- Advertisement -

- Advertisement -

درس تونس..

شكلت الانتخابات التشريعية  الأخيرة في تونس نصراً واضحاً على الجماعات المصنفة محلياً وإقليمياً في خانة الحركات الإرهابية، وفي مقدمها جماعة «أنصار الشريعة» التي هددت بإفشال الانتخابات وكانت تُعد العدة لنسفها. وبذلك كانت  نسبة المشاركة التي تجاوزت ستين في المئة  لتؤكد أن التونسيين باتوا يثقون بأن صندوق الاقتراع هو الفيصل في اختيار من يحكمهم ، ورفضهم أي عنف أو انقلاب أياً كانت مسوغاته السياسية والأمنية . كما أثبتت الانتخابات أن الخيار الحداثي أصيل وراسخ في البيئة التونسية، بحكم الانفتاح التاريخي للمجتمع على الغرب والذي ساهم في ترسيخه النظام التعليمي بعد الاستقلال.

واللافت أن المؤسستين الأمنية والعسكرية لعبتا دوراً متميزا  في إنجاح المسارين الانتخابيين اللذين عرفتهما تونس بعد الثورة، وعبأت المؤسستان تواجدهما وانتشارهما  في أكبر عملية تواجد  عرفها البلد،  حيث وصلت التعبئة إلى درجة أعلى .

على المستوى  السياسي حلول أكبر حزب أصولي في تونس في الرتبة الثانية خلال الانتخابات الأخيرة ، مكن من وضع مؤشر فرملة تمدد الأصولية في السلطة ومواقع القرار ، لأن التجربة الانتقالية التونسية التي قادتها حركة «النهضة» مع حليفيها «التكتل» و»المؤتمر» تُقدم بوصفها أنموذجاً لقدرة الأحزاب الإسلامية المعتدلة في العالم العربي على المساهمة في بناء الديموقراطية. غير أن أداء الحكومتين اللتين شكلهما حزب «النهضة» كان على درجة من قلة الخبرة والمجازفة  ما جعل التونسيين يتنفسون الصعداء عندما أجبرت المعارضة الحكومة الثانية على الاستقالة في مطلع السنة الجارية. والثابت أن الأداء ذاك هو الذي يُفسر إعراض المقترعين عن منح أصواتهم لـ «النهضة». لفائدة  «نداء تونس» غريم الأصوليين في تونس .

الربيع الربيع وتراجع الأصوليات ؟:

يتزامن تراجع الأصوليين في تونس مع هزيمة عسكرية للجماعات المتشددة في ليبيا، المرتبطة بحركة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية حزب «العدالة والبناء»، والتي فقدت غالبية مواقعها في بنغازي. وسيضع المشهد التونسي الجديد الأصوليين الليبيين في  موقع التجادب بين تجربة الإخوان  في  تونس ومصر، إضافة إلى إحكام غلق الحدود الجزائرية مع ليبيا، ما يترك أمامهم مجالاً واحداً للتمدد في اتجاه النيجر ومالي. ويمكن القول إن نتائج  الانتخابات التونسية، سيكون له تأثيراته  على ما جرى ويجري  في مصر، ستجعل النظرية الأميركية، التي تبنتها أطراف اقليمية مختلفة سبق أن بشرت بها  طويلاً بإرساء منهج جديد في الحكم يقوم على تحالف الأصوليين والليبراليين، سيجعل هذه الرؤية لا تستند إلى أي أساس لتجسيدها في الواقع بحكم علاقة القوى الأصولية بالديموقراطية .

وعليه ، يمكن القول أيضاً إن الانتخابات التونسية أعادت التوازن إلى المشهد السياسي بعدما اعتمد حزب «النهضة» في الانتخابات السابقة خطة تقسيم التونسيين إلى مؤمنين وعلمانيين ، بعدما حشد الأصوات ووضع  في مركز متقدم على كل الأحزاب الأخرى وسوّغ له أن يتصرف بوصفه الماسك الوحيد بزمام الأمور .

الديمقراطية هي الحل :

ليس من السهل أن تترسخ مبادئ الديمقراطية في مجتمع تحرر بعد من قيود الديكتاتورية ..لكن في تونس الصعب يصبح ممكنا بإرادة شعب  وعزيمته عرف بانفتاحه وحبه للحياة والتقدم  أن يحصن مكتسبات الثورة بآليات وطرق تفاعلية مبهرة  .   

ديمقراطية تونس متميزة  في العالم العربي. هناك فرصة اكبر بان يكون للديمقراطية وجود حقيقي فعلي بعيدا عن أي تشويه ..ومهما كانت نتائج الاستحقاق الانتخابي فان الرابح الأكبر هو تونس لان الإقتراع  مرّ في هدوء بشهادة المراقبين وإجماع المتتبعين .  لذلك إذا كان للحرية ثمن باهظ دفعه جند الخضراء وبواسلها ومناضلي اليسار شكري بلعيد ومحمد البراهمي ، فان تنظيم هذه الحرية وعدم وقوعها في الفوضى له ثمن أغلى، وقيمة يجب صيانتها بكل الآليات والمكتسبات .

إن  تونس الآن  بمثابة الشعاع  المضيئ في ظلام عربي دامس..وهي المساحة المتفاعلة  في خارطة دموية تمتد من العراق إلى الجرائر ،.فبعد اربع سنوات حبلى بالأزمات منذ تفجر ما يسمى بـ « الربيع العربي» ، هاهي تونس تذيقنا رحيق هذا الربيع الحقيقي ..تفتح أبوابها للإختلاف وتؤسس لثقافة الإختلاف.

بهذا الإستحقاق قدّمت تونس درسا وبرهنت ان الديمقراطية يمكن ان تتحقق في العالم الثالث بسلاسة وبعيدا عن منطق الإقصاء والفوضى والقتل السائد في دول أخرى.. ربما  الحوادث التي مرت بها باقي الدول وتعثر تجاربها الانتقالية ووقوعها في وحول الاقتتال الداخلي ..دفع التونسيين للاستماع الى حكمة ابن خلدون  وإرادة أبي القاسم الشابي .

نداء تونس المنقذ من تغول النهضة :

حزب نداء تونس  الذي تأسس  في 2012 الذي يتزعمه الباجي القايد السبسي الذي شغل منصب وزير الدفاع والداخلية في عهد الرئيس الراحل لحبيب بورقيبة، ورئيسا للبرلمان في عهد الرئيس الهارب زين العابدين بن علي ، واستطاع توحيد خمسة أحزاب خرجت من رحم التجمع الدستوري المنحل  وضم كذلك يساريين ونقابيين، وهذا التحالف  الذي جمع بين تيارات متناقضة في حزب واحد أدت إلى وقوع عدة استقالات وانشقاقات في صفوفه ،لكن دون أن تؤثر في هيكله العام.

حقق حزب نداء تونس  انتصارا مفاجئا في الانتخابات البرلمانية في تونس، حيث استطاع حزب السبسي هزيمة حركة النهضة بفارق تجاوز 15 مقاعد، كما انهارت أحزاب الترويكا، حيث لم يحصل حزب الرئيس المرزوقي سوى على 4 مقاعد، أما حزب التكتل الذي يقوده رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر فلم يحصل سوى على مقعدين فقط، وبالمقابل حقق حزب الاتحاد الوطني الحر مفاجأة حين  حل ثالثا، أما الجبهة الشعبية التي تمثل تكتلا للأحزاب اليسارية الجدرية  والبعثية فحصلت على كتلة محترمة بنحو 12 مقعدا.

 نتائج الانتخابات البرلمانية من شأنها إحداث زلزال سياسي كبير في تونس وغيرها من الدول التي صعدت فيها حركات الإسلام السياسي للحكم ، كمثال حزب العدالة والتنمية المغربي الذي يقود الحكومة الحالية والذي تنتظره انتخابات جماعية شاقة وبرلمانية من المتوقع أن يفقد العديد من مقاعده مقابل حزب الأصالة والمعاصرة الذي لا يختلف عن نداء تونس سواء على مستوى خطابه السياسي وتركيبته التنظيمية .

ختم واعتراف:

 

ما قامت به حركة النهضة  في تونس غير مسبوق في العالم العربي حيث وطدت الحركة تجربة التوافق السياسي والمشاركة في ائتلاف يجمع الفرقاء ويؤسس لنهج جديد لم تعرفه الساحة العربية وتمثل استقالة الحكومة رغم أنها كانت تحت الضغط  سابقة لا تجرؤ عليها الحكومات العربية  الأخرى، لأن النهضة تصرفت  أن التوافق في ظل الدستور الجديد يقطع الطريق على  عودة الاستبداد والفساد الى غير رجعة وهذا مكسب متميز   أجمعت عليه الطبقة السياسية في تونس وحصنته  دستوريا للأجيال  المقبلة . 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد