- Advertisement -

- Advertisement -

هكذا توفي ابني براء (4)

كان توضيح طبيبة الأطفال بالمستشفى الجهوي بتطوان كافيا و قاسيا في نفس الوقت، كقسوة السياسات العامة على المستضعفين و الفقراء تماما.. حاول بعض الأصدقاء بقطاع الصحة مشكورين تقديم كل المساعدات الممكنة، لكن كيف و الراديو معطل و العناية المركزة الخاصة بالأطفال غير موجودة.. أخبرت صديقا عزيزا على قلبي بما وقع بواسطة رسالة هاتفية، فكلمني بسرعة مستفسرا عن حال براء قبل أن يطلب مني حمله الى أي مصحة خاصة يمكنها انقاذه دون التفكير في الأمور المادية و المصاريف لأنه سيتكلف بذلك شخصيا.. حملتني المكالمة من قاع الآلام التي كانت تمزق قلبي وفشل مستشفى جهوي في تقديم أي اضافة تذكر لمساعدة براء و انقاذه، الى باب الأمل و رفع المعنويات ،فضلا عن الاحساس بأن الدنيا لا زالت بخير وأن مع العسر يسرا.

تحدثت الى طبيب صديق في الموضوع لينصحني بمصحة خاصة بتطوان نحمل اليها براء، و بعد تأكده من الحالة خاطبني أن الحل هو الرباط أو الدار البيضاء.. عاودت الاتصال بالأخ الصديق الذي لم أستأذنه في ذكر اسمه هنا وان قبل سأعمل على ذلك لاحقا ان شاء الله، فرد أنه سيبحث بعض الأمور و يتصل بي سريعا.. اتصلت بمقرب من العائلة يعمل بالسويسي بالرباط و أرسلت اليه ورقة التوجيه، فراح مسرعا نحو المستشفى هناك لكن الجواب كان دائما هو عدم وجود مكان شاغر بالعناية المركزة.. عاد الصديق ليتصل بي و يؤكد أنه نسق مع مصحة الشيخ زايد بالرباط، و أخذ موعدا على الساعة الحادية عشر من صباح الجمعة، و كل ما علي فعله هو تجهيز سيارة الاسعاف و الانطلاق.

قلت في نفسي ؛ الحمد لله، ربي كبير و هاهو باب قد فتح من حيث لا ندري. كانت الساعة تشير الى الواحدة ليلا عندما انتهيت من اجراءات ماراطونية والتنسيق لتوفير سيارة الاسعاف المجهزة التي ستقل براء الى الرباط.. ضبطنا موعدنا مع السائق على السادسة صباحا من يوم الجمعة الماضية ، وتذكرت أنه من الواجب علي العودة الى الفنيدق لأجمع بعض الأغراض و أحمل وثائقي ما دامت الرحلة مفتوحة على المجهول و لا يحددها تاريخ معين.

هاتفت صديق لأخبره ان كان في استطاعته أن يقلني الى الفنيدق و العودة من ثم الى تطوان، فحضر بعد عشر دقائق من المكالمة جزاه الله خيرا.. خاطبني أن السيارة كلها تحت تصرفي و هو كسائق كذلك، و يمكنه حملي الى أي جهة أريد دون حرج.

انطلقنا الى الفنيدق و خلال الرحلة ناقشنا موضوع براء،و قطاع الصحة العمومية فعاب علي عدم دخول زوجتي الى سبتة المحتلة لوضع مولودها، لأن المستشفى هناك يتكفل بكل شيء.. قال صديقي أنه في حالة براء مثلا، يتم تجهيز حوامة لتحمله الى اسبانيا لتلقي العلاج دون أن تفكر عائلته في أي شيء يذكر سوى توقيع بسيط لا يتطلب ثواني معدودة.. قلت (حتى حنا عندنا الهليكوبتير، ومعندناش السيروم فقسم الأطفال فين كاين المشكل …؟!! ياك الوردي راضي عليه بنكيران لأنه أصلح قطاع الصحة العمومي و حارب الفساد ).

عندما وصلنا تطوان كانت الساعة تشير الى الثانية و النصف صباحا و لم يتبقى الا القليل لموعد الانطلاق الى الرباط.. بعد الصلاة طلبت من الله أن يفعل ما فيه الخير تماما وقلت،(ياربي لا تمحنا و جميع المسلمين ،يا ربي خفف على عبدك براء الضعيف، واكتب لنا و له الخير حيث تعلم أنت بحكمتك يا الله ) حاولت الخلود الى النوم والراحة دون جدوى، قبل أن استقيظ حوالي الخامسة والتوجه مباشرة الى قسم الأطفال.

وصلت الباب و عندما رمقتني ممرضة من النافذة فوق أغلقتها، قبل أن ينزل الي المكلف بالأمن ويخاطبني (داك الوليد لي باغين تديوه للرباط ياك، توفى مسكين رحمه الله قبل الفجر بقليل).. قلت لا اله الا الله ، و لا حول و لاقوة الا بالله.. بكيت قليلا في صمت الى جانب نخلة بالمستشفى، ثم استجمعت أنفاسي وعدت الى منزل العائلة بتطوان في انتظار الصباح لأباشر اجراءات الدفن.. استلقيت على ظهري ورحت أفكر في الطريقة التي يمكنني بها ايصال الخبر الى والدته التي كانت تهاتفني من مستشفى الفنيدق على رأس كل ساعة.. أقفلت الهاتف بالمرة، وذهبت نحو مقهى قريب لآكل شيء ما، لأنني لم أذق طعاما منذ صباح الخميس سهوا و ليس عنوة.. تلقيت مكالمات من مسؤولين بالمستشفى وتقديم التعازي، وشرعت في أول اجراء عملي للدفن.   (يتبع)

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد