- Advertisement -

- Advertisement -

الفصل السابع عشر من رواية ” عيون المنفى ” لعبد الحميد البجوقي

لاجئـة من السويـد

كان الجو ممطرا في مدريد، والمدينة تعج بالسيارات، وسعيد يشق طريقه نحو مقر الصليب الأحمر خارجا من محطة ميترو كواترو كمينوسCuatro Caminos (الطرق الأربعة)، كان سعيد على موعد مع الباحثة الاجتماعية ماروكساMaruxa المكلفة بملف لجوئه .كانت ماروكسا راهبة بلباس عصري في متوسط العمر، وجهها مدور وشعرها أشقر بدأ يغزوه بعض الشيب، وعلى عكس زميلاتها لا تضع كثيرا من الماكياج على وجهها الذي تعلوه حمرة شديدة. كانت الباحثة الاجتماعية لطيفة مع سعيد وغالبا ما تسايره في طلباته المتكررة والغريبة. مرة طلب منها أن تتدخل له لدى اللجنة العليا للاجئين للذهاب إلى أنغولا لمساعدة لاجئي الحرب، وأمام إلحاحه طلبت منه كتابة طلب في الموضوع وعدته بإرساله والتدخل في شأن قبوله، لكنها لم تفعل شيئا من ذلك وتركت للزمن أن يتصرف مع سعيد الذي غالبا ما يغير رأيه بعد مدة ويأتي بمشاريع أخرى من خياله الواسع. لكن ماروكسا كانت تُشجعه على متابعة الدراسة وتقول له: “سعيد سيكون لك مستقبل إن ثابرت في الدراسة كما تثابر في النضال”

وصل سعيد إلى مقر الصليب الأحمر قبل موعده مع ماروكسا، وجلس في قاعة الانتظار إلى جانب امرأة متوسطة السن شقراء عيناها زرقاوان وتلبس لباسا صيفيا رغم شدة البرد. أثاره هندام المرأة وظن أنها من دول أوروبا الشرقية. بعد لحظات من الانتظار سألته السيدة الشقراء عن إسمه وبلده، فأجابها بأنه من المغرب وسألها بدوره عن اسمها وبلدها، وكانت مفاجأته أن قالت: “سيسيلCesile  من السويد”.

استغرب سعيد وسألها، وهو يظن أنها في زيارة عمل، عن سبب زيارتها لمقر الللاجئين لترد عليه السويدية بإسبانية فيها لكنة: “أطلب اللجوء طبعا، وأنتظر دوري للمقابلة مع الباحثة الاجتماعية بشأن المساعدة”

صُعق سعيد من جواب المرأة السويدية وسألها ضاحكا: “لاجئة من السويد؟ وهل في السويد قمع وديكتاتورية حتى تهربين وتلجئين لبلد حديث العهد بالديموقراطية؟، لعلك تمزحين معي سيدتي”

بدا الغضب على وجه المرأة وردت عليه بنرفزة:

“الجميع هنا يضحك من حالي ولا أحد يُصدق أنني كذلك ضحية قمع من نوع آخر غير الذي تشكو منه أنت وأمثالك”

بسرعة ودهشة سألها سعيد:

“أي قمع هذا الذي اضطرك إلى الهروب من السويد وطلب اللجوء والحماية في إسبانيا إلى جانب الأفارقة والآسيويين واللاتنينيين؟”، فأجابته سيسيل بثقة وهدوء مثيرين:

“قمع الطبيعة في بلدي يا سيدي، أنامحرومة من حقي كإنسان في أشعة الشمس التي لا نراها في السويد إلا نادرا، وعلى الدول الديموقراطية التي تتوفر على قدر كاف من الشمس أن تتفهم طلبي”، ثم واصلت:

“عزيزي المغربي، تتعدد أشكال القمع والديكتاتورية، وتتعدد مصادرها، لكن محنتنا واحدة”

لم يتمالك سعيد نفسه من الضحك متفحصا المرأة التي بدت جادة ومقتنعة بمبررات قرارها، وقالت لسعيد مُبتسمة:

“أكيد أنك تتخيلني مجنونة، لكن المجانين الحقيقيين يتربعون على عروش السلطة السياسية وسلطة المال وسلطة الإعلام، وحتى سلطة تقدير من اللاجئ ومن المجنون، ومن الضحية ومن الجلاد، ويحرقون العالم، أما أنا فقط أحلم بالشمس وأطالب بحقي في استهلاكها والتمتع بها”

قبل أن تُكمل السيدة السويدية كلامها نادت عليها الباحثة المكلفة بملفها وقامت مُسرعة وهي تبتسم وتنظر إلي وكأنها تُشفق من حالي بدل أن أشفق من حالها، وتركت سعيدا يُفكر في عمق كلماتها حيث استفزه منطقها الذي يختلف عن منطقه، لكنه انتبه إلى أن السيدة استطاعت أن تضع في ذهنه أسئلة وجودية وحقوقية، وذكره كلامها بالرسام المبدع الكطلاني السوريالي دالي والفيلم الوثائقي عن حياته الذي بثته القناة الإسبانية الثانية يوم الأحد الفارط، ولم يكن دالي في بعض تصريحاته يختلف كثيرا عن ما كانت تُحاجج به المرأة السويدية .

بينما كان  سعيد يسبح بخياله ويتذكر تقاسيم وجه السويدية وهي تدافع عن قناعاتها بشراسة وبقوة غير آبهة بضحك الآخرين، خرجت ماروكسا بهدوئها المعهود وابتسامتها الحنون وربتت على كتف سعيد تدعوه إلى مكتبها.

قبل أن يجلس سعيد بادرته ماروكسا قائلة: “سعيد، أرى أنك قد قدمت طلب مساعدة لدى لجنة دعم اللاجئين، ويبدو أنك تنوي فتح مقهى بقرية موسطوليص، أليس كذلك؟” أجاب سعيد بالإيجاب، وقبل أن يهم بشرح الموضوع واصلت ماروكسا:

“لقد وافقت اللجنة على تقديم الدعم لمشروعك، وهي مبادرة جيدة لتستقل بنفسك، لكن حاول أن لا تنغمس في التجارة وتُهمل استكمال دراستك”

وعد سعيد ماروكسا بمواصلة الدراسة وشكرها على دعمها وانصرف فرحا ومُنشرحا بالخبر السار، وتوجه مباشرة إلى موصطوليص لاستكمال إجراءات كراء المقهى الذي قرر أن يُسميه طاسيطا دي بلاتاTacita de Plata “إبريق الفضة”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد