نخشى أن نصبح مجرد محمية للخنازير

يصل عدد أعضاء الأمم المتحدة إلى 200 دولة. لكن تقريرا حول الذكاء وضع الترتيب ما بين الأكثر ذكاء والأقل ذكاء 76 دولة. مما يعني 124 دولة توجد تحت خط الصفر من حيث الذكاء. يعني أن تقريرا آخر يرتب البلدان على درجات سلم البلادة.

ولأن عدد البلدان العربية 22 دولة، وبما أن تونس مرتبة في الذكاء 64 مسبوقة بأربعة دول عربية لا يوجد المغرب ضمنها، علما أن عدد الدول المتبقية في حقل الذكاء لا يزيد عن 12. في حين يتبقى عدد الدول العربية، بعد احتساب الدول الخمس (لبنان، الأردن، الإمارات، البحرين، تونس) 17 دولة. مما يعني أن مصير 5 دول عربية هو مزبلة البلادة، هذا مع التفاؤل الكبير كون المراتب الإثنتي عشرة مخصصة كلها للدولة العربية ما بين الترتيب 65 (بعد تونس) وآخر ترتيب 76. نتمنى ألا يكون مصير المغرب ضمن مزبلة البلادة. أي خارج 76 بلدا الذين وضعوا ضمن تصنيف الذكاء.
في دراسة مغربية رسمية حول آفاق 2025، يسجل لبنان منافسة متفوقة حتى على اسبانيا، في نسبة عدد الأطباء مثلا، بحيث 325 طبيبا لكل مئة ألف نسمة. بينما تقل اسبانيا عنه بخمسة أطباء أقل. لا يعني هذا أن مردودية الطبيب اللبناني أفضل بالنسبة للسكان، وذلك كون اسبانيا تتوفر في مختلف المجالات على ظروف أفضل من لبنان. لكن المؤلم هو أن نجد المغرب 40 طبيب فقط وفقط لكل مئة ألف نسمة، أي أن لبنان الذي عانى 15 سنة من الحرب الأهلية يوفر اليوم لكل 2500 نسمة ثمانية أطباء، بينما لا نوفر نحن لنفس العدد سوى طبيب واحد. مما يعني أيضا أن يكون لهذا العدد (2500) من اللبنانيين طبيب عام وسبعة أطباء مختصين. بينما لو احتسبنا ما يقابل ثمانية أطباء مغاربة من مختلف التخصصات سنجد جيشا من السكان يصل إلى أزيد من 20 ألف نسمة. أي اكتظاظ عدد المرضى المحتملين في طوابير ينتظرون موعد زيارة الطبيب في المغرب. مما يعني تفاقم حالة المرض قبل أن يصل موعد فحص الطبيب للمريض المغربي. فلو كان المريض اللبناني يضطر لانتظار مرور أسبوعين قبل أن يتمكن من فحص الطبيب لحالته، فسيضطر المريض المغربي لانتظار وقت مضاعف ثماني مرات أكثر، أي مدة أربعة شهور. فانتماء الإنسان لوطنه يكفله الطبيب والمدرس. تربية الجسم وتربية العقل.
طيب، ترشدنا الدراسة الموقعة باسم وزارة التعليم العالي حول التحولات التي يجب إدخالها في الاعتبار: عولمة الاقتصاد، صعود التكنولوجيات الجديدة، تمدد المدن الكبرى، تبدل أشكال ونظم العمل، نذرة الموارد، توالد التشككات وضبابية الرؤية. ثم تدعي تحديد هدف الالتحاق بكوريا الجنوبية والبرتغال، وهي التي تسجل الفارق الصاروخي بيننا وبين بلدان عربية مثل لبنان وتونس، بحيث الذي بلغ تعميم التعليم نسبة 86 في المئة بينما ما زلنا وراءه ب 26 نقطة أقل (60 في المئة فقط).
وقد تشكلت الحكومة اللبنانية أخيرا بعد انتخاب رئيس الدولة، ضمت حكومة سعد الحريري وزارة دولة لمحاربة الفساد. في حين تضم حكومة تسيير الأعمال لدينا وزراء فاسدين برئاسة بنكيران رئيس الحكومة المعين. بل، من فرط استشراء الفساد في الجامعة المغربية، كتب الزميل أحمد إفزارن مقال شهادات للبيع(هيسبريس) و الوزير الوصي صامت ووزير العدل صامت. في حين بلغ انحطاط مؤلفات تجار كتب المقررات الجامعية الحضيض حيث نجد في مقدمة كتاب “مدخل إلى دراسة علم الاجتماع السيااسي” صاحبه يدعي كونه دكتور في الحقوق بجامعة عبد المالك السعدي وأستاذ بالكلية المتعددة الخصصات و كونه أستاذا زائرا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان. يقول في كتاب سجل في صفحة الغلاف أن الطبعة أولى سنة 2016: “تفتقد المكتبة العربية لكتب ومؤلفات ودراسات وأبحاث علم الاجتماع بصورة عامة وعلم الاجتماع السياسي بصورة خاصة بالرغم من ظهور العلم الأخير في أغلب بلدان العالم المتحضر منذ فترة الأربعينات من هذا القرن” (مقدمة، ص 2). هل راجع “الأستاذ” كتابه قبل طبعه أم مارس التقنية “الجديدة” (copier coller) على عجل ليختلط عليه أمر “فترة الأربعينيات من هذا القرن” مع الطبعة الأولى للكتاب سنة 2016؟ ؟ ؟
ثم يتحدث ضمن الفصل الأول من كتابه المزعوم حول “مفهوم علم الاجتماع السياسي” ليخاطب الطلبة المغاربة (وهو مغربي طبعا) عن هلوسة “علمية” حيث يقول في الصفحة الثامنة: “فلو أخذنا ثورة الرابع عشر من تموز لعام 1958 التي قامت بها القوات المسلحة، ودرسنا أسبابها الاجتماعية والحضارية المباشرة وغير المباشرة لشاهدنا بأن هناك أسبابا اجتماعية وحضارية كثيرة تكمن خلف نيران هذه الثورة الوطنية”. طبعا لا يذكر الدولة التي وقعت فيها هذه الثورة الوطنية. وفي الأسباب الستة لهذه الثورة يذكر “العدوان الثلاثي” الذي يستعصي على الطلبة موسم 2016-2017 معرفته…وينتهي دون ذكر البلد. ألم يدمج هذه الفقرة في كتابه على استعجال بطريقة (copier coller)؟ إذا كان الأستاذ يؤلف كتابه بهذه الكيفية كي يلزم 500 طالب بشراء الكتاب بثمن 100 درهم للنسخة، ألا يعني ذلك أن جمع 50 ألف درهم في المستوى الدراسي الواحد؟ وإذا كان للأستاذ ثلاثة كتب يحقق من بعيها في السنة الواحدة 100 ألف درهم، ألا يحق لنا التساؤل عما إذا كان الأستاذ مجرد تاجر تحت قناع أستاذ جامعي أم نتساءل عما إذا كان مضطرا لجمع مصارف أبنائه وعائلته لتغطية الخصاص؟ المشكل المضاعف هو تورم هذه الظاهرة في الجسم الجامعي ونشوء مسلسل مافيوزي لتأليف الأبحاث والدراسات للماستر والدكتوراه الجاهزة عن طريق المناولة مقابل الملايين، مع تكرار الأخطاء من الكتب “الأصلية” إلى البحوث المستنسخة المؤدى عنها.
الظاهرة ليست مغربية محضة. لكنها مصرية منذ كتب فهمي هويدي مقاله الشهير “دكتوراه للبيع” (2006) وسعودية أيضا. كما أنها ليست فقط عربية، كما كتبت نورة خالد السعد في موقع جريدة الرياض السعودية: ” فكما نشر أن ما تنقله الصحف الكندية والأمريكية والأوروبية يومياً يوضح الخوف من أن يتحول التعليم العالي إلى مكان مثالي للغش والخداع المرتكز على الإمكانات الهائلة التي توفرها الشبكة الدولية للكمبيوتر”(2007 6 14،http://www.alriyadh.com/257022).
ذكر فهمي هويدي أن ثلاثة من محترفي تأليف الرسائل الجامعية بالمناولة تعودوا على الجلوس في مقهى بالقاهرة. وذات يوم حضر اثنان وغاب ثالثهم، وعندما اسقصوا الأمر وجدوا أنه انتحر غارقا في مياه النيل، بعدما حضر مناقشة الرسالة التي باعها لأحد الزبناء، بحيث كان تقدير اللجنة المشرفة منح البحث درجة الامتياز مع مرتبة الشرف‏ والتوصية بطبعها علي نفقة المؤسسة الجامعية المعنية. لم يدقق فهمي هويدي ما إذا كانت اللجنة نفسها قد أخذت رشوة أم أن التقدير علمي مستحق…”مصر التي في خاطري” كما غنت أم كلثوم ذات يوم في عهد عبد الناصر، أصبحت منبت لإنتاج الرشوة في عالم البحث الأكاديمي. كي تبدع نجاح تحول التعليم إلى سلعة وبرصة للقيم المالية وللإثراء السريع. كانت تلك صورة لأحد الأسباب التي أسقطت مبارك من عرش الفراعنة الجدد.
إن بناء جيل من الشباب يعي أن الدولة تحرسه في مجال ترابي مثل محمية خنازير لا أكثر، سيؤدي يوما إلى الكفر بانتمائه لتلك الدولة التي لم تعد له معها أية علاقة معنوية. فالوعي بالانتماء المعنوي لبلد ونظام سياسي مجاله التعليم. يمكن للدولة أن تخوصص الماء والكهرباء، أما أن تتخلى عن الدورة الموية التي تغذي روح الانتماء فهي تقطع الشرايين التي تربطها مع شعبها وشبابها.
فالدولة بلا مدرسة عمومية تصبح مجرد محمية للخنازير. والنكتة التي انتشرت كالنار في الهشيم، بعد إشاعة إلغاء تأشيرة الدخول إلى اسبانيا، هي “الأخير يطفيء الضوء ويسد الباب”. ألسنا نكاد نصبح محمية خنازير؟ ماذا لو ألغيت مجانية التعليم؟ أما دور البنك الدولي معنا فهو بائع القرد. لا نصائح ولا يحزنون.

0