center

“خوان غويتيصولو” ينتصر للمهاجرين والفقراء أثناء تسلمه جائزة سيربانطيس

نص الكلمة التي ألقاها “خوان غويتيصولو” بمناسبة تسليمه جائزة “سرفانتيس” :

ينقسم الكُتاب إلى مقامين أو طبقتين: طبقة من يعتبر مهمته كحرفة، وطبقة من يعيشها كإدمان. من يوجد منهما في الطبقة الأولى يعتني برقيه الشخصي ومنظوريته الإعلامية وطموحه إلى النجاح. أما من يوجد في الثانية فليس كذلك. إنجازه الشخصي يكفيه. فإذا وفر له الإدمان، كما يحدث أحيانا، ربحا ماديا انتقل من مقام المدمن إلى مقام المهرب أو بائع المتلاشيات. سأسمي من يوجد في القسم الأول أدباء، ومن يوجد في القسم الثاني كتابا أو متعلمي كتابة، لا شفاء لهم منها، إذا شئنا التواضع.

في بداية مساري الطويل، كأديب أولا، ثم كمتعلم كتابة ارتكبت ذنب الغرور بحثا عن النجاح – جذب الأضواء أو « التحول إلى نبأ » كما يقول طفيليو الأدب ببذاءة – دون أن أتوقف عن إدراك ما عبّر عنه بجلاء مانويل أثانيا من أنّ الراهن العابر شيء وشيء آخر مختلف هو الحداثة اللازمنية للآثار الأدبية المقدر لها البقاء رغم النبذ والإقصاء الذي عانته عند كتابتها. شيخوخة الجديد تتكرر على امتداد الزمن وهي تحمل وهم يناعتها الذابلة، وحلاوة غواية الشهرة ستصير بائسة ما لم تغد سخيفة فقط. أما العمل الأدبي الحقيقي، الغريب عن كل تلاعب وعن مسرح الدمى، فليست به عجلة: بإمكانه أن ينام عقودا من الزمن مثل «الوصية » La Regenta، أو طيلة قرون مثل « الناضرة الأندلسية» La Lozona Andaluza . إن الذين كثفوا الصمت حول كاتبنا الأول واعتبروه نكرة فيما كان يعيش إلى حين نشر « الكيخوطي » ما كان لهم أن يتخيلوا أن الزخم التوليدي لروايته سيبقى بعد زوالهم وسيبلغ بعدا لا تحده حدود ولا عصور. يقول فرناندو بيسوا: « أحمل في ذاتي الوعي بالهزيمة كبيرق انتصار» وذلك ما يتلاءم تماما مع وضعه. أن أكون موضع مدح وثناء من طرف المؤسسة الأدبية يجعلني أشك في ذاتي، وأن أصير شخصا غير مرغوب فيه في نظرها ينعش مجددا سلوكي وعملي. إنني أشعر، من صعيد سني المتقدم، أن قبول العرفان هو أشبه بضربة سيف في الماء، أو كاحتفاء لا جدوى منه.

إن وضعيتي التي غنمتها بصعوبة جمة كرجل حر تدعوني إلى التواضع. والنظر من الهامش إلى المركز أكثر حصافة ونفاذا من العكس. وعندما أستحضر لائحة أساتذتي الذين حكم عليهم بالنفي والصمت من طرف حراس المعتقد القومي – الكاثوليكي فإنه لا يمكنني إلا أن أتذكر بكآبة حقيقة انتقاداتهم ونبلهم المثالي. إن النور يبزغ من تحت الأرض دون أن يكون متوقعا. وكما قال داماسو ألونسو عن غونغورا الذي تم تجاهله في إبانه: من تُرى يستطيع أن يكون معترضا مع ذلك.

لقد دفعتني حيطتي الغريزية من كل القوميات ومن هوياتها التميمية، العاجزة عن مراعاة غنى وتنوع محتوياتها، إلى احتضان الهوية السربانطيسية التي تبناها كارلوس فوينطيس كطوق نجاة. إنني أتعرف على نفسي فيها بالكامل. أن تحذو حذو سيربانطيس معناه أن تغامر بولوج أرض المجهول القلقة، والرأسُ مغطى بخوذة – طست حلاق هشة. يساعدنا الشك في المسلمات والحقائق المزعومة كقبضة يد على النأي بأنفسنا عن المعضلة التي تترقبنا بين الانضباط والاصطفاف المفروض قسرا من طرف الأصولية التقنو- علمية في عالم العولمة لهذا اليوم، ورد الفعل العنيف والمتوقع للهويات الدينية والإيديولوجية التي تشعر بأن معتقداتها وهوياتها مهددة.

center

عوض الإصرار في التنقيب، بواسطة رادارات جيولوجية وصور حرارية بالأشعة تحت الحمراء، عن عظام سيربانطيس البائسة التي أقبرت سنة 1616 في كنـيسة – ديـر «الـتثليثيين» Trinitarios بقلب مدريد، حتى العثور عليها: أما كان الأجدى كشف المراحل الغامضة من حياته بعد افتدائه الصعب من ]سجنه [ بالجزائر وإخراجها للعلن؟ كم عدد قراء « الكيخوطي » الذين يعرفون ما عاناه من ضيق وبؤس، ومن رغبة ممنوعة للهجرة إلى أمريكا، ومن مشاريع تجارية فاشلة، ومن مقام في سجن إشبيلية بسبب الديون، ومن صعوبة التأقلم في حي « الراسطرو » سيئ السمعة ببلد الوليد مع زوجته وابنته وشقيقته وحفيدته سنة 1605، سنة صدور القسم الأول من روايته، أي في الهوامش الأكثر اختلاطا وانحدارا في المجتمع؟

منذ زمن معين، كرست صفحات لما سمي « وثائق سيربانطيس التي لا زالت غميسة إلى يومنا هذا» للقسيس كريسطوبال بيريث باسطور التي طبعت سنة 1902، حيث توخيت من ذلك، كما قلت، أن « تسود الحقيقة وتتلاشى العتمات». إنه عمل أدهشتني قراءته، لكن، ورغم براهينه الموثوقة والتحقيقات الأخرى المتأخرة، إلا أن الحقيقة لم تفرض نفسها سوى على بعض المتخصصين، و لا تزال العتمات قائمة بعد مرور أكثر من قرن. أجل، تتوالى المحاضرات، وحفلات التكريم، واالاحتفاءات، وغير ذلك من الفعاليات التي تعمل على تسمين البيروقراطية الرسمية وملء بطونها البارزة، إلا أن القلة القليلة هي من تبذل أقصى جهودها لاستحضار مساره المسرحي الموتور، والسنوات العديدة التي قال عنها في مقدمة « الكيخوطي » « كنت أنام في صمت النسيان »: ذلك « الشاعر الكبير الذي حلت به الشيخوخة» وينتظر صامتا مصادقة مشرع غير معصوم من الخطأ هو عامة الناس.

بلوغ الشيخوخة معناه فحص فراغ حيواتنا و أوهامها، وهي « خراء المجد اللذيذ » الذي تحدث عنه غابرييل غارثيا ماركث وهو يصف معارك الكولونيل أوريليانو بوينديا غير المجدية، وصبر مصارعي ماكوندو. إن الحديقة الغناء التي تجري فيها حياة القلة لا يجب أن تصرف انتباهنا عن حظوظ الأكثرية في عالم يتواصل فيه تقدم التكنولوجيات الحديثة الهائل جنبا إلى جنب تكاثر الحروب والصراعات القاتلة واتساع المحيط اللامتناهي للمظالم والفقر المدقع والجوع.

إن مهمة الفرسان الجوالين، كما يقول الكيخوطي، هي « هداية العور، والسعي لإغاثة البؤساء»، وأتصور نبيل لامانشا على صهوة الروسينانطي وهو يتصدى والرمح في صدر الدرع لأعوان الأخوية المقدسة الجديدة الذين يعمدون إلى طرد اليائسين من مساكنهم، ولمرتشي وفاسدي الهندسة المالية، أو يمضي عبر نفق مضيق جبل طارق للوقوف عند سياجات سبتة ومليلية التي يتخيلها قصورا مسحورة ذوات جسور متحركة وأبراجا ذات شرفات مسننة لإنقاذ مهاجرين جريمتهم الوحيدة هي غريزة حب الحياة والشوق إلى الحرية.
أجل، سيكون من الصعب، بالنسبة لبطل سيربانطيس وكذا لقرائه الذين مستهم نعماء روايته، الاستسلام لوجود عالم يشكو البطالة والفساد وانعدام الاستقرار وتنامي الفروق الاجتماعية والنفي الوظيفي للشبان كما نعيشه في الوقت الراهن. إذا كان ذلك جنونا، فلنتقبله. وسيجد سانتشو الطيب دوما مثلا للدفاع عنه.

إن المشهد الذي نجده قاب قوسين منا معتم: أزمة اقتصادية، وأزمة سياسية، وأزمة اجتماعية. وحسب الإحصائيات المتوفرة لدي فإن أكثر من 20% من أطفال إسبانيا يعيشون اليوم تحت عتبة الفقر، وهو رقم أقل عموما من مستوى البطالة. أسباب السخط كثيرة، والكاتب لا يستطيع تجاهلها دون أن يكون خائنا لنفسه. لا يتعلق الأمر بوضع القلم في خدمة قضية مهما كانت عادلة، وإنما بزرع خميرة احتجاجها في مضمار الكتابة. إن وضع الحبكة الروائية في قالب أشكال مكرورة إلى حد التخمة ليدين العمل الأدبي بعدم التلاؤم. ومرة أخرى، وفي مفترق الطرق هذا، يدلنا سيربانطيس على السبيل. إن وعيه بالزمن « المفترس للأشياء والمستهلك لها » الذي يتحدث عنه في الفصل التاسع من القسم الأول من كتابه قد استحثه على التقدم واستعمال الأنواع الأدبية السائدة في عهده كمادة للتدمير ولتشييد سرد السرود الهائل الذي ينبسط إلى ما لا نهاية. وكما قلت قبل سنين عديدة فإن جنون ألونسو كيخانو الذي دوخته قراءاته يتحول إلى عدوى تصيب خالقه الذي جن بقدرات الأدب. العودة إلى سيربانطيس وتحمل جنون بطله كشكل سام من أشكال الحكمة: ذلك هو الدرس الذي يلقننا إياه « الكيخوطي ». وحين نقوم بذلك فنحن لا نهرب من الواقع الجائر الذي يلتف حولنا، بل نضع، خلافا لذلك، أقدامنا فيه. فلنقل بصوت عال إننا نستطيع، وأننا، نحن الذين أخصبهم كاتبنا الأول، لن نستسلم للظلم أبدا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد