هكذا توفي ابني براء (5) الأخيرة

الحسين الوردي وزير الصحة
 عدت الى مستعجلات سانية الرمل كي أباشر اجراءات الدفن،وهناك وجدت سيدة شابة تبكي بهستيريا على فقدان زوجها ،وتصرخ في وجه الجميع ؛ لقد توفي نتيجة الاهمال ، كيف يمكنكم التلاعب بأرواح الناس هكذا ، حالته كانت مستقرة و كان يتعافى ببطء .
تحاول صديقة لها تهدئتها دون جدوى ، و هي مستمرة في الهذيان .
قالت سيدة من الحضور أن زوجها شاب أصيب في حادثة سير أثناء عمله في نقل البضائع باستعمال دراجة نارية (طريبورتور)، و كان داخل العناية المركزة منذ عيد الفطر الماضي.
يبدوا أن الزوجة الشابة لم تتحمل فراق زوجها ، والمسؤوليات التي تنتظرها في غيابه كان الله في عونها ، لذلك قال موظف بالمستشفى لزميله اتركوها تنفس حتى ولو شتمتنا لا يهم، عكس مكلفة بالنظافة طلبت منها الصمت و خاطبتها؛ (ياك لباس ، ماشي غير أنت لي توفى ليك الراجل ، راهم ماتوا رجال هنا و كل نهار كاينة الموت ).
تذكرت شابا أتت به شاحنة و سقط أمام المستعجلات مدرجا في دمائه و هو يصيح ؛ (واعتقو الروح اعباد الله، عتقو الروح).
قيل أن أحدا طعنه بسيف لكن لم أعرف قصته بالضبط و لا الى ما انتهت اليه .
الحالات التي تتقاطر على المستعجلات خطيرة و مؤلمة ، و أنا لا أريد متابعتها لذلك ابتعدت قليلا في انتظار استكمال الاجراءات.
أطفال يبكون و نساء تتألمن ورجال يغالبون دموعهم ،وممرضين وجوههم شاحبة رفقة أطباء ترى في عينيهم الارهاق و الملل.
قد تكون الحالة هذه طبيعية بالنسبة للعاملين بالمستشفى و تم التطبيع معها ،لكن بالنسبة الي الأمر مغاير تماما .
رافقت موظفا الى مستودع الأموات بعد دفعي لمبلغ 250 درهم ثمن علاج براء ، و هناك كشف على وجهه البريء وقد علته زرقة قاتمة .
أمس كان يحاول المسكين التنفس جاهدا ،لكن قدر الله و ما شاء فعل .
منحت المكلف مبلغا من المال لتغسيل براء وتكفينه ، و ذهبت لأحضر سيارة اسعاف تنقله الى المقبرة.
أمام مستودع الأموات كان هناك شابا يبكي بحرقة ، وآخر ترتجف شفتيه مغالبا دموعه .
يأتي ممرضين بشخص توفي لتوه ، و يدفعان السرير الطبي وسط انشغالهم بحديث عادي ، قبل أن يطرق أحدهم الباب ويدفع بالجثة داخلا ؛ (هذا راه عائلته كاينة ، و معلومين كولشي ناضي).
قلت في نفسي؛ بالنسبة لهؤلاء هذا عمل يؤدى ،لا مشاعر و لا يهم يحزنون ، وهذا هو عين الصواب لأن الموظف لا يمكنه أن يعيش طول حياته حزينا و هو يعمل داخل الموتى .
حملنا براء و اتجهنا به نحو المقبرة ، صلينا عليه صلاة الجنازة ووضعنا جسده الصغير بقبر زوال الجمعة.
قال أحدهم أنا سأبني القبر ، و الثاني أنا من جهزته ووفرت الصندوق ، فضلا عن حارس الأمن الذي ظل يردد أنه حدد موقع القبر جيدا ويمكنه تقديم خدمات للارشاد اليه في أي وقت .
أعرف جيدا أن بعض هؤلاء ما عندهم علاش يحشموا،لكن لا بأس و كلشي في سبيل الله ،حتى هما هاذي خدمتهم و ايلا ما مات حد كتكون الحركة عيانة .
لم يبقى الا أن أشكر جزيل الشكر كل شخص على وقوفه الى جانبي في اللحظات التي عشتها ، و تقديم يد المساعدة.كما أشكر كل من قدم التعزية و من لم تساعده الظروف لتقديمها.
هكذا اذن نختتم هذه القصة و كلنا أمل في أن نكون قد ساهمنا و لو بالقليل في اصلاح قطاع الصحة العمومية المريض.
نعتذر من كل قارىء كريم تسببنا في احساسه بالألم ، أو غالبته الدموع و هو يتابع فصول القصة .
سنتابع ان شاء الله نضالنا المتواضع الى جانب البسطاء والشرفاء من أجل غد أفضل لقطاع الصحة و الوطن .
بارك الله فيكم جميعا ، و حفظ أطفالكم و أطفال المسلمين من كل سوء. (النهاية ).
ملحوظة :
هناك العديد من الهيئات الحقوقية التي اتصلت بي لتبني ملف الأخطاء المحتملة التي ارتكبت خلال رحلة البحث عن علاج براء، كما اتصل بي محامي صديق عارضا علي التكفل بالقضية من الناحية القانونية ، فضلا عن هيئات كانت تريد اصدار بيانات بناء على فصول القصة ، أقول لهم بعد التفكير شكرا جزيلا و أرى في تقديري أن طرح هذه المشاكل و تفاعل المسؤولين بقطاع الصحة معها لتداركها و عدم حدوثها في المستقبل ،سيكون أكبر خدمة و مواساة يقدمها الي هؤلاء و الى هذا الوطن مشكورين .
0