكيل رواية متماسكة انطلاقا من ذاكرة جدته وذاكرته وما أضافته الراهبة خوانا من إيحاءات ملأت بعض بياضات ذاكرته. وهنا يمكن تقسيم الرواية إلى ثلاثة مقاطع سردية تختلف أزمنتها بين زمن السرد “الحاضر” وزمن وقوع الأحداث المسرودة، “الماضي” ثم الرجوع إلى زمن السرد في النهاية. ويمكن أن نحدد هذه التقسيمات فيما يلي:

1-      الحدث الاستهلالي: حضور يوسف/خوصي إلى المغرب وتحديدا تارودانت من أجل المشاركة في ندوة حول أدب المنفى باعتباره روائيا له تجربة كتابية في هذا الموضوع. ثم التقاؤه بخديجة/أريناس، التي ستحرك رغبته السردية ليفشي لها مضمون روايته الجديدة عن قصة عبد السلام المغربي ونانوكا الهجرية.

2-      النص الروائي حكاية عبسليمو النصراني:  وهو أصل الرواية التي تحكي حكايات عبسليمو النصراني، والتي يرويها يوسف لصديقته خديجة. وتبدأ من يوميات الهجريين وظروف عيشهم واحتضانهم لعبد السلام الهارب المطارد من طرف الشرطة الاسبانية، ثم تعرفه في ظروف خاصة على نانوكا وارتباطه العاطفي بها وفي النهاية ولادة يوسف/السارد، الذي سيعترف في النهاية بأن هذه القصة  ما هي إلا قصة أسرته.

3-      الحدث الختامي: ويتجلى في العودة إلى الحاضر، وقت السرد، ليصف أثر القصة على المتلقي الأول خديجة ويقدم بعض التعليقات بخصوص نهايتها. وكيف أنه جعل قصة أسرته مادة لروايته.

ولعل ما يثير انتباهنا في هذه الرواية، هو ازدواجية الأسماء. أي وصف الأبطال بلقبين يوحي كل واحد منهما على هوية مختلفة. وهي ملاحظة سجلتها في رواية عيون المنفى أيضا. سعيد/خايمي.  يوسف /خوصي خديجة/أريناس.  لاشك أن هذا التنافس الإنتمائي بين الأسماء ليس اعتباطيا من كاتب يؤمن بانفتاح الثقافي وتعدد الهويات. إنه نقد دفين لأحادية الهوية، ودعوة صريحة إلى الانفتاح على الثقافات المختلفة التي يعتبر الاسم دالا عليها. وهو يومئ أيضا بانغماس شخصيات البجوقي في عالم المنفى وتعايشهم معه. فالمنفي لا يقف باكيا بل ينغمس في الحياة الجديدة وينشغل ببناء هوية جديدة فيشتغل ويدرس ويحب ويقبل لقبا جديدا يطلقه على نفسه يدل على انتمائه الجديد.  لكننا مع ذلك نلفت الانتباه إلى حمولات سلبية تلتصق بالألقاب التي يضعها المؤلف لشخصياته ك”المورو” أو “عبسليمو النصراني” التي تدل في جانبها الأول على التشابك بين الهوية المغربية والديانة المختلفة. وهي ترفع أيضا شعار الاختلاف المنبوذ، لأن نعت الإنسان بديانته ينبع من تمييزه وبيان اختلافه. وإذا تعلق الأمر بالدين في الثقافة العربية فإن الأمر يبدو أكثر إثارة للعداوة والنبذ. وهو الأمر الذي بعث في عبد السلام الرغبة في الخروج من المغرب هربا من الاضطهاد والرفض.

التعدد الخطابي في حكايات المنفي: من الوظيفة الأدبية إلى الوظائف التواصلية:

يقول باطايْ : “كل إنسان مشدود إلى المحكيات والروايات التي تكشف له حقيقة الحياة المتعددة”. فالرواية إذن هي مجال رحب لاستعراض تجارب إنسانية متعددة، ذلك أن الخطاب الروائي، يتيح هذه الوفرة في التجارب الإنسانية ، والتي تُضمر خطابا ثقافيا ونقديا لا يقف عند حد السرد الإمتاعي، بل يسعى بعد ذلك إلى تحقيق تواصل ثقافي يتأسس على ميثاق قرائي يرفعه العنوان ويناقشه الكاتب عبر أحداثه وشخصياته. وقد أحالني هذا التوجه الوظيفي الذي أخذته حكايات المنفى، إلى رصد تلك الخطابات الثقافية والإنسانية التي دعمت رؤية الكاتب للحياة وموقفه من بعض القضايا الإنسانية التي لا يمكن الفصل فيها بين الذات والسرد، وهنا وجب علينا أولا أن نتساءل عن المقصد العام التي تشتغل ضمنها الخطابات داخل الرواية، أعتقد أن غاية الرواية لا تخرج عن التعريف بحياة المنفى وأوجهه ثم كسب تعاطف القراء وتوريطهم في معاناة المنفيين.. فالبجوقي في هذه الرواية يصف حياة منفي هارب من الضغط النفسي والاجتماعي الذي سببه اختلافه الديني. ويصف بساطة هذا الاختلاف الذي لا يتأسس على وعي وعلى موقف بل هو اختيار بسيط حاول “عبسليمو” أن يمارس داخله أبسط حقوق حريته. إلا أنه ظل منبوذا باعتباره نصرانيا اختار دينا غير دينه. والحقيقة أن تأثره بأخلاق الراهبة وحسن تعاملها معه أثر فيه أكثر من كل الديانات، فلم يكن اعتناقه هذه الديانة إلا تعبيرا عن حبه لهذه الراهبة. وهو بذلك يقدم نقدا دفينا للخطاب الديني الذي قد يتحول في العديد من الأحيان إلى خطاب تنفيري عنصري كما مثله الخطاب العنصري الذي دفع بعبسليمو إلى التفكير في الهرب من المغرب. بينما يظهر في مقابل الخطاب التنفيري يوجد خطاب  إنساني منفتح ورحب لا يهتم بالتوافق أو الانتماءات الدينية ولا الوطنية ولا اللغوية ولا العرقية بقدر ما يحترم الإنسانية. وهو الخطاب الذي مثله الغجر باحتضانهم لعبسليمو ودفاعهم عن حقه في الحياة، ثم أيده الراهب بخطابه الإنساني الدافئ حين احتضن خوف عبسليمو وغربته بقوله: ”  يا بني ، ليس المهم أن تكون مُسلما أو مسيحيا، أو حتى ملحدا، المهم أن تكون إنسانا، والإنسان لا يكون أبدا سريا كما تدعي بعض القوانين التي وضعتها الدول. يا بني، ثق أنني لا أتعاطف معك لأنك اعتنقت المسيحية، وليس كل المسيحيين كذلك، بل الكثير منهم يكرهون المهاجر لبشرته ولونه ولو كان مسيحيا، كما هو حال الكثير من الأفارقة. عزيزي عبد السلام سأبوح لك بسر، وسأخبرك بأنني من جماعة قساوسة التحرر، قساوسة نُدعم حركات التحرر في العالم ونشارك فيها بالمال والسلاح إلى جانب أحرار العالم، في السلفادور، وفي فلسطين وبوليفيا وغيرها، نعم يجمعنا حب الحرية مهما فرقت بيننا الأديان، ومنذ ذلك الحين وأنا لا يعنيني ما تؤمن به أنت أو غيرك من البشر، الذي يعنيني هو ما أنت وغيرك من المؤمنين فاعلون بهذا الايمان، الذي يعنيني هو ما يفعل المؤمن بإيمانه، هل إيمانك مصدر للهدم أم البناء، هل هو إيمانٌ يدعو للحب أم للكره، هل هو مصدر للاستعباد أم للتحرُّر..”

إن الكاتب هنا يروم تأسيس خطاب يحتضن الإنسانية ويجعلها أعمق مبادئ التعامل والتواصل بين الناس، وبالتالي يهدم ذلك الخطاب الذي لا يؤمن بالاختلاف والتعدد. إنه يلفت الانتباه إلى رؤية خاصة متجردة من كل القيود الدينية والقانونية الوضعية، وهي أن الحرية هي حق مشروع لكل إنسان لا ينبغي أن ترتهن بأي شرط. فالخطاب العنصري التحقيري والإرهابي، هو الذي دفع عبسليمو إلى تفضيل المنفى على وطنه، وهو الذي جعله يعيش مطرودا هاربا في منفاه لأنه لا يتمتع بالحرية التي حددت شروطها القوانين الوضعية، وقد بين السارد أن التمرد على هذه القوانين اشترك فيها عبسليمو بسذاجته مع موقف تاريخي كبير مثلته الثقافة الغجرية التي تضمنت الرواية معلومات تاريخية مهمة حولها.

لكن السؤال هنا، هل كان الكاتب بعيدا برؤيته الذاتية عن مسار الرواية وخطابها من الناحية القيمية والثقافية؟

أعتقد أن الخطاب الروائي لم يعد منئيا عن حقيقة الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي نعيشه جميعا، وبالتالي لم يعد مثيرا أن نبحث عن الحيادية في الرواية، أو أن نطلب من الكاتب أن يتملص من مواقفه وأن يوهمنا بحياديته في عرض أحداث الرواية. بل على العكس تماما. إننا أمام خطاب روائي يظفر بوظيفة تواصلية سامية. يسخر فيها الروائي شخصياته ليبوحوا بأسراره وأفكاره وأحلامه أيضا. لذلك يسهل علينا أن نتعاطف مع المواقف التي يشتغل الكاتب على إظهارها في الصورة المقنعة، لأنها تمثل رسالته الخاصة أيضا. فتعاطفنا مع حياة الغجر ومبادئهم وقوانينهم وثقافتهم وإعجابنا بشخصياته وبغنائهم وباندفاع نانوكا أمام الشرطة في مواقف كثيرة. وتعاطفنا مع خطاب الراهب المسيحي واحترامه للإنسانية بدون شروط. كلها أحكام مدروسة اثارها الكاتب في نفوسنا ووجه عواطفنا نحو تقبلها والاقتناع بها وهي تمثل في النهاية تلك المساحة المهمة التي تشغلها ذاتية المؤلف في النص.

خــــاتمـــة:

تصور رواية “حكايات المنفى” تجربة إنسانية فريدة، لإنسان بسيط افتقر إلى الأمان وتحمّل أعباء ثقيلة سببها له اختلافه الديني الذي بني أساسا على رغبة في الانعتاق من الضغط والاضطهاد. وداخل تجربة المنفى، تحدث مواقف متعددة في محيط الغجر أفرزت خطابات متنوعة تدعو في عمومها إلى قيم إنسانية سامية تستحق أن يحارب الإنسان من أجل إعلائها. ومع ذلك فالرواية تناقش أيضا قضايا تاريخية وثقافية وسياسية مهمة، تجعل منها نصا متعدد الوظائف والمقاصد.

وإذا كانت اختيارات الكاتب الفنية قد أظهرت حسن تنظيمه للإيقاع السردي وفق ما يضمن للنص تماسك روائيا مقنعا، فإنه قد أسس أيضا مذهبا مختلفا في التأليف الروائي، حين شكّل نمطا تعبيريا جديدا تمتزج فيه أجناس متداخلة: اليوميات الحكايات وغيرها داخل شكل الرواية.

كما أن الامتداد الحاصل بين هذه الرواية والرواية الأولى”عيون المنفى” يجعلنا نتخيل بأننا أمام مشروع روائي محدد يتجه به صاحبه إلى الكشف عن أوجه متعدد للنفي عبر سرد تجارب مختلفة سياسية ودينية وعرقية. ويكون بذلك قد أسهم بقوة في إعطاء ملامح جديدة لأدب المنفى الذي أعتبر بأنه لا زال في طور التشكُّل.