هكذا توفي ابني براء (3)

عندما تم تجهيز سيارة الاسعاف لتنطلق من المضيق في اتجاه مستشفى سانية الرمل بتطوان، كنا قد خسرنا حوالي نصف ساعة مجانية يمكن أن تكون سببا في انقاذ حياة، لكن لا بأس فالقطاع الصحي ومستعطلاته تحسب تأخرها بالساعة أو اليوم، أما تفاصيل الثواني والدقائق فمن الحمق أن تتحدث عنها في مغرب الاصلاح ومحاربة الفساد.

كان سائق سيارة الاسعاف يسرع ويطلب من السيارات إخلاء الطريق، بينما يحدثني أن سيارة الاسعاف في أوروبا يتم احترامها إلى أبعد تقدير.. قلت في نفسي رجاء لا تقارن بأوروبا فتزيد الطين بلة، يمكنك مقارنتنا بأي دولة في إفريقيا تقضي عليها الحروب و الأزمات لنرتاح، ثم ماذا لو فتحوا أمامك الطريق ووصلنا سانية الرمل في دقيقة، (واش القضية غير في السرعة، راه خاص شنو غادي نلقاو قدامنا من تجهيزات و أطر للعلاج).

وصلنا قسم الأطفال وكانت حالة براء قد ازدادت سوء، بحيث لا يمكنك أن تنزع عنه الأوكسجين والاختناق وتوفي في الحين. حمله ممرض ورحنا نسرع خلف بعضنا إلى أن وصلنا القسم المكلف، وعوض أن تسارع موظفة هناك بتقديم المساعدة خاطبتني نحن لا نقبل بمن يأتي مباشرة من المضيق دون مروره بالمستعجلات هذا قانون وجب احترامه، يجب أن تقوم بإجراءات معينة بقسم المستعجلات ثم تأتي بعدها.. قلت بصوت مرتفع أن الرضيع يموت يا سيدتي، رجاء حاولي إنقاذه وسنتخذ كل الاجراءات المطلوبة، كل ما ستطلبينه سنوفره في الحال.

دخلت معها في جدال عقيم، لأسرع مباشرة إلى قسم المستعجلات وهناك كان الأمر أشبه بسوق وفوضى لا تطاق.. احتجاج على الموظفين بصوت عال، تذمر واسع للمواطنين، ألم في كل مكان، حالات خطيرة تتقاطر من مرتيل والمضيق و الفنيدق والشاون وجل المناطق المجاورة… القسم يفتقر الى الموارد البشرية الضرورية وبعض التجهيزات ويغطي مساحة شاسعة وعدد سكان الله وحده يعلمه، وطبيب المستعجلات الذي صادفته يجري هنا ويتحرك هناك، ويجره هذا من وزرته والآخر يترجاه و (فكها يا من وحلتيها و كيف غادي يدير هاد الطبيب يستجيب للجميع، وهاديك السيدة لي كانت خاصها تصيفطني بالدري لهنا يموت في يدي والسلام).

أنجز الطبيب الملف ووقعه، وعدت لأجد السيدة في استقبالي فتسلمته وطلبت مني أن أسرع مجددا لاحضار (السيروم)..!؟ مصيبة هادي قلت في نفسي دائما تأتي المروحية التي تنقل المرضى في حالة خطر نحو الرباط وقسم الأطفال لا يتوفر على (السيروم )، على من يضحك الوردي و بنكيران بحديثهم عن الاصلاحات …؟!!.

انتظرت طبيبة الأطفال لبعض الوقت وعند وصولها دخلت لتفحص “براء” ثم عادت لأسمع منها حقيقة قطاع الصحة والمصائب التي يعيشها بتطوان والمضيق الفنيدق.. قالت الطبيبة مشكورة لتوضيحها : ابنك يحتاج التنفس داخل العناية المركزة وهذا شيء غير موجود هنا وغير موجود بطنجة أيضا، العظم الصغير الذي يخرج من صدره لا نعلم ما هو ؟ ونحتاج لراديو من أجل الكشف، وهو معطل لأكثر من عشرين يوم لم يتم اصلاحه.. لا يمكن لابنك أن يفصل عن الأوكسجين و الا توفي.. سنحقن ابنك بمضادات حيوية ونعلق له سيروم، مع ابقائه باتصال مع الأوكسجين في انتظار المجهول.. لقد طلبنا من السويسي بالرباط أن ينقل اليهم، لكن قالوا أن المكان غير شاغر بالمرة.

خرجت لأجلس على درج المستشفى ورحت أفكر بغصة في الحلق.. لن نعرف ماهية ذلك العظم لأن الراديو معطل، و لن يدخل براء العناية المركزة لأنها غير موجودة، ولن ينقل إلى الرباط لأن المكان غير شاغر… إذن سيختنق براء ببطء ويموت هكذا وأنا أتابع فصول رحيله في كل مرة أدخل فيها لزيارته وأخرج.. (زعما لهاد الدرجة الدولة مقادراش توفر (سيروم ) بقسم الأطفال، والعناية المركزة، وتصلح راديو معطل، وتوفر بلاصة لابني براء بالرباط)… إذن ما فائدة السرعة التي كنت أحرص عليها لانقاذ ابني، و الأمر يتعلق بنقله من بناية اسمنتية لأخرى فقط لا غير..؟ ما هكذا تكون الأوطان.. ولي شاف الوردي يقوليه (يشرح لينا مزيان مفارقة المروحية، وغياب السيروم بقسم الأطفال).

0