- Advertisement -

- Advertisement -

الفصل الرابع من رواية ” عيون المنفى ” لعبد الحميد البجوقي

الفصل   الرابع

زيارة غير منتظرة

صخب وضجيج وصوت خطوات يبدو أن صاحبها يُحاول المشي بهدوء، لكن الخشب الذي يُغطي أرضية البنسيون يُطلق صوتا حادا يكسر هدوء المكان، كان سعيد يتقلب في سريره وهو بين اليقظة والنوم، ويشعر بصداع قوي في رأسه وبعطش، نهض متهالكا وتوجه صوب المرحاض وملأ قنّينة بالماء وشرب نصفها ثم عاد مُسرعا إلى السرير، وقبل أن يتمدد من جديد، سمع طرقا على الباب فتساءل “من يا ترى الطارق هذه المرة؟”، وتذكر كابوس الأمس وتساءل إن كان الكابوس اللعين ذاته، وزادت طرقات الباب وصوت نسائي ناعم يُناديه بلكنة لاتينية:

” سعيد، سعيد، هل ما زلت نائما؟ سعيد، هناك زوار في بهو البنسيون يسألون عنك”

قفز سعيد من فراشه متفحصا ساعته اليدوية وصرخ:

” واو واو، إنها الرابعة مساء”

 و بعد لحظات عاد الصوت ينادي سعيدا، وتذكر أنه صوت كارمن، المُنظفة الكولومبية التي تشتغل في البنسيون، وأجابها بسرعة:

” نعم سمعتك كارمن Carmen، سأخرج بعد لحظات، لاتهتمي، قولي للزوار أنني سأنزل بعد دقائق”

غسل سعيد وجهه بسرعة ولبس ملابسه وهو يشعر ببعض الألم في وجهه وأنفه، وتذكر كابوس الأمس اللعين. صفف سعيد شعره وقاوم تعبه وهم بالخروج. كان صداع رأسه يزداد أحيانا ويخف أخرى، ويشعر بجسمه مُنهكا ويكاد لا يستطيع المشي. واتجه نحو البهو متسائلا:

“من يكون هذا الذي يسأل عني في الأوطيل؟، لن يكون غير فرناندو أو خالد، إنهما الوحيدان اللذان يعرفان عنواني”

وفي طريقه نحو بهو البنسيون تذكر سعيد ليلة البارحة وإيصابيل وسهره مع فرناندو بعد انصرافها، وتذكر أنهما انتقلا من حانة غارسيا إلى حانات أخرى وانتهى بهما المطاف في آخر الصبح في مرقص لاتيني يُحبه فرناندو، وأنه عاد إلى البنسيون مع بداية الصبح.

في طريقه إلى بهو البنسيون قابل سعيد ماريا صاحبة البنسيون وهي تمشي بخطاها المتثاقلة، حاول تحيتها والمرور بسرعة لكنها أوقفته مُبتسمة وقالت:

” سعيد، كيف أنت وكيف حال جرحك؟” واستطردت بابتسامة كبيرة:

“يبدو أنك سهرت البارحة، ولا شك أنك تشكو من صداع الرأس”، وضحكت بمرح ثم أضافت: “طبيعي، هذا حال الشباب، لكن كن حذرا وبالخصوص في الليل، أسرع، أسرع، هناك مفاجأة جميلة في البهو تنتظرك”

خفظ سعيد عينيه ببعض من الخجل وأجابها:

” معذرة أبويلا ماريا، وشكرا على نصيحتك الغالية”

تردد سعيد في سؤال أبويلا ماريا عن المفاجأة الجميلة التي تنتظره في باب البنسيون، وشعرت هي بشوقه إلى معرفة المفاجأة الجميلة التي تنتظره في باب البنسيون، لكنها أضافت المزيد من التشويق قائلة:

” يا بني، بعد الحلم تأتي اليقظة، وبعد السحاب يأتي المطر”، وأردفت مبتسمة: “أسرع يا سعيد، هناك هدية من السماء تنتظرك في البهو، ستطرد عنك كابوس البارحة إلى الأبد”

نسي سعيد وجع وصداع رأسه وتوجه مسرعا إلى بهو البنسيون، كان البهو هادئا، فقط بعض الزبناء يتحدثون مع خافيير، الإبن الأكبر لماريا صاحبة البنسيون، وفي كنبة قرب مدخل الباب اكتشف سعيد المفاجأة السارة، إنها إيصابيل بشعرها الأسود وعينيها الجميلتين وشفتيها الممتلئتين تنظر إليه بابتسامة وبهدوء وتشير إليه بكفها الأبيض الناصع وأظافرها المصبوغة بأحمر غامق ومُثير. وقف سعيد مذهولا لا يدري ماذا يفعل، وشعرت هي بذهوله فاقتربت منه بهدوء وهي تناديه:

” إيه سعيد، كيف حالك عزيزي؟”

تسمر سعيد في مكانه مذهولا وعجز عن المشي، واقتربت منه إيصابيل فحاول الكلام، لكن دون طائل، انتابه شعور بالفرحة واقترب منها يكاد لا يُصدق عينيه، وبدأ عبيرالفتاة يداعب أنفه ويُثير غرائزه، وانتبهت هي لارتباكه فاحتضنته بسرعة ووزعت قبلتين على خديه وجلبته من يديه نحو كنبة كبيرة متوارية إلى جانب الدرج وهي تُردد بصوت ناعم وعذوبة أنسته  صداع الرأس وكابوس الأمس:

” يبدو أنك سهرت ودخلت متأخرا ؟” فأجاب سعيد متلعثما: “نعم، نعم”

حاول سعيد أن يشرح وأن يعتذر وأن يتكلم، لكن إيصابيل أنقذته بأسئلة دارت بمخيلته منذ الوهلة الأولى:

“أتريد أن تعرف سبب زيارتي؟ وكيف عرفت عنوان البنسيون؟”

 تلعثم سعيد  في الرد وعجز عن الجواب، ثم استجمع كل قواه وخاطب إيصابيل:

“أبدا، أنا سعيد جدا بزيارتك وإنما تفاجأت، ومهما كان السبب فأنا أطيرُ فرحا بزيارتك”

تأملت إيصابيل في وجه سعيد وكأنها تبحث عن علامة أوإشارة، وقالت بصوت خافت:

” كل ما في الأمر أن فرناندو اتصل بي صباحا وأخبرني أنكما سهرتما معا حتى الصبح، وسألته عنك فحكى لي عن حياتك وعن ظروف مغادرتك المغرب وعن معاناتك، وقال لي إنك من تطوان”.

” نعم، نعم، أنا من تطوان وغادرت المغرب بعد انتفاضة 84 التي تسمونها انتفاضة الخبز” أجابها، وأضاف:

“لكنني بخير ووضعي جيد، فقط أنتظر رد الشرطة وقسم اللاجئين على طلب لجوئي”

قاطعته إيصابيل بحنان وحذر:

“سعيد أنا أحب المغاربة وأحب تطوان، أمي تحكي لي كثيرا عن تطوان وأحيانا تبكي وهي تتذكر شبابها بالمدينة”

سألها سعيد مندهشا:

“هل عاشت أمك في تطوان؟”، فأجابت بنشوة:

” لا، الصحيح أنها وُلدت بتطوان وعاشت هناك حتى سن العشرين لأن جدي كان عسكريا وكان مسؤولا بقسم التحاليل الطبية في المستشفى العسكري”

عاد جواب إيصابيل بسعيد إلى تطوان وإلى أجوائها ومقاهيها ونسيمها، ولاحظت إيصابيل شروده فسألته:

“هل تعرف المستشفى العسكري بتطوان، ربما له تسمية أخرى الآن؟” وأجابها سعيد: ” نعم، طبيعي أن أعرفه، فما يزال يحمل التسمية نفسها، ويوجد في حي ما زال يحمل إسما إسبانيا هو باريو مالقة Bario Malaga، وما زالت تجوب الحي ذكريات الإسبان ويتناقل سكانه حكايات عن الإسبان بنُوسطالجيا فريدة وبحنين”.

 انطلق سعيد يحكي لإيصابيل عن تطوان وعن باريو مالقا وعن “بياسيون”Aviaciön، وهي منطقة المطار حاليا، وعن بابيونيس  Pabillones(إقامة خاصة بعلية القوم من الإسبان في عهد الحماية) واسترسل في الحكي ونبرات الحنين تنبعث من صوته إلى أن  قاطعته إيصابيل وهي تقول:

“سعيد ملامح وجهك والبريق المنبعث من عينيك يُذكرانِني بأمي حين تنطلق في رواية  حياتها في تطوان”

انتبه سعيد إلى التعليق، واستفزه موضوع الشبه بين حنينه وحنين أم إيصابيل، وفي لحظات، فكّر في قرارة نفسه: “كيف يمكن تشبيه حنينه لوطنه بحنين ابنة عسكري مُستعمر؟” و لم يتمالك وسأل إيصابيل بحذر ولطافة:

” لكن عزيزتي، ألا تتصورين معي أن أمك ليست مغربية وحنينها لإسبانيا أقوى، وحالتي هي عكس ذلك”.

نظرت إليه إيصابيل متفحصة ملامحه وردت بقليل من العصبية وبجدية:

“هذا ما كان أبي يقوله لأمي في لحظات حزنها ولوعتها بالبعد عن تطوان، لكنها كانت تُجيب بصرامة وأحيانا ترد عليه باكية”

“أنتم لا تعرفون معنى الوطن، وتعتقدون أنه يسري في الشرايين وفي الدم ويرتبط بالاسم وباللغة وبالوراثة، أنتم مُخطئون في تعريفكم للوطن وفي فهمكم لمعنى الانتماء، ولن تعرفوه أبدا، الوطن أحاسيس وأرض تستقبلك للدنيا، الوطن نسيم وعبير وروائح عطور ونباتات ونعناع، الوطن لا تدخله جيوش الاستعمار ولا ينهزم، إنه أبدي مستمر ولا رادّ لحبه، ولا ينتهي في الحدود الجغرافية ولا حتى في حدود الحياة..” ثم استرسلت وكأنها تُغالب دموعها:

” أتدري يا سعيد أن كلماتها شجعتني على زيارتك بعد أن حكيت لها عن لقائنا البارحة، وهي تتمنى أن تراك وأن تتعرف عليك” وواصلت قائلة:

” أتدري يا سعيد أن أمي تناديك “بايصانو”Paisano، أي ابن بلدها.

صدمت إيصابيل سعيد بردها وبكلام أمها عن الوطن وعن حبها لتطوان وعن مقارنة لوعة أمها بلوعته، وساد بعض الصمت كسرته إيصابيل بدعوتها لسعيد لشرب فنجان قهوة في المقهى المجاور قائلة:

“أكيد أنك، بعد سهرة الأمس، محتاج لقهوة إكسبريس وسيجارة”، فأجابها سعيد بسرعة:

“نعم، نعم، هيا بنا لتحكي لي المزيد عمّا تعرفينه عن مدينتي تطوان”،  ثم أمسكت إيصابيل بيدي سعيد فأحسّ برعشة غريبة وبرغبة في تقبيلها، لكنها  قطعت خياله وعقبت بسرعة:

“لا، عزيزي، أنت من سيحكي عن ما حصل في 84 وكيف خرجت من المغرب، أريد أن أعرف كل شيء عنك”

ابتسما معا وانطلقا ينزلان سلم العمارة في اتجاه المقهي، وسمع سعيد ماريا صاحبة البنسيون تقول بصوت عال:

” سويرتي  Suerteسعيد (حظًّا سعيدا ) “

سمعتها إيصابيل كذلك وعلقت: “يبدو أن أبويلا(الجدة) ماريا تحبك كثيرا وتعاملك كما لو كنت ابنا لها”، فأجابها:

” سيدة طيبة يُحبها كل الزبناء، والحقيقة أنها تشملني بعطف خاص”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد