هل يشكل عبد الإله بنكيران خطرا على النظام ؟

عاد  مجددا عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المغربية، خلال ترأسه للتجمع الخطابي لحزبه بتطوان مساء الثلاثاء 24 غشت الجاري ،الى التصريح بأنه مهدد بالموت وبأن الأمر لا يخيفه مادام هناك مناضلون من حزبه سيخلفونه وسيتحملون المسؤولية من بعده.

بطبيعة الحال، ورغم أن الموضوع خطير والمقام لا يحتمل الهزل، فان عبد الإله بنكيران وعلى غرار مناسبات سابقة،ت جنب الإشارة الى الجهة أو الجهات التي قد تكون بعثت له رسائل تهديد بالقتل، أوكيف تناهى الى علمه، أنها تضع مخططات لذلك، الأمر الذي يجعل المتتبع للشأن السياسي ببلادنا يضع ثلاث فرضيات لإدراك مرامي وخلفيات تلك التصريحات.

أ- كون الأمر يتعلق بإحدى مميزات الخطاب السياسي الشعبوي اللعب على الوتر العاطفي، وخلق حالة من “الخوف “لدى المواطن، بالإضافة الى الإكثار من الحديث عن “الشر” و” المؤامرة “. وهو خطاب ديماغوجي يسعى لإيهام البسطاء من العامة بأن الحزب في موقع المعارضة وليس في موقع التدبير الحكومي في ظل دستور جديد يعطي لمؤسسة رئاسة الحكومة صلاحيات جديدة، وبأن هناك “تماسيح ” و”عفاريت” تمنعه من تنفيذ برنامجه الإصلاحي…الخ

ب- أن يكون حميد شباط أو إلياس العمري، في غفلة عن عيون أجهزة الدولة، قد تمكنا من تكوين مليشيات مسلحة، أو على الأقل استئجار مرتزقة مدربين وقادرين على التخطيط وتنفيذ عمليات اغتيال سياسي ضد خصومهم السياسيين وعلى رأسهم بنكيران. وهذا أمر لا يستسيغه أي عاقل، باعتبار أن التطور الذي عرفته الأحزاب والحياة السياسية عموما ببلادنا جعلا الصراع والتنافس السياسي، لا يتجاوز سقف العنف اللفظي تحت قبة البرلمان أو صفحات الجرائد.

ربما يكون اللاشعور السياسي لبنكيران يسقط على خصومه ما حصل ل” الشبيبة الإسلامية “، من تورط في جريمة اغتيال المعارض الاتحادي عمر بنجلون في دجنبر 1975 ، وما ارتكبه مريدوه من اغتيالات وفظاعات في حق مناضلين يساريين داخل الجامعة كما هو الشأن لبنعيسى أيت الجيد على سبيل المثال لا الحصر.

ج- الاحتمال الثالث والأخير وراء تصريح بنكيران قد يرتبط بوجود “مؤامرة” ما تحاك في الخفاء ضد حياته من طرف الأجهزة الأمنية للدولة. صحيح أن أسلوب الاغتيالات والاختطافات والمحاكمات الصورية شكل نهجا ثابتا وعملة سياسية رائجة للنظام، خلال حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ضد رموز وقادة القوى والتيارات السياسية المعارضة التي  كانت تنازعه الشرعية و تسعى للاستيلاء على السلطة .

لكن هل لازال مثل هذا السيناريو السياسي المرعب ممكن الحصول في مغرب اليوم؟ الجواب قطعا لا. فبغض النظر عن الظرفية الدولية وتنامي ثقافة حقوق الإنسان في العالم، فان المشروعية السياسية للملكية لم تعد موضوع نقاش من طرف مختلف مكونات الطيف السياسي المغربي عموما واليسار المغربي خصوصا الذي تبنى بعد نضال مرير وتضحيات جسام ومراجعات سياسية استراتيجية النضال الديمقراطي ووضع الملكية البرلمانية كأفق وسقف لمطالبه.

بالمقابل، أصبح النظام أكثر وعيا بأن الأساليب القمعية القديمة لا تفلح سوى في فتح أبواب جهنم وبالتالي، فان أسلوب الحوار والتفاوض يمثل السبيل الأمثل للتغلب على الاحتقان السياسي والاجتماعي، الأمر الذي جعل المغرب يتجاوز بسلام فخ”الربيع العربي”.

بالإضافة إلى كل ذلك، فإن بنكيران تنكر لكل الوعود الانتخابية بمحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة وأظهر حماسا منقطع النظير في تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي وحماية مصالح الطبقة البرجوازية وجعل الطبقات المتوسطة والشعبية تؤدي لوحدها فاتورة الأزمة الاقتصادية العالمية، بحيث أقدم على تمرير قرارات لم تجرأ أكثر الحكومات يمينية ولاشعبية في تاريخ المغرب على تمريرها من قبيل الزيادة في أثمان المحروقات وفرض نظام جديد للتقاعد وتجاهل مطالب النقابات مع تشديد الخناق على الحريات الجماعية والفردية…الخ.

من هنا فإن بنكيران بعيد كل  البعد عن كل ما من شأنه المس بمصالح القوى واللوبيات المتنفذة في مختلف أجهزة الدولة، وبالأحرى أن يصبح رأسه مطلوبا، ولا يمكن مقارنته بمعارضين تعرضوا للاغتيال أو حوكموا بالإعدام أو ماتوا تحت التعذيب، فلا السياق التاريخي ولا طينة بنكيران تسمح بعقد المقارنة، وكما يقول الفقهاء لا قياس مع وجود الفارق.

خلاصة القول أن تصريحات عبد الإله بنكيران حول كون رأسه مطلوب من جهة ما، جزء لا يتجزأ من خطابه الشعبوي، ودليل إضافي على انحدار خطابه السياسي، ومحاولة تقمص دور بطولة ونضالية لم يسلك طريقها ويؤدي ثمنها، بل عرف فقط كيف يقطف ثمارها.

0