- Advertisement -

“سياسيون انتهت صلاحيتهم” الأمين بوخبزة (الفْقيهْ)

                                 الأمين بوخبزة (الفْقيهْ)

كما سبق أن أكدنا في الحلقات السابقة، نحنُ لا نروم من خلال هذه البورتريهات التنقيص من شأن الأشخاص، أو النيل منهم، أو التشهير بهم، بقدر مانحاول التعريف بشخصيات عمومية اختارت طواعية خوْض غِمار الشأن العام، وللمواطن الشمالي الحق في متابعة خطواتها، والاطلاع على تاريخها بما لها وما عليها، وبدون ماكياج. كما نحاول قدر المستطاع أن نتناول شخصيات طال بها الزمن في المشهد السياسي بغض النظر عن انتمائها الحزبي أو ولاءاتها السياسية.هدفنا أن يعرف المواطن الشمالي عن قرب “شخصيات” عمرت في مشهد السياسة بالشمال، واحترفت السياسة ، وبعضها أصبح عائقا أمام استكمال التطور المنشود نحو ديموقراطية حقيقية تُعيد لشباب المنطقة الأمل في غد أفضل.

من هذه الشخصيات المثيرة للجدل، والمنتهية صلاحيتها الجيلية والتدبيرية الفقيه الأمين بوخبزة، صاحبنا الذي كان من مؤسسي حزب العدالة والتنمية في تطوان من مواليد 1956، تشرّب بأدبيات الاخوان المسلمين من عمه الشيخ محمد الأمين بوخبزة، كان ولا يزال على علاقة بالحركة الدعوية “التوحيد والاصلاح” التي من خلالها التحق بحزب المصباح.

على عكس الشخصيات السابقة، صاحبنا لم يكن رحالة يتنقل بين الأحزاب، بل يعتبر من المتشددين في حزب المصباح، ومن صقوره الشرسة والمثيرة للجدل بتصريحاته النارية (شراسة لغوية وخطابية لاعلاقة لها بالفعل السياسي الحقيقي..).

الذين يعرفون الرجل من زملائه في التعليم، يؤكدون أن تكوينه العلمي ضعيف، واطلاعه خارج تخصصه ضعيف جدا، لكنه يتوفر على قدرات لابأس بها في التواصل مع البسطاء، ويتقن الخطابات الشعبوية القائمة على التحميس والتضليل مستعينا بلباسه الديني وبتجربته الطويلة كإمام بمسجد خندق الزربوح.

تروي مصادر مقربة من الرجل أن تأثيره في الخطابة والتواصل تعود بالأساس لحركاته وموهبته المسرحية قبل أن تتعلق بمضمون كلامه أو بنبرات صوته التي تتميز بحدة يُشبّهُها أغلب من سألناهم عنه ب”الماعِزية”، وكذلك عن استعماله المُفرط لمظاهر التقوى والايمان ودغدغة مشاعر الناس عبر استعراض “بطولاته” في دعم المحتاجين والمرضى، وحكاياته المُمِلة عن معجزات قرأ عنها أو عاشها.. تروي مصادرنا من زملائه في سلك التعليم أنه كان في التسعينيات من القرن الماضي لا يتوقف عن سرد بطولاته في دعم الجهاد بأفغانستان والشيشان والبوسنة، وعن الثقة التي كان يشمله بها مؤسس الحزب الدكتور الخطيب في مهام دعمه للجهاد بالمال والرجال، بعض الروايات التي نقلتها مصادرنا تبدو كاريكاتورية نذكر منها رواية لقائه بأحد الزملاء في جمع تضامني مع فلسطين، وكعادته كان “الفقيه المناضل” يجمع تبرعات للإخوان في فلسطين، وكان أمام كل ورقة نقدية يستلمها يردد بحركات بهلوانية ” سمحلي آلأستاذ، نفتش على فلوس فلسطين، كنخاف يتخلطولي مع دالبوسنة أو دالشيشان، الله يحفظ ما يتخلطو معا ديالي ونديو الدنوب”

الرجل الذي تمرس على خطاب شعبوي يقوم على الدين، وفي ملاحقة خصومه بتهم الفسق والانحلال والالحاد والعلمانية استطاع أن يجد له موطئ قدم في الساحة السياسية بسهولة مدعوما بداخلية البصري التي كانت ترى في خطابه وحشده للعامة دعما لها لتطويع جيوب اليسار الديموقراطي في الجامعات والمؤسسات التعليمية وفي عموم المجتمع، والتي كانت متهمة بالوقوف وراء انتفاضة 84.

” نانسي عجرم بوتا (عاهرة) ومهرجان “أصوات نسائية” فساد والواقفات عليه عاهرات، والمنتخبين في الجماعة الحضرية الذين صوتوا على دعم المهرجان ماليا خانوا الأمانة (يعني رفاقه في الحزب)” هكذا صرخ الفقيه بوخبزة في مهرجان خطابي في تطوان وهو يردد عبارات العيادُ بالله.

لكن الزمن كان أسرع من صاحبنا الذي حلّق من منبر مسجد خندق الزربوح إلى منبر البرلمان طائرا على اجنحة استغلال الدين في السياسة، ورفعت الممارسة السياسية الستار عن أسرار ونزوات وخيانة للأمانة لم يستغربها حتى بعض رفاقه في حزب المصباح الذين كانوا يعرفون أن الشعبوية المفرطة كانت من اليمين أو من اليسار تُخفي جشعا سياسيا سرعان ما تفضحه الممارسة، وأن غزوات صاحبنا اللغوية والخطابية لا علاقة لها بالتطرف ولا بالصقور، بقدر ما هي شجرة تُخفي الغابة.. وعن خيانة الأمانة التي كان يتهم بها صاحبنا خصومه وبعض رفاقه أورد احد المناضلين في حزبه لائحة خياناته التي انكشفت مع وصول حزب المصباح للحكومة، ونذكر منها:

أول خيانة للأمانة قام بها الفقيه بوخبزة كانت تعيين ابنته في منصب مُكلفة بالدراسات في ديوان الوزير محمد نجيب بوليف ( انظر يومية الأخبار ليوم 16 يوليوز 2013، “عمود شوف تشوف”)

ثاني خيانة للأمانة عندما ورّط بوخبزة زوجته في شيكات بدون رصيد سلمها الفقيه الذي لايفتأ ينهى عن الربا والأزلام لأحد المقاولين بقيمة 21 مليون سنتيم مقابل صفقة يختلط فيها البناء والبيع والمُناقلة، واتهمه المقاول المتضرر على اثرها في شكاية وضعها لدى النيابة العامة بتطوان بالتراجع عن عقد بيع وخيانة الأمانة، وعلى قياس المثل الشائع “كيف ما تدينُ، تُدان” بمعنى أنه اكتوى بتهمة “خيانة الأمانة” التي كان يوزعها يمينا وشمالا، وعلى ذلك علق أحد العارفين بأسراره ” الفقيه اللي ترجينا براكتون دخل للجامع ببلغتو”.

 توصلنا بسيل من الروايات كلها تحكي عن غزوات الرجل في تجييش المشاعر وشيطنة الخصوم، وأخرى عن تدبيره الجمعوي و”تفانيه” في نشر الرحمة والاهتمام بالأيتام وغيرها من اشكال الرشوة المُبطنة للمحتاجين مقابل وقود الأصوات الذي نقله إلى منابر الجماعة والبرلمان، حكايات تستحق أن تكون موضوع دراسات واطروحات جامعية ما أحوجنا إليها لفهم واقع سياستنا البئيسة والانتقال نحو تجديدها بسياسة تقوم على التعايش والانفتاح والتعدد والاعتدال.

لن تسعُنا المساحة لنقل التفاصيل، لكننا لم نقتصد في نقل صورة مصغرة لكائن سياسي اصبح عبئا على المشهد السياسي الوطني والشمالي، وحتى على حزب المصباح الذي تضرر من الصورة النمطية التي تعكسها على مستقبله كائنات من نمودج صاحبنا.. وتروي مصادرنا أن حربا طاحنة تدور بين الفقيه بوخبزة وإدعمار من اجل السيطرة على الحزب بتطوان، لكن نفس المصادر تؤكد أن صاحبنا فقد قوته داخل دوائر القرار المركزية بالحزب، وتتجه هذه الأخيرة لدعم إدعمار في الاستحقاقات الجماعية المقبلة.

  ومهما كان، يبقى صاحبنا من النمادج التي تضرّر منها المشهد السياسي الشمالي، وإن كانت رداءة الآخرين ترتبط بترحالهم وباستعمالهم للسياسة كوسيلة للإغتناء، يبقى صاحبنا الفْقيه بوخبزة نمودج للإبتدال السياسي والاستعمال السام للدين في السياسة، وتداعيات ذلك على استقرارنا وأمننا، تداعيات حتمية لاستعمال دين كل الناس في تأليب جزء من الناس على باقي الناس.. والتنيجة في كل الحالات تبقى واحدة، نتيجة تُنذر بموت الأمل، وبانتعاش التطرف الذي يهدد الأمن والاستقرار.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد