- Advertisement -

- Advertisement -

الفصل الأول من رواية “عيون المنفى” لعبد الحميد البجوقي

 

(“المورو” خايمي)

** الفصــــــل الأول ** 

سعيد اللاجئ

 

الجو في مدينة مدريد جاف ومنعش، الساعة تشير إلى الحادية عشرة ونصف من صباح الجمعة 22 أكتوبر 1984، سعيد يُحس بنشوة وحيوية مُفرطة وهو ينتظر دوره لاستلام المساعدة التي يقدمها الصليب الأحمر للاجئين، الشارع يغص بالمارة وغجرية ترقص على نغمات آلة قديمة يحركها يدويا رفيقها الغجري وهو يومئ للمارة بوضع بعض البسّيطات في صحن موضوع على الأرض. لحظات ويصل دورسعيد ليطل عليه من الشباك رجل بنظارتين في الخمسينيات من عمره، ويسأله مستعجلا: اسمك ؟ ورقم بطاقة المساعدة؟ والجنسية من فضلك؟

أجابه سعيد بسرعة في انتظار أن يمده الرجل بالمساعدة، وقبل أن يفعل، بعد أن عرف أن سعيدا مغربي، نظر إليه بنظرات تنبعث منها الريبة والاستغراب وهو يردد “المغرب بلد جميل، أبي قضى فيه فترة التجنيد العسكري، وجدي شارك في حرب تطوان، وبسرعة، وقبل أن يمد سعيدا بوصل الاستلام لتوقيعه، أردف بصوت خافت:

“مورو يطلب اللجوء؟ غريب”

لم يمهل الموظف سعيدا قاطعا عليه فرصة التعقيب ونادى اللاجئ الذي يليه. أخد سعيد أجرة المساعدة التي كانت توزعها منظمة الصليب الأحمر على اللاجئين وانطلق مسرعا إلى الأوطيل لدفع مستحقات الشهر. قيمة مساعدة اللاجئين لم تكن تتجاوز 22ألف بسّيطة، وبعد دفع 18.000 بسيطة، سومة كراء غرفة في البنسيون لمدة شهر، عليه أن يعيش بالباقي الشهر كلّه، ولم يكن الباقي يتجاوز أربعة آلاف بسّيطة.

نظرت مالكة البنسيون، أبويلا abuela (الجدة) ماريا، إلى سعيد بعطف وهي تستلم منه مستحقاتها وقالت لمساعدتها :

” الشيكو تحسنت لغته القشتالية”

 وربتت على كتف سعيد، متابعة كلامها بهدوء، وهي تنظر إليه بعطف:

” قريبا ستجد عملا وشقراء مسيحية جميلة للزواج”

 لم يسعفه خجله في الرد واكتف بابتسامة تعبيرا عن فرحه، لكنها عادت ونادته:

” خايمي لاتهتم كثيرا، أنت شاب في مقتبل العُمر وأمامك الحياة، كل الحياة”

 رددت أبويلا ماريا كلماتها بصوت خافت وكأنها تتأسف على أمر ما.

انصرف سعيد وهو يُفكر في هذه العجوز، ويُفكر في ما دار بخلدها وهي تحدثه بحنان ورقة، ولماذا نادته باسم خايمي بدل سعيد؟، ترى بماذا ذكرها سعيد وحاله؟ راودته أسئلة كثيرة وهو يشق طريقه  في زحام شارع أرينال متجها إلى ساحة باب الشمس  Puerta del Sol ومنها إلى شارع كرانبيا الذي كان يُسمى، حتى عودة الديموقراطية، بشارع خوصي أنطونيو  Jose Antonioالأب الروحي والإيديولوجي لحزب الكتائب الفرانكوي.

 أمام ميترو كرانبيا  GranViaكان سعيد على موعد مع فيرناندوFernando، وهو شاب من التشيلي لاجئ مثله، وكلاهما يبحث عن عمل إضافي وعن سكن للكراء للتخلص من حياة البنسيون.

وصل فرناندو متأخرا كالعادة وبرفقته شابة جميلة شعرها أسود وعيناها سوداوان وبشرتها بيضاء ناصعة ، حيّى فرناندو سعيدا وهو يعتذر عن التأخّر، وقدم له الفتاة قائلا:

” إيصابيل Isabel  رفيقة الدراسة في كلية العلوم السياسية”

وقدم فرناندو سعيدا لإيصابيل:

“المورو سعيد من المغرب”

اقتربت إيصابيل من سعيد ومنحته قبلتين أثارتا ارتباكه وخجله، انتبه فرناندو لارتباك سعيد وعلق بمرحه المعهود:

” سعيد لا تخجل، أنت في إسبانيا، وتبادل القبل طبيعي وعادي بين الجنسين، فاغتنم الفرصة واستمتع وتخلص من العُقد يا صديقي”

وأردف فرناندو بصوت مرتفع أزعج سعيدا:

” هذا أحسن من عادة الموروس، فأنتم تُقبلون الرجال بدل النساء” .

زادت كلمات فرناندو من ارتباك سعيد الذي حاول أن يرد عليه، لكن الارتباك والخجل منعاه من التعبير، وتلعثم لسان سعيد ببعض الكلمات اختلط فيها الترحيب بالفتاة بالرد على سخرية صديقه فرناندو.  كلمات سعيد غير المفهومة، ولكنته الإسبانية المتلعثمة  أثارت ضحك وقهقهات فرناندو، فتدخلت إيصابيل بلباقة للتخفيف عن سعيد سائلة عن وجهة الصديقين وعن برنامجهما ذاك المساء، فرد فيرناندو مسرعا كعادته:

” اليوم استلمنا المساعدة، ولعل سعيدا مشتاق لسهرة ممتعة” وأردف بمرح “ما رأيك سعيد؟”

وافق سعيد بسرعة ونسي أنه اتفق مع فرناندو قبل اللقاء على البحث عن منزل للكراء في الضواحي بمجرد استلام المساعدة من الصليب الأحمر، وأن الباحثة الاجتماعية المكلفة بملفيهما كانت قد وعدتهما بمساعدة إضافية لمواجهة مصاريف التسبيق والوكالة العقارية . انصرف فرناندو وصديقته بعد أن تواعدا مع سعيد على اللقاء بعد المساء في حانة غارسيا، وهي حانة شهيرة وقديمة توجد في وسط بلاثا مايور Plaza Mayor(الساحة الكبرى).

توجه سعيد لتوه إلى الحمام العمومي، وبعدها عرج على مطعم اللاجئين بحي لافابييس Lavapies قرب محطة الحافلات وتناول وجبة الغداء، وكان المطعم مكتظا لأنه كان يقفل أبوابه يومي السبت والأحد ويوزع بالمناسبة معلبات وبعض اللحوم والفواكه  اليابسة، وعاد سعيد بعدها إلى البنسيون يحمل كيس المأكولات المجففة والمعلبات، وبمجرد أن دخل غرفته، استلقى على الفراش يفكر في الشهور التي مضت منذ وصوله إلى مدريد، وبين الفينة والأخرى تحضره صورة الفتاة التي كانت ترافق فرناندو، وابتسامتها ورائحة عطرها تداعب أنفه مُنغمسا في الذكريات القريبة منذ اغترابه بعد انتفاضة 84 ، وتنتابه أحيانا لحظات من الألم والنشوة في الآن نفسه، وتعود صورة إيصابيل لتذكره بموعد المساء في حانة غارسيا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد