- Advertisement -

- Advertisement -

الفصل الخامس من رواية ” عيون المنفى ” لعبد الحميد البجوقي

الفصل   الخامس

الإنتفـاضة

 في باب مقهى ريجينا بتطوان كان عبدالكبير ينتظر سعيدا وعلامات النرفزة بادية عليه، وبمجرد ما تلاقت نظراتهما علق عبد الكبير بصوت عال:

” سعيد، ألا تخجل أيها المُشاغب ؟ متى ستتعلم احترام الآخرين ؟ تأخرت، وكعادتك، ما يقرب من الساعة، كنت سأغادر لولا أن الموضوع مُستعجل ويتطلب لقاءنا”

ضحك سعيد كعادته وأجابه:

” عبدالكبير، عزيزي، لماذا كل هذا الاحتجاج ، من سمعك سيتخيل أنك تعمل في الإذاعة، والحقيقة أنك عاطل يدعي العمل في طلب العلم “

أجاب عبد الكبير بنرفزة:

“عاطل أنا ؟ العاطل أبوك آلممسوخ”، وأخذ سعيدا من ذراعه، واختارا مكانهما في المقهى إلى جانب نافدة في الوسط غالبا ما تجلس فيها المجموعة . سأل سعيد عبد الكبير عن الآخرين فأجابه:

” سلعة واحدة، سيصلون في منتصف الليل، هذا حال البلاد، لم نتأخر عن الدول المتقدمة صدفة”

ضحك سعيد وسأل صديقه عن أخبار وصلته من الناظور والحسيمة مفادها أن مظاهرات شعبية حصلت البارحة وأن قوات مكافحة الشغب تدخلت بشكل عنيف، وتحكي بعض المصادر عن سقوط جرحى وقتلى. أجابه عبد الكبير أنه سمع نفس الأخبار وأن أخاه رأى بأم عينيه وصول حافلات من الحسيمة زجاج نوافدها مكسر، وبعضها لم يصل، و سأل سعيد عن حميد، الذي يشتغل في المحطة، هل رآه، ملمحا إلى أن يكون على علم بالأحداث.

“هل تعني حميد الاتحادي ؟ ” سأل عبد الكبير سعيدا.

نظر سعيد إلى صديقه نظرة العارف بنواياه ثم أجابه:

“لا أعرف حميدا آخر غيره”

أخبرعبد الكبير سعيدا بأن حميدا سيلتحق بهما في المقهى حسبما وعده عندما التقى به هذا الصباح، ثم علق ضاحكا: “كملت الباهية”(اكتملت الدائرة)، وعقب بسرعة قبل أن يسأله عن السبب:

“غريمه السياسي عبدالواحد سيلتحق بنا أيضا، هو وعبدالقادر”.

ضحك سعيد بقهقهات عالية وهو يردد:

“جميل، ستكون مناسبة للفرجة والاستمتاع بعراك الديكة”

ابتسم عبدالكبير، ثم سأل سعيدا عما عسى عبد القادر أن يفعل بعد نجاحه في الانتخابات الجماعية باعتباره مرشحا مستقلا، وعقب مُستفزا ودون أن ينتظر رد صديقه:

“في النهاية ترشح مستقلا ضد قرار رفاقه في الحزب، والآن بعد نجاحه ما عساه أن يفعل؟” فأجابه سعيد:

“سيبقى معزولا، أو لعله يضطر لبيع صوته لمن يدفع أكثر”

بنظرة ساخرة، عقب عبد الكبير على سعيد: “وأنتم الذين دعمتموه ما عساكم أن تفعلوا بعد أن أخطأتم وتسرعتم وقسمتم حزب المهدي وعمر وغيرهم من الشهداء”، ودون أن ينتظر جواب سعيد علق قائلا:

“أخطأتم وتسرعتم وقسمتم الحزب، وستدفعون الثمن”

نظر سعيد إلى عبد الكبير وأجابه بعصبية ملحوظة: ” أفضل أن نُخطئ على أن نُساند طابور الانتهازية المتغلغل في الحزب، وأفضل أي شيء ماعدا أن أكون تابعا لأمثال المافيوسي محمد سباسو وطابور المتسلقين الذين يرافقونه، وسترى كيف سيبيعون هذا الحزب وتاريخه في المزاد العلني، ولا تستغرب من أن أجندة الانتهازية تلتقي بأجندة المخزن(نظام الحكم) “

قبل أن يرد عبد الكبير كعادته ويتطور النقاش إلى جدال، انتبه الصديقان كيف أخذ أحد أفراد شرطة المراقبة الوطنية أو ما يُعرف بالمخابرات مكانه قريبا من مائدتهم، ونظر إليهما النادل عبد المنعم مبتسما ولسان حاله يقول: ” احذرا، فإنكما تحت المراقبة”، وابتسما بدورهما محاولين تغيير الموضوع، وسأل عبد الكبير سعيدا بصوت عال حتى يسمع المُخبر:

” جميلة الفتاة التي كانت ترافقك البارحة مساء، قلت لي إنها من الباريو وبأنها صيد جديد؟” تململ المُخبر في مكانه وضحك الصديقان بصوت عال نكاية به.

اقترب النادل عبد المنعم من مائدة عبد الكبير وسعيد وسألهما كالعادة: “قهوة زايدة حليب للسي(السيد) سعيد وأتاي(شاي) بالنعناع والشيبة(…) للسي(السيد) عبد الكبير؟ ” ابتسم الصديقان تعبيرا عن الموافقة، وانصرف النادل.

بعد لحظات لمح سعيد عبد الواحد وعبد القادر وحميدا في باب المقهى يهمون بالدخول، وناداهم عبد الكبير: ” شباب نحن هنا “، وبعد لحظات كان الجميع  يتجاذب أطراف الحديث حول البلدية والرئيس الجديد الذي علق عليه حميد: “مهما كان سي احمد اتحادي(عضو في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) قح وتطاوني(ابن مدينة تطوان) من أبناء المدينة ، خوفي من نائبه الأول والخامس”

تعليق حميد لم يرُق عبد القادر الذي أجاب: “الكفر ملة واحدة، ومهما حاول السي احمد من إصلاح، فإن الذي يُسيطر على الحزب والنقابة وأنفاس المناضلين هو النائب الأول محمد سباسو”

في هذه اللحظة التحق عبد اللطيف، وهو طالب في كلية الآداب بفاس، واستقر على المائدة مع المجموعة وقال بصوت خافت كأنه يُفشي سرا: ” ألم تسمعوا آخر الأخبار؟” أجاب البعض بالنفي وتظاهر البعض الآخر بالسؤال، واسترسل عبد اللطيف:

” الوضع خطير في الحسيمة وفي مراكش والبيضاء، ومظاهرات اليوم في بعض الثانويات ستنتقل شرارتها غدا إلى المدينة كلّها، والأمن في حالة تأهب، إنها الثورة يا أصدقاء”، ضحك البعض وعبر البعض الآخر بملامح ارتياب من الخبر، وعلق سعيد على عبد اللطيف ببعض السخرية:

” الثورة ؟ والضباب ماشي الثورة” ثم استرسل مصطنعا بعض الجدية “مهما كان أو يكن، فإن الوضع الاجتماعي محتقن، والأزمة خانقة، والمخزن(نظام الحكم) يواصل تقطير الشمع(ابتزاز) على هذا الشعب الضعيف، فماذا ينتظر؟ “

أجاب عبد الكبير بسرعة: “إنها انتفاضة الجائعين، وفي الشمال على الخصوص، وهو الذي ما فتئ المخزن ينتقم منه ردّا على مواقفه وعلى ثوراته منذ جمهورية عبدالكريم الخطابي وإلى انتفاضة 1958 التي انتهت بمذبحة رهيبة في حق شعب الريف الأعزل ” .

بين دهشة البعض وريبة البعض الآخر، علق عبد القادر من جديد وشدد على أن الاحتقان الاجتماعي سيعطي ردود فعل في الشارع، وأنه يتوجب على اليسار الجذري أن يستغلها وأن يقوم بدوره التاريخي في قيادتها، وقبل أن يُكمل كلامه ويستمر في شرحه المعهود للصراع الطبقي ودور البروليتاريا ووو…، قاطعه سعيد مازحا ومستفزا:

” عزيزي، أنا لا أريد شيئا من هذا وأفضل الأمن والنجاة، وبالمناسبة سأسافر غدا إلى الرباط لاجتياز الامتحانات الدورية وأترككم في بحركم وثورتكم وانتفاضاتكم”

لم يستسغ عبد الكبير جواب سعيد ونظر إليه بغضب، لكن عبد القادر سبقه في الرد:

” أنا مع سعيد، والأفضل أن تختبئوا، فلن تتأخر الشرطة في البحث عنكم يا معشر المشاغبين”

بدت على حميد علامات الامتعاض من رد محمد العربي وعلق ساخرا:

” يبدو أن عبد القادر يتخيل أنه في مأمن بعد أن أصبح ممثلا للشعب” ثم استرسل وهو ينظر إليه:

” لن تفلت ياعزيزي ولن يحميك انخراطك في اللعبة الانتخابية، فالمخزن(نظام الحكم) لايعترف بها وصنعها للتمويه فقط”

جواب حميد ونقده للمشاركة في اللعبة الانتخابية استفزا عبدالقادر، فأسرع بالجواب وعلامات الغضب بادية عليه، ونظر سعيد إلى عبد الكبير مومئا إليه بأن النقاش سيتحول إلى عراك وبأن المستفيد الوحيد هو المُخبر الجالس في المائدة المُجاورة، وبسرعة وقف عبد الكبير وتبعه سعيد، ودعوا الجميع للخروج إلى الشارع وممارسة هواية التطوانيين في المشي على جنبات شارع محمد الخامس من ساحة صانشي إلى ساحة الفدان.

فهم الجميع أنها دعوة لإنهاء الجدال وتلافي العراك، وانطلقت المجموعة تتبادل الضحكات بعد أن أدى كل واحد منهم حسابه.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد