2017/10/24

سياسيو المغرب واستقلالية القرار

القدس العربي - 26 يوليو، 2016


د. حسين مجدوبي - رئيس تحرير ألف بوست

قال المفكر المغربي عبد الله العروي إن الطبقة السياسية الحالية في المغرب هي أقل وطنية من الطبقة السياسية التي سبقتها، وهو كلام قد يتفق معه الكثير من المفكرين والمؤرخين والسياسيين والإعلاميين رغم قساوته.

وعديدة هي المعطيات التي اعتمدها عبد الله العروي في إصدار حكمه هذا المتضمن في كتاب جديد سيصدر له ضمن الكتب التي يؤلفها مؤخرا حول رصد التطور الفكري والسياسي للمغرب. كتاب حصلت الجريدة الرقمية «الأول» على مضمونه.

وعندما يتم صدور حكم من هذا النوع، وإن تم الاختلاف حول أطروحته، فهو صادر عن مفكر من أبرز المفكرين الذين أنجبهم العالم العربي والمغرب خلال العقود الأخيرة. في الوقت ذاته، فهذا المفكر تابع عن قرب تطور المشهد السياسي منذ الاستقلال حتى الوقت الراهن، وهذا يجعل أحكامه تكتسب قيمة أكبر لأنه شاهد وفاعل ومراقب ومحلل. ويجب عدم فهم كلام عبد الله العروي بأنه يقوم بتخوين الطبقة السياسية الحالية ونعتها بالعمالة لجهات أجنبية، فالأمر يتعلق أساسا بخيانة قيم العدالة وقيم الحرية وقيم المساواة تجاه الشعب المغربي، وقيم الصراحة مع السلطة الحاكمة المجسدة أساسا في المؤسسة الملكية، التي بدورها تتحمل مسؤولية في تدهور المشهد السياسي الحالي.

ويسعفنا الكثير من الأدلة للمقارنة بين الطبقة السياسية المغربية في الماضي مع الحالية، كما تسعفنا السياقات التاريخية لفهم أعمق لهذه المقارنة. في هذا الصدد، كانت الطبقة السياسية في الماضي، خاصة زعماء من حجم وطينة علال الفاسي أحد مؤسسي حزب الاستقلال، وعبد الله إبراهيم أول رئيس حكومة مستقلة وتقدمية في تاريخ البلاد والشهيد المهدي بن بركة ورائد الوطنية عبد الخالق الطريس، ثم لاحقين مثل محمد بوستة وعبد الرحيم بوعبيد لا يترددون في الوقوف ندا للند أمام المؤسسة الملكية في عهد الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.

ولم يكن موقفهم بدافع المعارضة من أجل المعارضة أو المعارضة المجانية، بل دفاعا عن قيم الحرية والمساواة. ومن يطلع على صحافة الستينيات والسبعينيات وحتى أوائل الثمانينيات، سيتبين مدى شجاعة هؤلاء القياديين في الجهر بالحق. كان هؤلاء الزعماء يعربون عن مواقفهم في القضايا الوطنية والسياسة الخارجية للبلاد وإن اختلفت، خاصة مع الملك الراحل الحسن الثاني. ومن ضمن الأمثلة التاريخية المعروفة، عندما قبل الملك الراحل الحسن الثاني إجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء في أوائل الثمانينيات، لم يتردد زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي في القول للملك وقتها «لقد أخطأت»، موقف كلفه السجن ولكنه لم يتراجع.

في الوقت الراهن، مع استثناء قلة قليلة، يبقى معظم من يشرف على الأحزاب يحمل لقب «مسير» ولا يرقى بأي حال من الأحوال إلى زعيم سياسي. ومن المميزات البارزة للمشهد السياسي المغربي حاليا، وهي مميزات سلبية للغاية، أن معظم زعماء الأحزاب يلتزمون الصمت أمام القضايا الكبرى التي تشهدها البلاد، ولا يستطيعون التعليق على قرارات المؤسسة الملكية التي قد تكون صائبة وقد تكون مخطئة كما أبانت التجربة. ويتحركون باحتشام حذر رغم أن بعض القضايا تكون حاضرة بقوة لدى الرأي العام المغربي. ومن ضمن الانعكاسات السلبية لغياب وطنية عميقة لدى الطبقة السياسية هو نفور المواطنين المغاربة من صناديق الاقتراع. وسيشهد المغرب انتخابات تشريعية يوم 7 أكتوبر المقبل، ومن المنتظر تسجيل نسبة أقل من انتخابات 2011، لأن المواطن المغربي الذي لم يقتنع بعد بجدوى صناديق الاقتراع لا يجد الشجاعة في خطابات الطبقة السياسية، الأمر الذي يجعله يتخذ مواقف مسبقة.

ونعطي مثالا من الأمس القريب ونقارنه بالوقت الراهن، لقد رفض الأمين العام لحزب الاستقلال محمد بوستة منتصف التسعينيات عرض الملك الحسن الثاني تشكيل الحكومة، إذا لم يتم سحب وزير الداخلية الشهير إدريس البصري، لم يفعل الملك وزهد بوستة في المنصب. ونجد في الوقت الراهن رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران يتحدث عن التحكم ووجود حكومة موازية تتخذ قرارات رغما عنه، ولكنه لا يمتلك الشجاعة ليحدد ماهية هذه الحكومة والأشخاص النافذين فيها، رغم أن الدستور يجعله الشخصية السياسية والمسؤول الثاني في البلاد بعد الملك محمد السادس. بن كيران هنا يمارس سياسة أشبه بلعبة الكلمات المتقاطعة.

نعم سياقات ظهور الطبقة السياسية في الماضي مقارنة مع الحاضر مختلفة وهي أساسية وجوهرية لفهم الفرق بين الطبقتين السياسيتين. الطبقة السياسية في الخمسينيات وحتى أوائل الثمانينيات جاءت نتيجة المواجهة مع المستعمر الفرنسي والإسباني، وهي تدرك جيدا قيمة الحرية السياسية والتعبير، دافعت عن هذه القيم إبان الاستعمار وحاولت ترسيخها بعد الاستقلال. أما الطبقة السياسية الحالية فهي في مجملها، مع استثناءات، من نتائج مختبر الدولة المغربية ابتداء من منتصف الثمانينيات حتى الوقت الراهن، حيث لا يمتلك معظم السياسيين استقلالية القرار، بل تحولوا الى أدوات تنفيذية مثل الروبوتات، وأغلبهم، بطبيعة الحال، بحسابات بنكية هائلة.