- Advertisement -

- Advertisement -

المداد الأحمر

“كل المصطلحات التي نستعملها اليوم في التعبير عن النزاعات “الحرب ضد الإرهاب” ، و مصطلحات من قبيل الحرية والديموقراطية، وحقوق الانسان، كلها تحمل ما تحمل من مضامين مكتوبة بالمداد الأزرق لأن المداد الأحمر تمت مصادرته أو منعه، كلها مصطلحات تشوِّشُ على فهمنا للأشياء بدل أن تساعدنا على فهمها

متابعتي لتدافع الأحداث في العالم، وتشابكها وتعقيداتها تُرهقني ، وترمي بي في متاهات التفكير عن حقيقة ما نتابع وما نسمع وما نرى من تحولات، أو ما يشبه تحولات لا تُفصحُ عن مكنونها ومسارها .

وفي غفلة من التفكير ومعاناة البحث عن شروحات لِما يجري في هذا العالم الذي أصبح صغيرا يتنفس أشكال متعددة من العنف المُبرمج، في غفلة من الرقابة الذاتية ومن سياقات القصف الاعلامي، أمسكتُ بمقال بالاسبانية عن الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، المقال يشرح بإسهاب طريقة سلافوي المثيرة في طرح القضايا الكبرى، واستعماله للسخرية والنكت في شرح إشكاليات فلسفية مُعقدة.

تذكرتُ حينها صديقي مصطفى الحداد الذي طالما أمتعنا بقراءاته عن سلافوي في جلسات شلة من الأصدقاء مهووسين مثلي بالأسئلة الحارقة التي غالبا ما كان الحديث بشأنها ينتهي بإحالات من السخرية لا تختلف كثيرا عن أسلوب المفكر والفيلسوف سلافوي جيجيك.

تذكرت تعليقات الصديق احمد الخمسي و أسئلة عبداللطيف البكوري وتعقيب أخي عبدالوهاب على قفشات مصطفى وهو يشرح بجدية لا تخلو من مرح قضايا فكرية كبرى من قبيل مفهوم السلطة عند روسو، أو مفهوم العقل عند هيغل..

في غفلتي هذه وجدتني أسترجع قراءات وروايات سمعتها من بعض زملائي من أوروبا الشرقية جمعتني بهم خمس سنوات من العمل في المجلس الأوروبي، أجمل هذه الروايات كانت من ألمانيا الشرقية قبل سقوط جدار برلين، وتحكي قصة مواطن حصل على عمل في سيبيريا ، وأثناء وداعه لأصدقائه وعدهم بالمراسلة، وبما أنه كان يعرف أن الرقابة السوفياتية تقرأ كل الرسائل قال لهم:

” إذا توصلتم برسالة مني مكتوبة بمداد أزرق فاعلموا أن ما أحكيه حقيقي، وإن كانت بمداد أحمر فاعلموا أن ما أحكيه ليس حقيقيا”

بعد شهر توصل الأصدقاء برسالة من صديقهم في سيبيريا بمداد أزرق يقول فيها ما يلي

” الحياة هنا جميلة، المتاجر مملوءة بكل المواد بما فيها الغربية ، والمنازل فاخرة ومريحة، والتسخين جيد والسينما تعرض أفلام متنوعة بما فيها الأمريكية، والحسناوات ينتظرن أول إشارة للإرتماء في أحضان الرجال، كل شيئ موجود إلا المداد الأحمر”

الرواية تطرح سؤالا يغوص في عمق ما نعيشه اليوم. ألا ننعمُ اليوم بكل الحريات، وفقط ينقصنا المداد الأحمر؟ نحس كما يقول جيجيك أننا أحرار لأننا نفتقد لغة التعبير عن غياب الحرية، على قياس غياب المداد الأحمر عند العامل الألماني بسيبريا.

العبرة أو الخلاصة أن كل المصطلحات التي نستعملها اليوم في التعبير عن النزاعات “الحرب ضد الإرهاب” ، و مصطلحات من قبيل الحرية والديموقراطية، وحقوق الانسان، كلها تحمل ما تحمل من مضامين مكتوبة بالمداد الأزرق لأن المداد الأحمر تمت مصادرته أو منعه، كلها مصطلحات تشوِّشُ على فهمنا للأشياء بدل أن تساعدنا على فهمها.

المطلوب اليوم وبإلحاح أن نعطي للمواطنين، ولكلِّ من له رغبة في البوح والتعبير، مدادا أحمر.

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد