2017/10/18

نجوم جديدة في سماء المغرب الجميل

شمال بوست - 16 يونيو، 2017


أحمد الخمسي - كاتب صحفي ومناضل سياسي

الأحكام الصادرة في حق قيادة الحراك الحازمة لم تكسر خط الأمل في أعماق نفسيتي. فقد تمكن الحراك من قلب موازين قوى الثقة كما لم يحدث من قبل. شباب على مسافة من التنظيم الحزبي، بل من التنظيمات الحزبية، أظهر أن الأسرة ما زالت تنجز مهمة التربية المواطِنَة المسؤولة. وما ضيعه النظام السياسي من طاقة التعبئة لحشد ثنائي الهوية والانتماء للوطن والمواطنة، ظهر في الريف أن بهر المغاربة لما سارت أم ناصر ومولاي أحمد في مقدمة المسيرة الوطنية… واستطاعا أن يجمعا عن طريق ناصر الرائع أن يحضيا برضا المغاربة جميعا..لأول مرة يتجرأ الوالد والأم السير في مسيرة للمطالبة بإطلاق ابنيهما ورفاقه. ظاهرة لم يكن أن ينتجها غير الحسيمة الأبية. عندما قرأت أن أنس لم يستطع وقف دموع أفلتت من عيونه وهو يراهما قريبين منه، تيقنت أن ما كتبته هي المقال التالي لم يخلو من فراسة مستقبلية. وعندما رأيت حفيظ بجانب مولاي أحمد، تيقنت أن العهد هو العهد وأن الآتي أفضل بكثير مما مضى مشرقا.
 
لذلك، أومن أن النظام، من خلال البوصلة التي عجزت عن رسم خط المستقبل لديه، عوضها GPS في يدي شباب الريف لينير طريق شعب المغرب من الآن فصاعدا. وإن غدا لناظره لقريب:
 
تعرفت على محاسن وأنس وعمر واسحق، ضمن جلسة للتعرف على تفاصيل قضية نزع ملكية بحجم 1600 هكتار. والأربعة من العائلات التطاونية المتضررة. الأولى والثاني من مسيري عقارات وأعمال عائلتيهما. والثاني والثالث محاميان من العائلات المتضررة أيضا. من يسمع يسمع أسمائهم العائلية: الموفق وبايسف البقالي وبنعجيبة وشارية يعلم أن ضرر نزع الملكية وصل إلى النخاع المجتمعي في تطوان العريقة. وهم يلقون وقائع التعسف التي مارسها الوالي اليعقوبي، كنت أمارس دور “محامي الشيطان”. وأتخيل نفسي في موقع السلطة. هم يدافعون عن وثائق الملكية ويعرضون التصاميم والجريدة الرسمية وعرائض المتضررين، و من جهتي أتخيل نفسي ممثلا للسلطة في نقض ما كان يبدو لي ثغرات في القرائن والحجج.
 
عندما رأيت نسخة من عريضة تحمل 5129 توقيعا، وبعدما أفحمني المحاميان بتعقيباتهما على اعتراضاتي ك”محامي للشيطان”، وعندما بلغني أن محاسن عبأت جهودا مضنية لتستجيب لرغبة 1700 مغربية ومغربي ليوقعوا عريضة المتضررين، وجدت نفسي أمام قضية تستحق أن توضع على مكتب رئيس الحكومة كي يراجع كيفية تنزيل المشروع الضخم، فأخبروني أن الأمر قد تم منذ كان بنكيران رئيسا لحكومة تصريف الأعمال في دجنبر الماضي.
صدر المقال قبل أسبوعين واعتقدت أن والي الجهة سيراجع الأمر وسيدعو المتضررين إلى طاولة الحوار. لكن الخبر الذي توصلت به من بعد هو التهديد العنيف والحاسم الذي بُلّغتْ به محاسن الرائعة بكيفية غير مباشرة، كون مصالح عائلتها الكبرى كرجال أعمال ستضرب في الصميم.
 
محاسن جذبتها أخطاء السلطة لتنخرط في الشأن العام من صلب المس بالمصالح الخاصة لعائلتها وهي مسيرة معمل من معامل المنطقة الصناعية.
 
لو كنت محل والي الجهة، لاستقبلتها ولقدمت لها هدية تذكارية، ولحفزتها باسم المفهوم الجديد للسلطة. أقول هذا الكلام لأنني حاصل على الإجازة في الحقوق لما كان والي الجهة يدرس في الابتدائي. وأقوله لأنني يوما آمنت بجديته وفعاليته كمسؤول شاب عيِّنَ على رأس اقليم المضيق الفنيدق. واعتبرت ساعتها أن محمد السادس بدأ يختار الإداريين الأكفاء لبناء شرعية حقيقية من زاوية السلطة التنفيذية. ولما أتت حركة 20 فبراير اعتبرت القاعدة الواسعة من قادة الحركة الجديدة يدعمون الشرعية الجديدة لو تعاملت الدولة بجدية مثل ما توهمت مع خطاب 9 مارس 2011.
 
لكن، الجلسات التي تجمع مع عالم الأعمال في السنوات السبع العجاف الأخيرة، أصبحت تفيض بالتظلمات تلو التظلمات من المستثمرين وأشكال الاستبداد المحلي وفق “التعليمات” الديكتاتورية بالمعنى الحرفي (le dictat) أي الأوامر الصارمة التي لا تقبل التعرض ولا التأجيل ولا أي شكل من أشكال المراجعة. ساعتها، كانت الجلسات وما يفيض خلالها من مناقشات حول الخروقات التي تعبث بالقوانين والمساطير والخطابات السياسية الرسمية التي تدعي تكافؤ الفرص والتشارك والإنصات والإنصاف.. جلسات توحي بأن الإدارة صارت تعبث بالخطب الملكية وتجعل الآمال تتبخر.
 
مفاد الكلام وموجزه أن الشغل الإداري طيلة الفترة التي أعقبت حكومات بنكيران الأولى إلى اليوم كله سار في الاتجاه الذي يضر بمصالح كل الطبقات حتى طبقة الأثرياء المحليين. فشركات أشجار النخيل والأعمدة الكهربائية ومواد البناء وتبليط الأرصفة والمصاعد في البنايات الجديدة، كل موادها تأتي من خارج الشمال. ويبقى المقاولون المحليون “كشوشوا الدبان” وأرقام أعمالهم نازلة نحو هاوية الإفلاس.
 
ولأن قوانين الأسرة ومبادئ CEDAW لفائدة النساء والمساواة بين الجنسين تم – أو على الأقل الدعوة ل – تفعيلها، فقد انطلقت المغربيات في أكثر من جبهة عمل بحيث أصبح مصطلح “المجتمع المدني” لا يمر دون أن يعني مشاركة “نصف السماء” في التحولات المجتمعية وقضايا الشأن العام. من هذه الزاوية، كان على السلطة أن تعترف اعترافا نزيها بالمشاركة النسائية في عمل المقاولات والجمعيات ومختلف المؤسسات.
 
وهكذا، ظهرت على الساحة المسماة في القاموس المغربي “نضالية”، نساء بنفس الطاقة والجرأة والوضوح في التفكير والتعبير والحركة التي كانت محتكرة من طرف الرجال في زمن سابق.
 
ولقد اعتقدت السلطة أن منظومة التعليمات والأوامر الإدارية ما زالت قابلة للعيش وللاستعمال مع مختلف الفئات. لكن الواقع الاجتماعي أصبح يفرز رأيا عاما يتسع يوما بعد يوم، ملخصه استنكار منظومة التعليمات والأوامر الإدارية التي ما زالت سارية وبنشاط غير مسبوق.
 
إن المواقع الالكترونية للوزارات ومؤسسات الدولة حيث تنشر التقارير الرسمية وأعداد الجريدة الرسمية وبرامج السياسات الحكومية، وكذا مواقع مراكز البحث القانونية والقضائية أصبحت مادة مستهلكة من طرف فئات واسعة ممن يحتاج لاستعمالها في وظائفهم الإدارية والقضائية والعقارية والمحاسباتية والتأمينية، تحولت كلها مواد خام للتداول والمناقشة. بحيث أصبح الوعي القانوني والإداري يتسع يوما عن يوم.
 
الكيفية السلمية المستميتة التي أُدير بها حراك الريف دليل قاطع على هذا التحول في تسلح التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية بمقتضيات القانون وقطع الطريق على الخلط بين التعبير عن المطالب المشروعة الاجتماعية والاقتصادية بواسطة الاحتجاجات الجماعية وبين الاضطرابات العنيفة المخلة بالممتلكات الخاصة وبالأمن.
 
في المقابل ارتفع وعي قيادات القوات العمومية عندما أصدرت القوات المسلحة الملكية تبرؤا من أشخاص بلباسها يهددون حراك الريف عبر اليوتوب.
 
هذه التحولات الإيجابية من تحت ومن فوق هي التي أفرزت ما يكفي من الوضوح في الرأي العام بين سلامة الدولة وفساد النظام الإداري. وهي التي وفرت لنوال بنعيسى (من قيادات الحراك) كي تقول: “نحن لا خلاف ولا مشكل لدينا مع الملك، مشكلتنا مع المخزن”. هذا الفصل بين الدولة المغربية ورموزها وهي ملك جميع المغاربة وبين الفساد الإداري هو ما يقوي عزيمة النساء والرجال. وهو ما يضطر القوات العمومية إلى مراجعة تصرفاتها. فقد ذهب إلى غير رجعة عهد الخلط بين الدولة التي يجب أن تكون قوية بحيادها ونزاهتها وبين النظام السياسي الذي ينتعش من الفساد ويستند على الاستبداد هنا وهناك لفرض مصالح المحظوظين من الريع والظلم والاحتكار.
 
من حسن حظ المغاربة أن يستأنف الشارع دوره بوعي حاد بسلمية التظاهر وبالموقف الصلب لتحقيق المطالب وبالتعبير الواضح عن مكامن الداء. أما أن تفرز الحسيمة سيليا ونوال في مستوى ما، ثم تفرز تطوان محاسن في مستوى مغاير من الطبقات الاجتماعية، وكلهن يناضلن من أجل مغرب جميل بمواطناته وعدالته وصلابة مواقف شبابه وبحرص الجميع على تغيير النظام الإداري وسلامة الدولة فتلك مرحلة جديدة تقتضي أن يرتقي زعماء الطبقة السياسية لاستيعابها وإلا سيطوي شباب وشابات اليوم عهدهم إلى غير رجعة.