- Advertisement -

- Advertisement -

الفصل الثاني عشر من رواية ” عيون المنفى ” لعبد الحميد البجوقي

الجمعيـة

 كان آخر اجتماع يحضره سعيد في نقابة “اللجان النقابية” في شهر ديسمبر 1988، وذلك لانشغاله بالعمل في حانة لادهيصا La Dehesa لصاحبها خسوس Jesús ومحاولته متابعة الدراسة الجامعية في كلية العلوم السياسية أولا وبعدها في كلية الحقوق بجامعة كمبلوتنسي، كما أن علاقته بالنقابة كانت متوترة بسبب إلحاحه في تمثيل المهاجر بلجنة دعم العمال المهاجرين، وصمم على تأسيس جمعية المهاجرين المغاربة بإسبانيا إلى جانب صلاح ومصطفى ونجيب، ورغم خلافات سعيد الدائمة مع صلاح كان يحاول الحفاظ على العلاقة به ومجاراته إلى حين تأسيس الجمعية.

في صباح يوم بارد من شهر يناير، ومدريد مزهوة بأنوارها واحتفالاتها بالسنة الجديدة، التقى سعيد بفرناندو وصلاح في مقر جمعية أصدقاء اليونسكو، وأخبره صلاح بأن طالبا من تطوان يُسمى نجيبا، يتابع دراسته بجامعة مدريد المستقلة، يسأل عنه، وأنه مهتم كذلك بمشروع تأسيس جمعية للمغاربة بإسبانيا.

راقت الفكرة سعيدا واستعجل الدعوة إلى جمع عام بمقر جمعية أصدقاء اليونسكو. وافق صلاح على مضض واتفق مع سعيد على الاجتماع يوم الأحد الموالي، كما التزم فرناندو بمساعدتهما في صياغة قانون أساسي للجمعية، والإشراف على صياغة وتدوين تقرير الجمع العام، والمشاركة في مكتب الجمعية إذا تطلب الأمر ذلك.

كما توقع فرناندو، انفجر الصراع بين سعيد وصلاح أثناء الجمع العام، وغاب نجيب عن الاجتماع، وكان سعيد يشك في كون صلاح تعمد عدم إخباره لإفشال الجمع وقطع الطريق أمام طموح سعيد في ترأس الجمعية، خصوصا وأن صلاحا لا يتوفر على الإقامة القانونية للمشاركة رسميا في مكتب الجمعية، وبالمقابل كان سعيد يتوفر على إقامة قانونية كلاجئ سياسي وعلى جواز سفر خاص باللاجئين يسمح له بالانتقال إلى باريس وأمستردام والتنسيق مع جمعيات المغاربة في هذه الدول، والتي كانت سباقة في تأسيسها وتاريخها وحضورها بالدول الأوروبية. وانتهى الاجتماع بتأسيس لجنة تحضيرية للجمعية وبسعيد ناطقا رسميا لها مع تأجيل الحسم في تأسيسها القانوني إلى تاريخ لاحق.

غادر سعيد الاجتماع غاضبا برفقة فرناندو الذي كان يردد أثناء طريقهما إلى أقرب حانة في ساحة تيرسو دي مولينا:

“لم أكن أظن يا سعيد أن الموروس (المغاربة) بهذا الشكل، أنتم مثلنا، نحن اللاتينين، لا تملون من النزاع والصراع والخلاف لأتفه الأسباب”، ضحك سعيد بغضب ورد على فرناندو:

“ربما نحن أسوأ حالا منكم، وهذا سر تخلفنا وتخلفكم يا عزيزي”.

بعد أسبوعين من التأسيس المؤقت للجمعية أخبر سعيد صلاحا بأن جمعيات إسبانية، بعضها كنسية(تابعة للكنيسة)، وبعض النقابات تقترح مشاركة الجمعية الجديدة في مظاهرة بمدريد ضد قانون الأجانب، ولم يقتنع صلاح، بسهولة، بضرورة المشاركة واستغلال الفرصة للتعريف بالجمعية الجديدة، وحاول إقناع سعيد بعدم جدوى المساهمة، لكن سعيدا أصر على المشاركة.

انطلقت التظاهرة من ساحة إسبانياPlaza de España في اتجاه ساحة مونكلواPlaza de la Moncloa، وحضرها عدد كبير من اللاتينيين والمغاربة، وانخرط سعيد بحماس في تأطير التظاهرة وأعطى تصريحات للصحافة المرئية والمكتوبة، وكانت إيصابيل تساعده في المهمة بحيوية وإعجاب.

في صباح اليوم الموالي طلب سعيد إذنا من مشغله خيسوس للذهاب إلى مدريد والمشاركة في اجتماع اللجنة التحضيرية للجمعية، وكان الاجتماع عاصفا، حتى إن  صلاحا اتهم سعيدا بتجاوز مهامه وبالزعاماتية، وكان صلاح يصرخ في وجهه بغضب:

“أنت مغامر وتتصرف وكأنك زعيم”.

رد سعيد بغضب كذلك:

“وأنت مجنون ومعقد وأحمق، ولن يستقيم معك العمل الجمعوي” .

انتهى الاجتماع بانسحاب سعيد وإعلانه عن تجميد عضويته في اللجنة التحضيرية، وأسرّ، في طريق عودته إلى البيت، لإيصابيل بأنه سينسحب من هذه الجمعية وأنه لا يستطيع  العمل مع هذا المجنون. رغم محاولات إيصابيل تهدئته، ظل سعيد غاضبا ومصمما على القطع مع صلاح ومع من يأتي مع صلاح أو من لدن صلاح.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد