” يحيى النسا ”

في تطوان “يحيى النسا” لها تاريخ.

“يحيى النسا”: من الناحية النحوية الكلاسيكية، تبدأ هذه الجملة الفعلية بالخطأ، كونها تفيد فاعلا مذكرا عندما تبدأ بحرف الياء في فعل ماض بدل حرف التاء، بينما يأتي الفاعل مفيدا جمع إناث: النساء. ولأن همزة آخر كلمة النساء مقطوعة في التلفظ الشفوي، فالمنطق الشفوي غلب في آخر المطاف على البنية النحوية للجملة الفعلية في العربية الفصحى. فللغة الحية اليومية منطقها الذي يرفض سجن القواعد الطاعنة في السن منذ قرون. ولو أن ذلك يقلق سيبويه في قبره.

ليست الجملة المذكورة مجرد ترديد ها هنا ككل تعبير دارج مغربي. لكنها الجملة التي أصبحت الاسم الحركي لأحد “مجانين” تطوان قبل جيل مضى. وبالتالي “يحيى النسا” أصبحت اسم علم في مخيال سكان تطوان. بل أصبح تدوينها في كتاب الذاكرة المحكية علامة على الانتماء المستحق لتطاون كما يحلو للتطاويين تسمية مدينتهم المغربية الأندلسية.

المجنون “يحيى النسا” لم يكن يمر عبر شوارع مدينة تطوان وهو يردد، كل يوم مدى العمر، “يحيى النسا” عن هوى طائش. بل أسس “الماركة المسجلة” لجنونه على خلفية ماض تليد لمدينة عرفت كيف تنقل الحضارة الأندلسية المدفونة قهرا فوق شبه الجزيرة الإيبيرية وتعيد زرع شجرة الدر فيها تحت عنوان: حاكمة تطوان “السيدة الحرة”. فتطوان، منذ القرن 16، لم تعد تحسد أرض اليمن السعيد على مجده التليد مع بلقيس، ولا انتظرت ميلاد عهد الملكة فيكتوريا في بريطانيا العظمى فيما بعد. بل رعت تقاليد المغاربة مع السلطانات المنسيات” خناثة وزينب النفزاوية، بل وفتحت كتاب العلم وأقسمت أن تكون من سلالة فاطمة الفهرية التي وهبت ثروتها لبناء جامعة علمية عريقة استحقت التخليد التاريخي مع “الزيتونة” و”الأزهر” على طول خط العرض فوق شمال افريقيا من فاس إلى تونس إلى القاهرة.

سبق للراحل حسين السلاوي أن خلد التطاونيات في كلاسيكيات المَغْنَى والمعنى الجمالي، كما لم ينس المخرج الشريف الطريبق الدخول إلى سراديبهن السرية ليرسم ذوقهن الشبقي البهي.

جمعية دُرَر الفتية آثرت أن تبعث فاطمة المرنيسي من مضجعها الأبدي. وصنعت لها أجنحة غير منكسرة. فحلقت فاطمة الفاسية ثلاثة أيام متوالية فوق المركز السوسيوثقافي بالحي المدرسي حيث غزل البنات والأولاد في عشقهم الأول غير المنتهي جيلا بعد جيل.
للقعود رمز الشمال الأندلسي المخطط بالأبيض والأحمر، راية جبالة الأنيق: منديل حفيدات القوط المهجرات نحو جبال ريف المغرب قبل ستة قرون. يحيط بالخواصر البضة وهي تنحني لصباغة البيوت كل أسبوع بلوني الجير الأبيض والنيلة بزرقة اللحم الأبيض المتوسط (والعهدة على بدر الجباري)، عفوا وأستغفر الله، بزرقة البحر الأبيض المتوسط.

محمد مشبال، ببلاغته المعهودة طرّز بحرير اللغة الجميلة ثوبا روائيا رائعا نسجه ثلاث من صناع الخيال في المغرب والجزائر، رغم زمن العاصفة المكفهر بلوني الرصاص والدم. بهروا لجن البوكر في الخليج العربي.

لم يكن في وسعه ذلك لو لم تتألق شاعرات المغرب في الأمس الشعري الجانح الجامح كالحصان العصي على الترويض.
غير أن عالمات المشاعر الجميلة هن اللواتي وضعن صياغة اللؤلؤ والمرجان على حواشي الملتقى الدولي الأول للفكر والإبداع. بتوقيع لفاطمة المرنيسي حفيدة ياسمين الفاسية. كانت نجلاء، توزع نغم الافتتاح. تنحت كلمات على ريش الطاووس كي تتباهى عالية فوق رونق المكان لتسقط مهندس الفضاء مهزوما. تسبح بجناحي نسر غرق في لجة الشعر، يخاف أن يلتهمه قرش أحزان الرواية.
وفاء ترقب فن العوم لدى شقيقتها الشقية بغنجها، خشية إملاق اللغة أو بسمة بارقة مارقة تخلط أوراق التركيز. والذنب ذنب عينين كنهري أحزان، نهري موسيقى، والعذر موصول لابن الحلواني الدمشقي نزار.

أيها الورد الذي هان على مغنيه، كيف لا تغني شادية أغنيتها ولم تملك قلبين، انهزمت شادية ولم تنهزم بنات تطوان أمام المَثْنَى. فلا الوشاة نجحوا ولا الغلاة. كلهم أخيرا، أثنوا على تنويع سمفونية الرقص بين حب الجنة ومودة الدنيا المتبقية عبر سحب القارات، تغزل مشاعر الغسق وقت الشفق بمسافات ما بين المجرات. وكما قال المجذوب:”حديث النساء يونّسْ ويعلّمْ الفهامة”. لذلك، لم يقف الإنصات لما حكته فاطمة عن ياسمين في تطوان، فقبل أيام فقط، كرمت نساء تونس فاطمة المرنيسي في نادي الطاهر حداد.

وفي طنجة يحيا النسا ثاني

عندما تأملت توابل لقاء الرباط حول الإعلام الجديد، كانت أمينة السوسي ملح الطعام الثقافي كله. كانت حاضرة الذاكرة بالتفصيل حول كيفية خدمة الإعلام للمجتمع قبل أن تتسوق القنوات التلفزية خيوطها البيضاء لجمع المشتتين. ذكرت سيناريوهات الإنقاذ لمواطنات ومواطنين في الأقاصي، يوم كان ادريس البصري يصول ويجول متبخترا بأخطبوطه المتنفذ في عشر وزارات للتلصص على الأنفاس.
أما أسماء فلولاها لما نجحت العلاقات الخارجية في جلب الضيوف من الادوادور وكولومبيا واسبانيا وتونس وفلسطين. وحتى الذين أتوا من الولايات المتحدة وفرنسا والكونغو الديمقراطية أو مصر والإمارات والصين، كل شيء كان عمر يستغيث بأسماء للاستجابة لغمزات خالد قصد استكمال الترتيبات.

أما ناهد، فلا تهدأ إلا وقد خلدت الذكرى بالهاتف النقال وأسرعت إلى الفيسبوك لتطيل حبل الإشعاع المباشر، كانت النساء النحلات يضعن في صحن اللقاء الدولي عسل المودة. بخدمات متنوعة. كما لو كن مجهزات بمعدات الوقاية المدنية، من حل مشكل المبيت بالغرفة إلى ترياق الكلمة الطيبة والابتسامة. وإلا لكان عبد الباري عطوان طار إلى لندن مباشرة.

أينما وليت وجهك وأنت في تطوان أو في الرباط فتم وجوه نساء الشمال. الصواب والأدب ونكران الذات والحرص على الدقة في المهام والإتقان عند التصرف.

السيد خمري لم يكتف بتربية مريم تربية متفوقة استحقت منصب وزيرة في باريس المجد والأنوار، بل بصمت يدير طاقما مغربيا رائعا يجيد معادلة صفر مشاكل رغم تعدد الطلبات وتنوع الأذواق لضيوف المغرب من مختلف القارات. في سفينة نوح حيث النجاة مضمونة لكل أهل الأرض.

هكذا وفي بحر نصف شهر، تلاحظ أن المغرب عظيم بنسائه. حتى

0