هروب من الألم، قراءة في أسباب ظاهرة الانتحار في إقليم شفشاون والمناطق المجاورة

كثيرة هي حالات الانتحار التي سجلت في السنوات الأخيرة بمناطق جبالة خصوصاً إقليم شفشاون وبعض الحالات المعزولة في وزان وتاونات، لن أتحدث بلغة الأرقام فالحالات التي تصلنا أخبارها عبر مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بلفت الإنتباه، لم تكن هذه الظاهرة لتمر دون أن تترك عالامات استفهام محيرة في ذهن كل عاقل، فمن البديهي الآن أن الأمر بات غير عادي، أقول ظاهرة لأن الأمر أصبح يشكل  سلوك شاذ ولا يمكن البتة أن يمر دون أن نقف على الأسباب الحقيقة وراءه.
بداية لابد من إعطاء تعريف للظاهرة، وبالبحث في هذه المسألة نجد مجموعة من التعاريف، لعل أقربها إلى شرح معنى هذا السلوك  هو الذي يعرفه بأنه قيام الذاتي بتدمير الذات والوصول بها الى الاعتقاد بأن الموت هو أفضل من الحياة.

هروب من الألم عنوان اخترته لهذه الأسطر ربما سيحصر النقاش في مسألة الانتحار – غير العادية – في ممارسة هذا السلوك بالنسبة لتلك الفئة التي تُقدِم على وضع حد لحياتها بدافع التخلص من الألم، والألم هنا يشير إلى الأمراض والاضطرابات النفسية التي يبقى يعاني منها المنتحر إلى حدود التفكير والعزم المصمم على قطع هذا الألم.
هذا من وجهة نظر سوسيولوجة لا يُبعد وجود أسباب أخرى تكون هي الدافع إلى الانتحار أحياناً ومن ذلك العوامل البيئية، الدينية، السايسية، الاقتصادية والاجتماعية، هذه الأخيرة أكد جل الباحثين في علم الاجتماع على دورها الرئيسي في الدفع بالشخص إلى وضع حد لحياته، إلى حد أن الفيلسوف إميل دوركايم جعل من المعطى الاجتماعي المحدد الأساسي للانتحار وأكد بالتبع  على أن كونها كذاك يحتم علينا تفسيرها وبحثها انطلاقاً من البحث عما هو اجتماعي فيها.

على العموم ما يمكن أن نسجله بخصوص الأسباب هو أن العلاقة بين الانتحار والاضطرابات النفسية مثبتة جدا لكنها لا تنفي تأثير العوامل الأخرى خصوصاً منها الإجتماعية والاقتصادية البيئية والتي نعتبرها هي المدخل في نقاش هذا السلوك اليوم ونحن أمام هذه الحالات الكثيرة.
حتى لا نخرج عن سياق نقاش هذه الظاهرة من منطلق العلاقة بين الظاهرة والبيئة التي تنتشر فيها، نعود ونتسائل لماذا المناطق الجبلية بالضبط؟.
لماذا شفشاون وبعض الحالات في المناطق المجاورة؟.
قد ييدو الأمر محيرا في نقاش هذا السلوك، لكن سرعا نما تقل هذه الحيرة بربط هذا السلوك – الإنتحار – بالبيئة، ( الجغرافية / الإجتماعية).

فالبيئة الجغرافية للمناطق الجبلية ومنذ عقود مضت كانت الأمثل لزراعة النبتة اللعينة المسماة القنب الهندي، وبوضع خط زمني لفترة زراعة هذه النبتة يتضح أنها عرفت في الآونة الأخيرة انتكاسة لم يشهدها مزارعوا الكيف طيلة فترة زراعتهم لها، وبما أنها كانت المصدر الوحيد للاسترزاق فقد كان لهذه -الانتكاسة- وقع الأزمة على سكان المناطق الجبلية اللذين دخلوا في أزمات مالية متتالية ومع استمرار تراجع مدخول نشاطهم الزراعي كان الأمر يزداد سوءاً وما استتبع ذلك من نقص حاد في الدخل الفردي للساكنة.
إن قراءتنا للوضع بهذه الطريقة لم ليس على إطلاقه ولكن ينطبق على الأغلبية الساحقة إن نحن استثنين منهم من مارس التسلق الطبقي وفرّ هاربا للمدن مشيداً مشارع أصبحت فيما بعد مصدره الأساسي للعيش، ربما كان الأمر ذهاءاً منهم أو ربما هي قراءة سابقة للوضعية الحتمية التي بدت ملامحها بعد مرور 10 سنوات من دخول الألفية الثالثة، لكن هذه الحالات تبقى محدودة جدأ لا ترقى إلى درجة الاعتبار مقارنة مع الفئة العريـــضة التي وقعت في شرك الانتكاسة ولم تقرأ لهذه التغيرات المفاجئة حساب.

أما عن البيئة الإجتماعية فلا يمكن بأي وجه أن نفصلها عن البيئة الجغرافية، ذلك أن عاءدات زراعة الكيف كانت ولا زالت على هزالتها المحرك الأساسي للاقتصاد المحلي لدى سكان جبالة.
ولكي نوضح طبيعة معضلة الانتحار، فإن المثال التالي الذي نسوقه من دولة الهند، يبين لنا بالملموس كيف أن هذه الظاهرة تبقى مؤرقة على نحو مستمر، ومرتبطة أشد الارتباط بالنعطى الاجتماعي، فحسب اللجنة القومية لسجلات الجريمة بالهند، ما بين عامي 1995 و 2007، أكثر من 184000 مزارع انتحروا، هربا من الفاقة والعوز. ولم يستطع هؤلاء المزارعون تسديد الديون التي اضطروا إلى اقتراضها من أجل شراء المخصبات والمبيدات والوقود… .

وفي مقاربتي للبيئة الإجتماعية وارتباطها بهذا السلوك الشاذ  أبدأ من حيث انتهيت في نقاش البيئة الجغرافية والحال كما سبق وأشرت أنه لا يمكن فصل ما هو بيئي عن ما هو اجتماعي اقتصادي وهذا شيئ حتمي يُمليه منطق كون تعاطي سكان المنطقة لهذا النوع من الزراعة هو محور الاقتصاد لديهم، أو على المستوى النفسي والذي يبدو أكثر خطورة فلطالما ارتبط مستوى عيش الإنسان ووضعيته المالية بحالته النفسية. وقد أكد على هذه المسألة الأستاذ محمد استيتو في كتابه ” الفقر والفقراء في مغرب القرنين 16 و 17 ” حين جعل الفقر أحد أبز الأسباب المؤدية إلى الانتحار، هذا يزداد الأمر حرجاً  إذا ما علمنا أن جل شباب المنطقة خاصة منهم الفئة النشيطة تدور في فلك الإدمان على المخدرات،  من هنا أجد حسب رأيي أن المقترب -الاقتصادي البيئي-  في ارتباطه مع ما هو اجتماعي وما خلفه هذا الأخير من أزمات نفسية سبب أساسي في الانتشار غير العادي لسلوك الإنتحار في  شفشاون والمناطق المجاورة، أكيد أن هذا السبب ليس الوحيد وراء أزمة الانتحار لكن يبقى مدخلاً مهما في فهم هذه المعضلة.
في الأخير أقول على أنه ما دام للمعطى الإقتصادي يد في هذا الوضع الكارثي، فإن التفكير في وضع حلول ناجعة للتصدي لهذه الظاهرة لابد وأن يأخذ بعين الاعتبار كل الأسباب الأخرى على أن يكون لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والتنموية بالمنطقة الأولوية الكبرى.
وفي الأخير لا يسعنا إلا أن نتسائل عن من المسؤول عن الإقصاء الممنهج من التنمية الاقتصادية في منطقة جبالة ؟
وإلى أي مدى سيستمر نزيف المنطقة في ظل هذه الأزمة ؟.

مقالات أخرى حول
,