يا أُمة ضحكتْ من فضائحها الأمم!!

كيف‭ ‬يتم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الفضائح‭ ‬في‭ ‬المغرب؟‭ ‬الجواب‭ ‬بسيط‭.. ‬تنفجر‭ ‬الفضيحة،‭ ‬يغضب‭ ‬الناس،‭ ‬فيقرر‭ ‬المسؤولون‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬للفضيحة‭ ‬وصاحبها؛‭ ‬أما‭ ‬الطريقة‭ ‬فسهلة‭.. ‬يتم‭ ‬خلق‭ ‬فضيحة‭ ‬أكبر،‭ ‬فينسى‭ ‬الناس‭ ‬الفضيحة‭ ‬السابقة‭ ‬وينشغلون‭ ‬بالفضيحة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهكذا‭ ‬تتوالي‭ ‬الفضائح‭ ‬لأنه‭ ‬يكون‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬فضيحة‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬فضيحة‭.‬

لكن،‭ ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المتورطين‭ ‬في‭ ‬الفضائح؟‭ ‬الجواب‭ ‬بسيط‭ ‬وسهل‭.. ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحيان،‭ ‬يتم‭ ‬عزل‭ ‬صاحب‭ ‬الفضيحة‭ ‬فورا،‭ ‬ليس‭ ‬بمحاسبته‭ ‬أو‭ ‬إدخاله‭ ‬السجن،‭ ‬بل‭ ‬بترقيته‭ ‬وتبويئه‭ ‬منصبا‭ ‬أعلى؛‭ ‬وفي‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى،‭ ‬بنقله‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬أخرى‭ ‬أو‭ ‬منطقة‭ ‬بعيدة‭ ‬لكي‭ ‬يعيد‭ ‬فيها‭ ‬إنتاج‭ ‬فضائحه‭ ‬مع‭ ‬مغاربة‭ ‬آخرين‭.‬

أحيانا،‭ ‬وعندما‭ ‬يرى‭ ‬المسؤولون‭ ‬الكبار‭ ‬أن‭ ‬الفضيحة‭ ‬أطلقت‭ ‬روائح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬فإنهم‭ ‬يعمدون‭ ‬إلى‭ ‬استعمال‭ ‬‮«‬غبْرة‭ ‬البرْغوث‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أنهم‭ ‬يمسكون‭ ‬ببعض‭ ‬الغبار‭ ‬ويلقونه‭ ‬على‭ ‬عيوننا،‭ ‬حيث‭ ‬يقومون‭ ‬بإسقاط‭ ‬رأس‭ ‬أو‭ ‬رأسين،‭ ‬وهي‭ ‬دائما‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬الرؤوس‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬قوة،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬نفذت‭ ‬أوامر‭ ‬الكبار‭.‬

لكن،‭ ‬كيف‭ ‬يتعامل‭ ‬المغاربة‭ ‬عموما‭ ‬مع‭ ‬الفضائح؟‭ ‬هناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشكال‭ ‬من‭ ‬المغاربة‭: ‬النوع‭ ‬الأول‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬المغاربة‭ ‬الذين‭ ‬يمسكون‭ ‬برؤوسهم‭ ‬غضبا‭ ‬ويتمنون‭ ‬لو‭ ‬يحولون‭ ‬المتورطين‭ ‬في‭ ‬الفضائح‭ ‬إلى‭ ‬كفتة‭ ‬ويقدمونها‭ ‬طعاما‭ ‬للكلاب‭ ‬الجائعة؛‭ ‬والنوع‭ ‬الثاني‭ ‬يمثله‭ ‬مغاربة‭ ‬يغضبون‭ ‬سريعا‭ ‬وينسون‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر؛‭ ‬فيما‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬النوع‭ ‬الثالث‭ ‬أناسا‭ ‬لا‭ ‬يبالون‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬عشّشت‭ ‬الفئران‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهم‭.‬

في‭ ‬أوربا‭ ‬وباقي‭ ‬العالم‭ ‬المتمدن،‭ ‬تقضي‭ ‬الفضائح‭ ‬نهائيا‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬المسؤولين‭ ‬والسياسيين،‭ ‬لذلك‭ ‬يرتعدون‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬خرق‭ ‬القانون‭ ‬لأنهم‭ ‬يعرفون‭ ‬المصير‭ ‬الذي‭ ‬ينتظرهم‭. ‬وفي‭ ‬المغرب،‭ ‬يتزوج‭ ‬المسؤولون‭ ‬والسياسيون‭ ‬بالفضائح‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكنهم‭ ‬أن‭ ‬يعيشوا‭ ‬بدونها،‭ ‬فالسياسي‭ ‬النزيه‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬يعاني‭ ‬فعلا‭ ‬لأنه‭ ‬‮«‬مْعقول‮»‬‭ ‬ونزيه،‭ ‬وإلا‭ ‬ما‭ ‬كنا‭ ‬جمعنا‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬غينيس‮»‬‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬القياسية‭ ‬من‭ ‬الفضائح‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬شيء‭. ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬المسؤول‭ ‬النزيه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬يخيف‭ ‬الآخرين‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬‮«‬السيستيم‮»‬‭ ‬العام‭ ‬للفساد،‭ ‬إنه‭ ‬يشبه‭ ‬النعجة‭ ‬السوداء‭ ‬المتمردة‭ ‬على‭ ‬القطيع،‭ ‬لذلك‭ ‬تكون‭ ‬ثمة‭ ‬ضرورة‭ ‬للتخلص‭ ‬منه‭ ‬بسرعة،‭ ‬ومقابل‭ ‬ذلك‭ ‬تتم‭ ‬مكافأة‭ ‬المسؤولين‭ ‬الفاسدين‭ ‬واللصوص‭ ‬وتبويئهم‭ ‬أعلى‭ ‬المناصب‭.‬

هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬يعيش‭ ‬المغاربة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الفضائح‭ ‬التي‭ ‬تعودوا‭ ‬على‭ ‬معايشتها‭ ‬على‭ ‬مرِّ‭ ‬تاريخهم‭ ‬القديم‭ ‬والجديد؛‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬سيكون‭ ‬المنتصر‭.. ‬هل‭ ‬ملايين‭ ‬المغاربة‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬يمارسون‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬ضحك‭ ‬كالبكاء‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬فضيحة‭ ‬ملعب‭ ‬الرباط،‭ ‬أم‭ ‬وزير‭ ‬الشباب‭ ‬والرياضة،‭ ‬محمد‭ ‬أوزين،‭ ‬ومعه‭ ‬رهط‭ ‬المتسببين‭ ‬في‭ ‬فضيحة‭ ‬الملعب‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬المغربَ‭ ‬أضحوكة‭ ‬في‭ ‬السند‭ ‬والهند‭ ‬وما‭ ‬بينهما؟

ربما،‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أيضا،‭ ‬سينسى‭ ‬الناس‭ ‬سريعا‭ ‬ما‭ ‬جرى،‭ ‬خصوصا‭ ‬وأن‭ ‬الفضيحة‭ ‬متعلقة‭ ‬بمجال‭ ‬الرياضة،‭ ‬لذلك‭ ‬قد‭ ‬ينساها‭ ‬الناس‭ ‬لأنهم‭ ‬نسوا‭ ‬أشياء‭ ‬أكثر‭ ‬فداحة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬وما‭ ‬جاورها‭. ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬لنا‭ ‬ذاكرة‭ ‬أطول‭ ‬بقليل‭ ‬لحققنا‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬لكن‭ ‬مشكلتنا‭ ‬أننا‭ ‬نشبه‭ ‬طفلا‭ ‬يبكي‭ ‬ثم‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يصمت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يضعوا‭ ‬في‭ ‬فمه‭ ‬‮«‬رضّاعة‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬يهدهدونه‭ ‬فينام‭ ‬نوما‭ ‬عميقا‭.‬

قبل‭ ‬بضعة‭ ‬أسابيع،‭ ‬قالوا‭ ‬لنا‭ ‬إن‭ ‬المغرب‭ ‬لن‭ ‬ينظم‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬بسبب‭ ‬وباء‭ ‬‮«‬إيبولا‮»‬‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للمغامرة‭ ‬بصحة‭ ‬المغاربة‭. ‬صدقناهم‭ ‬وقلنا‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬مسؤولينا‭ ‬الرائعين‭ ‬الذين‭ ‬يخافون‭ ‬على‭ ‬صحتنا‭. ‬وها‭ ‬نحن،‭ ‬اليوم،‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬إيبولا‮»‬‭ ‬أفظع،‭ ‬لا‭ ‬يمس‭ ‬صحتنا‭ ‬بقدرما‭ ‬يمس‭ ‬كرامتنا؛‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬ينتفض‭ ‬مسؤولونا‭ ‬لحماية‭ ‬كرامتنا‭ ‬ويحاسبوا‭ ‬اللصوص‭ ‬الذين‭ ‬يقامرون‭ ‬بكرامتنا‭ ‬والذين‭ ‬اغتنوا‭ ‬من‭ ‬صفقات‭ ‬مغشوشة‭ ‬وحولونا‭ ‬إلى‭ ‬مضغة‭ ‬مهينة‭ ‬في‭ ‬أفواه‭ ‬‮«‬العادي‭ ‬والبادي‮»‬؟

في‭ ‬وسائل‭ ‬إعلامية‭ ‬دولية،‭ ‬تحول‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬للتندر‭ ‬والضحك؛‭ ‬وفي‭ ‬صحف‭ ‬إسبانية،‭ ‬ظهرت‭ ‬عناوين‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬ماروك‭ ‬إكسبريس‮»‬،‭ ‬على‭ ‬منوال‭ ‬عنوان‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬ميدنايْت‭ ‬إكسبريس‮»‬،‭ (‬قطار‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭) ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬أكبر‭ ‬إهانة‭ ‬سينمائية‭ ‬لحقت‭ ‬تركيا‭ ‬خلال‭ ‬حكم‭ ‬سنوات‭ ‬العسكر،‭ ‬وهو‭ ‬فيلم‭ ‬جعل‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬والغرب‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬القطيعة‭.‬

نحن،‭ ‬اليوم،‭ ‬لم‭ ‬نتعرض‭ ‬لفيلم‭ ‬سينمائي‭ ‬مهين‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الغرب،‭ ‬بل‭ ‬نتعرض‭ ‬لواقع‭ ‬هتشكوكي‭ ‬حزين‭ ‬صنعه‭ ‬أبناء‭ ‬جلدتنا؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لانزال‭ ‬نتصرف‭ ‬بنفس‭ ‬المنطق‭ ‬القديم،‭ ‬أي‭ ‬‮«‬كم‭ ‬فضيحة‭ ‬نسيناها‭ ‬بتركها‮»‬،‭ ‬وأحيانا‭ ‬تسقط‭ ‬رؤوس‭ ‬صغيرة‭ ‬بئيسة‭ ‬حتى‭ ‬تغطي‭ ‬على‭ ‬الرؤوس‭ ‬الكبيرة‭.. ‬وبايْ‭ ‬بايْ‭ ‬مع‭ ‬السلامة‭.‬

المسؤولون‭ ‬المغاربة‭ ‬لعبوا‭ ‬طويلا‭ ‬على‭ ‬تنويم‭ ‬الناس‭ ‬بالرياضه‭ ‬وترهيبهم‭ ‬بالسياسة،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬الرياضة‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صالحة‭ ‬للتنويم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اكتسحتها‭ ‬الفضائح‭ ‬كما‭ ‬اكتسحت‭ ‬قبلها‭ ‬مجالات‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬وغيرها‭.‬

 

ماذا‭ ‬سنفعل‭ ‬الآن؟‭ ‬لا‭ ‬شيء‭.. ‬لننس‭ ‬كما‭ ‬نسينا‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ثم‭ ‬نردد‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭: ‬‮«‬يا‭ ‬أمة‭ ‬ضحكت‭ ‬من‭ ‬فضائحها‭ ‬الأمم‮»‬‭.‬

0