غرف التجارة بين الاصلاح والتغيير أو الفساد والتدمير

  لقد بات موضوع الغرف المهنية كمؤسسات  دستورية غامضا مما جعل كل من يقترب منها يحس بصعوبة التعرف عليها ”كطابوهات” مغلقة ، وعلى هذا الأساس تم التوقيع بتاريخ 02 أبريل 2014 تحت الرئاسة الفعلية  للملك ،على اتفاقية إطار بين الحكومة  وجامعة غرف التجارة والصناعة والخدمات والتي تهدف إلى تحسين الإطار القانوني  ووضع مخططات تنمية لكل غرفة  على حدة  والتي سيتم تنفيذها في إطار برامج تعاقدية خلال الفترة الممتدة من سنة 2015  إلى غاية 2020 ، فالضريبة التي تلقتها  غرف التجارة  فبل انتخابات 2003 عبر إحداث المراكز الجهوية  للاستثمار  على يد ادريس  جطو   سليل الغرف التجارية أبقت الغرف  من حيث تمثيلها للقطاع التجاري خارج التيار،حيث تربع على سطح الشأن الاقتصادي الجمعيات المهنية كمنبر للتجار المؤطرين  من طرف بعض الأحزاب  السياسية وبعض التنظيمات النقابية، كما أصبح شأن القطاع الصناعي من اهتمامات الولاة  ومديرو المراكز الجهوية للاستثمار،الأمر الذي أدى إلى إقصاء وإلى حد ما مندوبيات وزارة التجارة والصناعة من الحسابات ، وبذلك أصبحت الغرف في موقع متفرج على انتهاكات احتصاصاتها وبقيت اجتماعاتها شبه صورية وانتظارية لمواسم الحصاد الانتخابي ،وبذلك أصبحت الغرف مشلولة، تنكر لها الجميع وأحبطت الكفاءات داخلها ،وفي هذا السياق جاء خطاب الملك لافتتاح الدورة الخريفية  أكتوبر 2003.

   ”…إننا عازمون فيما يخص الغرف المهنية على ترسيخ منظور جديد يجعل منها رافعة للاستثمار المنتج ،ينبذ التعامل معها كمطية انتخابية أو مصلحية وتمدها بنفس جديد يصحح اختلالات واقعها الحالي الذي لا يمكن الاستمرار فيه أو إعادة إنتاجه.”

   فمشروع إصلاح غرف التجارة يتوخى إعادة تموقع هذه المؤسسات وتمكينها من لعب دور المحرك في التنزيل المحلي للاستراتيجيات القطاعية وبرامج الدعم المقدمة من طرف  الوزارات الوصية والمنشط للبرامج والمشاريع التنموية على الصعيدين المحلي والجهوي.

  وبالرجوع إلى مسودة مشروع إصلاح هذه الهياكل والموقع بتاريخ 02 أبريل 2014 تحت رئاسة جلالة الملك ،بين الحكومة وجامعة غرف التجارة ،نجد أن النموذج المستهدف للإصلاح يتمحور حول خمسة محاور:

–         مشروع الجهوية وتجميع غرف التجارة والصناعة والخدمات:

ويهدف هذا المشروع إلى تجميع غرف التجارة في  12 غرفة جهوية ،مع الاحتفاظ بالغرف الأخرى المتبقية كتمثيليات على الصعيد المحلي وذلك لضمان خدمات القرب مع الاحتفاظ كذلك  بعدد المقاعد المخصصة لأعضاء الغرف حسب الأصناف.

–         وضع نظام للحكامة يتسم بالشفافية والفعالية

–          خدمات مستهدفة وموجهة لفائدة المنتسبين ومدرة للدخل

–         تنظيم إداري فعال

–         تموقع الجامعة كجهاز للدعم والتنسيق لفائدة الغرف

  أمام هذا الوضع ليس للغرف الأن وأمام هذه التحولات إلا أمرين إثنين لا ثالث لهما،إما الإصلاح  أو السقوط ، وعلى جيوب مقاومة هذا الإصلاح  أن تعي جيدا أن إرادة الإصلاح من إرادة الشعب وإرادة الشعب من إرادة الله وأن هذه الإرادة تبدأ من ألان .

   وقد تضمنت الرسالة الملكية الموجهة  إلى الوزير الأول إدريس جطو حول التدبير اللامتمركز للاستثمار نفس التوجه، حيث أكد جلالته على المضي قدما في رسم معالم خريطة الاصلاح  بقوله :

  ”يتعين إجراء دراسة معمقة للأسباب التي تخل بسير الغرف المهنية…”.

وبالرجوع إلى شق المنتخب، والنماذج التي تقدمت لشغل مناصب الرئاسة  ،فأغلبها كانت فاشلة ، فالكثيرون ممن عينوا في هذه الغرف يخدمون مصالحهم ويتهافتون على توظيف الغرف لذلك، كما أن تراجيديا المال لعب لعبته الدنيئة في إفساد التوجه الديمقراطي وإفساد مؤسسات دستورية لها صلة  بمجالات حيوية وتهم آلاف المواطنين.

  وإذا تم استحضار أهمية المشاركة  السياسية للأحزاب في انتخابات الغرف  على أنها كانت مؤشرا إيجابيا على اهتمامها بالشأن المهني ،فإن شبه  غيابها  عن المشاركة والحضور لأشغال المناظرة  الثالثة  لا يعكس هذا الاهتمام ،حيث لم يتجاوز عدد الحضور  منها عدد أصابع اليد الواحدة ،فهذا يؤشر لعدم تواجد الغرف المهنية في أجندة التزامات الأحزاب السياسية بالمغرب.

   إن غرف التجارة  والصناعة والخدمات حتى ألان ،تجاوزت سن الرشد التاريخي، ورغم ذلك ما زالت بين حالات المد والجزر تعاقبت عليها أجيالا مختلفة  منهم من قضى في كنفها ومنهم من فارقها بائسا ، ومنهم من لا زال يحمل مشعل التغيير، كما أن سياسات السلطات الحكومية المتعاقبة هي الأخرى منها من حاولت تعزيز موقعها بغيرة وطنية تطمح لترسيخ دورها الاقتصادي والاجتماعي ، ومنها من رسخ تهميشها وجعلها لا تساهم إلا في إتلاف المال العام ، ومنهم من اعتبرها أجهزة لتنصيب الأعيان والوجهاء المحليين مقابل ولائهم لها ودعمهم لمبادراتها ولو كانت ضد مصالح منتسبيهم.

   قد أن الأوان لكل من يريد أن ينخرط في المشروع الإصلاحي أن يعتبر أن المسؤولية تقع عليه وأنه لا يمكن أن ينتظر كل شيء من الدولة  فالمجتمع المغربي حسب  عبد الله العروي لم يصل بعد إلى عهد المجتمع السياسي الذي تتوفر فيه مقومات الحداثة.

   إن شروط الحكامة الجيدة تقتضي ركوب قطار الإصلاح في جو من الشفافية والوضوح لرسم السياسات العمومية ،فمقاييس حسن التدبير  يجب مراعاتها  من جانب الدولة كأول جهاز يعتبر المثال للكل  لضمان الترشيد اللازم للأموال التي يدفعها الملزمون من أجل تشييد صرح دقيق بمؤسسات حقيقية للدولة ،وأن تغييب العناصر الأساسية في البناء الموسمي والاعتماد على ازدواجية التوجه  الذي يجعل الدولة دائما برأسين تستخدمهما كواجهتين  سياسية واقتصادية.

إن شعار الجهوية  الموسعة يقتضي الحسم أولا وأخيرا في حجم الغرف التجارية لتسيير دوالبها الاقتصادية والاجتماعية لذا وجب وضع اختيار دقيق  في وجود أو عدم وجود غرف كبنيات  موروثة مع العمل في حالة اختيار بقائها دمج كل ما يدخل في اختصاصها والوقوف الحازم والدعوة لانخراط الخبرات والكفاءات.

إن تعزيز تنافسية الغرف المهنية لمغرب الجهات يجب أن يكون بخصوصيات مغربية صرفة تتلاءم مع التحولات والمتغيرات التي يعرفها المجتمع المحلي بأقصى سرعة مناسبة ومواكبة للدولة الاقتصادية المتجددة عالميا وفقا للتوجهات التي تتبلور في اتجاه ترسيخ جهوية متقدمة وموسعة.

ورفعا لكل يأس نستعير مقولة الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله في خراب أكادير : ”لئن حكمت الأقدار بخراب الغرف، فإن بناءها يبقى موكول لإرادة الجميع”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد