- Advertisement -

- Advertisement -

هل تتحمل السعودية الهزيمة التاريخية للعالم العربي السني؟

لم يجد خبر إطلاق إيران صاروخا نحو الفضاء وعلى متنه كائنا حيا (قرد) يوم 14 ديسمبر الماضي حيزا في وسائل الاعلام التابعة للعربية السعودية والسنية الخليجية. وخبر مثل هذا الذي يؤكد التقدم العلمي والتكنولوجي الإيراني يزيد من تأزيم الرياض معنويا وسياسيا أمام مواطنيها وأمام الرأي العام العربي السني لأن الرياض تنظر إليه بعين دينية أي تقدم الشعية على حساب السنة. وأضحت السعودية بشكل أو بآخر المسؤولة معنويا عما يمكنه تسميته ب “الهزيمة التاريخية للسنة العرب” في الوقت الراهن لفشلها في قيادة العالم العربي السني رغم توفرها على الموارد المادية والروحية الهائلة.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحاول العربية السعودية أن تلعب دورا هاما في العالم العربي والإسلامي والتحول الى ناطق باسمه ومصالحه أمام المنتظم الدولي. وعمليا، تمتلك العربية السعودية من المؤهلات التي لا تتوفر في أي دولة عربية أخرى رغم دورها التاريخي المحدود خلال القرون العشر الأخيرة.

في هذا الصدد، تعتبر السعودية المركز الديني والروحي للعالم الإسلامي، فهي مهبط الوحي وتحتضن مكة والمدينة المكرمة. وبفضل هذا البعد الديني اكتسبت رمزية وقوة نسبية في العالم العربي والإسلامي.

وفي الوقت نفسه، تتمتع السعودية بموارد طبيعية هائلة. فصادراتها واحتياطاتها من النفط جعل هذا البلد رغم تخلفه العلمي والحضاري محوريا في الاقتصاد العالمي، وهذه حالة استثنائية في تاريخ الحضارات. ورغم الاكتشافات النفطية المستمرة في عدد من مناطق العالم إلا أن صادرات واحتياطات السعودية تستمر في لعب دور مهم في الاقتصاد العالمي، وهو ما يضمن لهذه الدولة استمرار أهميتها في الخريطة الدولية وإن كانت تتناقص تدريجيا.

وساعدت ظروف تاريخية هذا البلد على لعب نوع من الزعامة والمحافظة عليها رغم ظهور زعامات عربية أخرى في أوقات معينة وأهمها الناصرية بقيادة جمال عبد الناصر خلال الستينات. وأبرز هذه الظروف المساعدة على الحضور الدولي للعربية السعودية: الاتفاق التاريخي بين الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة والرئيس الأمريكي روزفلت في منتصف الأربعينات، حيث رغبت واشنطن في ضمان واردات البترول لنهضتها الاقتصادية وهذا ما دفعها الى حماية المملكة العربية السعودية وعائلة آل سعود من التحديات الداخلية والخارجية.

وفي الوقت نفسه، ساعدت الحرب الباردة الرياض في استمرار زعامتها. فإذا كان الغرب وأساسا الولايات المتحدة قد حملت راية الليبرالية والحرية في مواجهة الكرملين، فالرياض حملت مشعل الدفاع عن الإسلام في مواجهة” الاتحاد السوفياتي الملحد”. ومنح الغزو السوفياتي لأفغانستان في أواخر السبعينات الفرصة الذهبية للسعودية في تزعم العالم الإسلامي لمواجهة ما اعتبرته غزو دولة ملحدة لدولة إسلامية، ومكّنها من نشر الأفكار السلفية الوهابية التي ستصبح مع مرور الوقت حاجزا في وجه تطورات العالم العربي وخاصة السني منه.

والآن وفي أعقاب التطورات الحالية التي يشهدها العالم، تبحث السعودية عن دور جديد يسمح لها بما يفترض أو تعتقد استتمرار زعامة العالم الإسلامي. وتجد في إيران الشيعية المبرر. وإذا كانت قد حملت مشعل الإيمان في مواجهة الإلحاد في حالة الاتحاد السوفياتي، ففي حالة إيران تحذّر من “المد الصفوي ومن العقيدة الشيعية المشركة بالله”، وفق التعابير الأكثر استعمالا من طرف فقهاء الوهابية. وتساعد بعض “التصرفات الغبية لإيران” في انتعاش الوهابية.

وطيلة هذه العقود التي تمتعت فيها السعودية بنوع من الزعامة، لم تستطع تزعم بناء قطب عربي سني قوي قادر على فرض نفسه في الخريطة الدينية والسياسية الدولية. فتأويلاتها السياسية والدينية للإسلام حالت دون تطور ممارسة سياسية في البلاد نحو ديمقراطية تعتمد ركائز إسلامية، بل فرخّت من أتباع الوهابية في العالم العربي مما يجعلهم عائقا تاريخيا أمام تطور الفكر السياسي والنهضوي العربي. وساهمت السعودية بأموالها في إفشال الربيع العربي الذي يفترض أنه كان سيكون نهضة عربية على شاكلة النهضة الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، لم توظف الموارد المالية الناتجة عن النفط في بناء قطب سني قوي من خلال استثمار الأموال في مشاريع علمية وصناعية حقيقية في الدول العربية  التي تمتلك الرأسمال البشري المؤهل وخاصة السنية منها مثل المغرب والأردن وتونس ومصر  بل تذهب الموارد المالية في استثمارات في الغرب وتكديس الأسلحة واستهلاك متوحش لمنتوجات الغرب.  وعندما تقدم مساعدات مالية للدول السنية، فالغاية دعم أنظمة لمواجهة المدي الديمقراطي كما حصل عندما اقترحت عضوية المغرب والأردن في مجلس التعاون الخليجي.

ولا يمكن العثور في التاريخ على دولة تمتعت بهذه الموارد المالية والروحية وعجزت عن تحقيق قفزة نوعية إلا العربية السعودية التي تشكل عنوانا لفشل بارز.

وبينما سعت جاهدة على المحافظة على زعامتها السياسية للعالم الإسلامي والعربي، انتهى بها الأمر الى زعامة محدودة للغاية لبعض الأنظمة العربية السنية وخاصة الأنظمة الملكية. وزعامتها لهذه الأنظمة لا يعني زعامتها للشعوب العربية، فكل دراسة لما ينتج من كتابات سياسية حول السعودية في العالم العربي يبرز الطلاق بين الرياض والشعوب العربية. هذه الأخيرة التي تشجب دور الرياض في عرقلة التطور الديمقراطي وتشجب ما يتعرض له المهاجرون العرب من ممارسات قريبة للعبودية في دولة مهبط الوحي مقابل “الاحترام الفائق” الذي يتمتع به مهاجرو، عفوا مواطنو، الدول المسيحية في موطن الإسلام.

وقامت الدول السنية غير العربية مثل باكستان وماليزيا وأندونيسيا بنهضتها من خلال تأويل منفتح للإسلام ساهم في إرساء مفاهيم سياسية ترسي ديمقراطية حقيقية والرهان على الصناعة مما أخرجها من التخلف وخاصة أندونيسيا وماليزياوجعلها من الدول الصاعدة خاصة في ظل انتقال ميزان قوى العالم من الأطلسي الى المحيط الهادي.

وعلى شاكلة اسلام الدول السنية غير العربية، بينما يشهد الإسلام الشيعي، ممثلا في إيران تطورا لا يستهان من خلال تحقيق نضهة حضارية عبر التقدم العلمي في شتى المجالات من صناعات أدوية الى صناعات عسكرية وحتى فضائية بنجاح إيران في إرسال صاروخ الى الفضاء علاوة على المشروع النووي.

وفي المقابل يشهد العالم العربي السني الذي تتزعمه العربية السعودية تشرذما خطيرا وتخلفا حضاريا بين الأمم، وجميع معطيات ومؤشرات التنمية الدولية تشير الى استمراره على هذا الحال بدون نهضة صناعية و ثقافية وقد يزداد الوضع سوداوية بسبب الحرب السنية-الشيعية التي تتبلور في الأفق بزعامة سعودية فعالة عبر البوابة السورية وقد تكون مزيدا من الانحطاط للعالم العربي السني. ولا يمكن فهم هذا التخلف وهذه الهزيمة التاريخية بمعزل عما يفترض أنه زعامة العربية السعودية لهذا العالم العربي السني وطموحاتها للقيادة خلال العقود الأخيرة ولكن بدون برنامج حضاري حقيقي.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد