- Advertisement -

- Advertisement -

” التباس ” قصة قصيرة

يوسف خليل السباعي

نزلت من سيارة فخمة لابسة سروالجينز أزرق وقميص أسود مفتوح لشراء شيء ما من أحد الأكشاك بالمضيق. ثم عادت توا،وتابعت السير. كان يرغب في الكلام معها، لكنه لم تتح له الفرصة المناسبة لذلك، حيثلم تبق سوى بضع دقائق قضت فيها أغراضها، ثم اختفت.. تذكر فجأة أنه يعرفها حقالمعرفة.. المرأة التي سقطت من طابق علوي لإحدى العمارات بمدينة شاطئية، لكنها نجتبأعجوبة.. ولولا لطف الله لكانت الآن في عداد الأموات. قيل إنها كانت مع رجل استغلسذاجتها وصورها بكاميرا فيديو، دون أن يثير ذلك انتباهها، في وضع جنسي. لم تستوعبذلك لحظة اكتشافها للأمر وقذفت بنفسها عارية من طابق علوي. لم يصدق ما قيل، اعتبرهإشاعة كأي سحابة عابرة.

ندم على أنه لم يتكلم معها ليعرفقصتها. لم يدري، أنها لن تبوح له بأي شيء.

شيء حميمي وخاص جدا بالنسبة إليها،لم يكن بمقدورها حكيه لأي أحد. هل سيصل إلى معرفة حقيقتها؟. كان غموض يلف حياتهاالخاصة. لكنه مع ذلك كان يريد أن يعرف.. جن جنونه لمعرفة سبب سقوطها من ذلك الطابقالعلوي. حاول بكل الطرق الاتصال بصديقتها، ومعارفها، لا أحد أجابه عن أسئلته..قالتله واحدة منهن: هل أنت صحفي.. أو شرطي؟. من أنت بالضبط؟ .. لم يستطع الجواب، ظلصامتا..لم ينبس ببنت شفة.. فاجأه سؤالها. غادر المكان مسرعا دون أن يلتفت إلىالوراء، سمع صوتا يناديه من بعيد.. كان صديقه الفنان الذي لم يراه منذ مدةطويلة…عانقه بشدة، وقال له:

أين كنت؟ فتشت عنك في بيتك، فيمقهى ” الزهراء”، لكنني لم أعثر عليك..

رد عليه ببرودة:

كنت أبحث عن خيط يوصلني لمعرفةدوافع انتحار سيدة. لكنني أعجز عن الوصول إلى ذلك.. قال:

كان لابد من الاتصال بقسمالشرطة، ليوافيك بالحقيقة.

ضحك بصوت عال، ثم رد:

لم يستقبلني أحد..تركوني هناكواقفا أزيد من ساعتين بالكامل، دون أن يسألني أحد..بقيت أنظر إلى جدار الكوميساريةالبارد المتهالك..ومكاتبها المهترئة القديمة البالية..ومن حين لآخر، كنت أسمع صراخأحدهم في غضون التحقيق معه، وأغلق أذني حتى لا أسمع… كما كنت أنظر من فتحة صغيرة فيالباب إلى عملية استنطاق أحد تجار المخدرات المصفد اليدين دون أن أعرف ما يجريبالداخل. أقول لك صديقي بحق عجزت عن الوصول للحقيقة. حتى السيدة لم ترد أن تكشف عنأوراقها.

سأله صديقه: ما صلتك بها. قال:

ذلك سر لايمكن إفشاؤه، هي فقطسيدة أثيرة لدي..أحببتها ذات يوم، ولم أكن أحب أن أراها في ذلك الوضع…كانت تريد قتلنفسها.

دعاه صديقه الفنان لركوب السيارةالجديدة التي ابتاعها من باريس. مد له سيجارة، دخن جزءا منها، ثم رمى بالمتبقي منالنافذة.. السيارة تسير ببطء وهو يفكر في المرأة التي حاولت الانتحار، لم تغب عنمخيلته أبدا… عادت به ذاكرته إلى صاحبة سروال الجينز الأزرق التي امتطت السيارةالفخمة.. اعتراه شعور غريب لم يعرف مصدره…في مفترق الطرق المؤدية إلى مرتيل فتحصديقه باب السيارة لامرأتين مجهولتين، صعدتا…حالما حرك صديقه مقود السيارة…طلب منهأن يدعه ينزل..قائلا بأن أحدا ينتظره.. لم يعرف أحد من يكون.

 معقراءة لقصة ” التباس” لسمير الفيل من مصر

 

المرأة التي تلبس السروال الأزرق هي بطلة النص، غائبة وحاضرة، أما الراوي فهويريد معرفة السبب الذي دفعها لإلقاء نفسها من النافذة منذ سنوات. لا يتوصل إلى شيءرغم أن الفضول يكاد يقتله.

 يلتقي صديقه ويحدثه عن المسألة فيقترح عليه الذهابلمخفر الشرطة والسؤال عن الموضوع، فيرد عليه بأنه حاول والمحاولة فاشلة.

 يركبالراوي سيارة صديقه وفيما السيارة سائرة يوقفها الصديق ويسمح لامرأتين بركوبالسيارة، وحالما حرك مقودها يضطرب الراوي ويضطر للنزول من السيارة. الالتباس هنانشأ من سيرة غير مكتملة لامرأة يريد معرفة أسرارها وفي اللقطة الأخيرة يكون الفرارمن السيارة ربما لكون إحدى السيدتين هي المرأة المقصودة.

 وربما لسبب آخر، هذهالنهاية المفتوحة جاءت لمصلحة النص فقد فتحت بابا لنظرية الاحتمالات.

النص جميلومكتوب بحرفية ، وفيه وجع إنساني ، ولمحة وجودية لا تخفى عن المتلقي ، والنص يحملعبق المكان وتفاصيله الجغرافية وهذا شيء أفضله في عوالم السرد.

* من مجموعة ” الظل ” القصصية، الناشر: ” منار الكتاب”، طباعة: مطبعة الخليج العربي.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد