من البابا جريجوري العظيم… إلى القديس بنكيران صاحب العهدة الثالثة !!!

في القرون الوسطى (العصور المظلمة) كانت البابوية تشرف على توجيه الدراسة في هذه المدارس وتخطط للسياسة التعليمية فيها بما طبع الثقافة بطابع ديني ضيق متزمت، ومما ساعد على انتشار الجهل والانحطاط العلمي، فكانوا يظهرون نفوراً شديداً من التعليم, كما أن بعض الباباوات كانوا لا يشجعون سوى الدراسات الدينية المسيحية ويحاربون ما عداها من دراسات، محاربة عنيفة لا هوادة فيها ، وكان من بين هؤلاء الباباوات البابا الذي أطلق عليه مؤرخو العصور الوسطى جريجوري العظيم.

حدث هذا في الوقت الذي كان فيه المسلمون يمضون قدماً في إقامة بنيان حضاري شامخ، مهد الطريق للرقي وتحرير العقل الأوربي من القيود الثقيلة التي فرضتها عليه الهيئات والأنظمة المختلفة , وأصبحت النفوس مهيأة لقبول الانقلاب العظيم الذي حدث في بداية القرن الرابع عشر, ونعني بهذا الانقلاب النهضة الأوربية الحديثة، والتي هي ثمرة من ثمار الاتصال الحضاري لكافة الشعوب.

ومعنى ذلك أن الحضارة الأوربية الحديثة قامت على أساس واضح من المنية للتاريخ الإنساني بجميع فروعه ومظاهره.

هذه النهضة بنيت على أسس واضحة وجلية كان من أهمها تشجيع العلم وتقديس العلوم خاصة الإرث الإغريقي والإسلامي وكل العلوم الأخرى التي عرفتها الإنسانية، وتجلى ذلك في تأسيس المكتبات والمجامع العلمية والأكاديميات…

وهكذا تنافست المدن المختلفة على إنشاء المكتبات واقتتاء أنفس الكتب وأغلى المخطوطات وأبدع الصور , فتناثرت في شبه الجزيرة الإيطالية مكتبات زخرت بالمخطوطات والمجلدات والكتب وغيرها…

عندما يخرج رئيس حكومتنا وقبله العديد من وزرائه ويصرحون بأننا لسنا بحاجة لفلاسفة وشعراء وقضاة ولا للعلوم الإنسانية برمتها، فأنه يضرب اهم الوسائط التربوية وهو المصدر التعاصري الفلسفي والذي يجعل الأخلاق أهم عنصر في تكوين الفرد المثالي والأسرة السليمة ،لأن الإنسان منذ بداية حياته في حاجة إلى التهذيب والتوجيه حتى يكتسب السلوك الصحيح فتنمية الروح الأخلاقية تحتاج إلى تعليم وتبصير ليستطيع المرء التمييز بين السلوك الخير والسلوك الشرير والتفاعل الاجتماعي بكل صورة وألوانه وهذه العلوم (الفلسفة والشعر ) تؤثر في حياة الفرد وترسم معالم تربيته وتكوينه الخلقي.

فلا تلوموا بنكيران ووزرائه فالتاريخ يشهد على أن اشد اعداء الفلاسفة والشعراء هم رجال الدين، اتهموهم بالزندقة والإلحاد وغيرها من الأوصاف والنعوت وزجو بهم في غياهب السجون والمعتقلات وعذبوهم اشد عذاب ،فالرسالة واضحة لمن يهمه الأمر….

0