- Advertisement -

- Advertisement -

الفصل السابع من رواية ” عيون المنفى ” لعبد الحميد البجوقي

العـاشـق

لم يشعر سعيد بمرور الوقت وهو يتابع حكايته لإيصابيل منغمسا في الذكريات متأثرا باللحظات. كانت بعض المشاهد من ذكرياته تستفز أحاسيسه وهو يسردها ويختلج صوته أثناء حكايته لها، وأحيانا تكاد تدمع عيناه.

في لحظة شعر سعيد بيدي إيصابيل الناعمتين تربّتان على كتفيه وبأنفاسها تقترب منه وبعبيرها المنعش يداعب أنفه، ونظر إليها في لحظة صمت مستفسرا إن كان أثقل عليها بقصته المُملة.

فهمت إيصابيل ما يُخالج سعيدا وأجابته بنظرات حنان، فشعر سعيد وكأنها تريد عناقه وسمعها تقول بصوت خافت:

“سعيد، لا تظن أنك أرهقتني بقصتك، إنها قصة مُؤثرة أريد أن أعرفها بكل التفاصيل، وأريدك أن تستمر في سرد أدق التفاصيل يا عزيزي”

أجاب سعيد أنه سيحتاج لأيام أو أسابيع ليحكي كل التفاصيل، وصارحها بأنه حتى الآن لم يُصدق بعد أنه في أمان، وبأنه ما زال يكره ظلام الليل ويخاف من النوم لأن الكابوس الذي كان سببا في جرح أنفه البارحة يزوره في نومه ويلاحقه.

نهضت إيصابيل من مكانها واقتربت من سعيد وأخذته من يديه غير آبهة بالزبناء، ونهض هو بدوره واقفا وانغمسا في عناق شعر معه سعيد وكأنه يطير في سماء زرقاء صافية، وبدأ يشعر بأنامل حبيبته تداعب شعره وأذنيه، وسمعها تُردد بصوت ملائكي خافت:

” سعيد لا تهتم، انتهى كل شيء، أنت الآن هنا في مدريد، وفي أمان وأمامك الحياة، كل الحياة”

لم يشعر سعيد إلا وهو يحتضن إيصابيل ويطوقها بذراعيه، وفي لحظات، التقى وجهاهما وبدأ يشعر بعبير أنفاسها وبرعشة في شفتيها، واقترب بهدوء يُقبل جفنيها وخديها، وبدأ يشعر بخفقان قلبها وبحرارة تنبعث من نهديها الملتصقين بصدره، وفي لحظات بدأ يداعب بشفتيه شفتيها الممتلئتين والمبللتين، وانغمسا في قُبلة امتزج فيها لساناهما، فشعر بلذة وقشعريرة تنتاب جسمه النحيف، وكانت إيصابيل ترتجف بمتعة وتتأوه مرددة: “أحبك ، أعشقك بكل جوارحي، أنا لك حبيبي”. رنت كلمات إيصابيل في أذن سعيد وفعلت فعل السحر، فأجابها ” أنت حياتي ، حياتي ، أحبك حياتي ، أنا عاشق ولهان مجنون فيك..”

لم ينتبها لحالهما ملتصقين هائمين ببعضهما إلا والنادل يسألهما ببعض الانزعاج:

“هل يمكن أن أنظف المائدة ؟هل ستنصرفان؟”

فهما أن حالهما بدأ يثير بعض الإزعاج، خصوصا وأنهما في مكان عام، فانفصلا بسرعة وبدت إيصابيل مرتبكة وخجولة وعلت وجنتيها حُمرة زادتها جمالا، وبعد أن أصرت أن تدفع هي الحساب، انصرفا يخترقان شارع بريسيادوسPreciados دون أن يعرفا ولا أن يسألا إلى أي وجهة يتوجهان.

اكتفت إيصابيل بالنظر إلى سعيد أحيانا، وبادلها سعيد نفس النظرات وأمسك بأصابعها بحذر، لكنها أمسكت بأنامله ثم وضعت يدها تحت ذراعه وانطلقا تائهين في شارع غرانبيا Gravia باتجاه ساحة لاسيبيليس  La Cibelesومنها إلى قوس النصر أو ما يعرف بباب ألكالاPuerta de Alcalá، ومنها اخترقا حديقة الريتيروRetiro وتاها، سعيدين صامتين بين أشجارها وبمُحاذاة بحيرتها، وسط خليط من أصوات الأطفال وبائعي الحلوى وغناء بعض الفرق الشعبية ومعارض الصور واللوحات على حافة طرقات الحديقة، لا يُباليان بما حولهما.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد