“شمال بوست” تحاور الروائي المغربي البشير الدامون

يعتبر الروائي البشير الدامون من مدينة تطوان أن تجربته بسيطة نبعت من رغبة البوح والتحرر مما يثقل نفسه، أو كما كتب بعض النقاد هي محاولة لا شعورية للشفاء مما طبع حياته… التقت به ” شمال بوست” بتطوان، وكان هذا الحوار:
* ** أظن أن مرضي مزمن كمرض التخلف في مجتمعنا، بحيث أنني كتبت الرواية الثانية “أرض المدامع” ولم أتطهر ولم أشف، فكتبت بعدها “هديل سيدة حرة” وما زلت أحس كما  كنت، بل بنظرة طفيفة لواقعنا العربي سيكون الداء قد استفحل.
**رواية “هديل سيدة حرة”  تستلهم مادتها الحكائية من التاريخ .لكنها وككل رواية تاريخية ليس هدفها إعادة كتابة التاريخ كما يقال

* هل يمكن لك باختصار أن تحدث قراء ” شمال بوست”عن تجربتك الروائية ؟

** تجربتي الروائية تجربة بسيطة نبعت من رغبة البوح والتحرر مما يثقل نفسي، وربما هي كما أشار بعض النقاد محاولة لا شعورية للشفاء مما طبع حياتي ويطبع حياتنا. إن إنسان المجتمع المتخلف لا بد وأن يحمل حمولات مجتمعه التي تترك عادة تأثيرها السيئ عليه. لهذا قد تكون تجربتي نبعت مما خلفه ويخلفه هذا الحمل على نفسي.
أتذكر أنني حين التقيت لأول مرة مع مديرة دار الآداب بادرتني بسؤال:
– هل شفيت مما تحمل بعدما كتبت رواية سرير الأسرار؟
وأظن أن مرضي مزمن كمرض التخلف في مجتمعنا، بحيث أنني كتبت الرواية الثانية “أرض المدامع” ولم أتطهر ولم أشف، فكتبت بعدها “هديل سيدة حرة” وما زلت أحس كما  كنت، بل بنظرة طفيفة لواقعنا العربي سيكون الداء قد استفحل.

* كيف تختار عناوين رواياتك” سرير الأسرار”، “أرض المدامع” ؟

** إن اختيار العناوين بالنسبة لي مهمة صعبة. فهو يبدأ منذ بداية طرح فكرة الرواية في ذهني، ويظل يسايرني كظلي عبر مراحل كتابة وبناء وتوليف المادة الروائية. وقد ألجأ لاستشارة أصدقاء تفضلوا بالاطلاع على مخطوطتي. وتبقى فكرة اختيار العنوان بالنسبة لي  بمثابة البحث عن عتبة للنص. عتبة قد تغري بالدخول إلى النص للبحث عن مكنوناته وقد تلخص في كلمة أو جملة ما الذي يرغب الكاتب في حكيه.
سرير الأسرار:
تشمل مجموعة حكايات تعيشها أو تشاهدها الساردة  وتتأملها، وهي حكايات عن  بعض أسرار وطابوهات حياتنا الاجتماعية والنفسية، ولهذا ارتأيت أن أجمعها تحت عنوان سرير للأسرار
أرض المدامع:
رواية أرض المدامع تشمل روايتين في رواية واحدة،  يجمعهما حلم السارد والساردة بالتغيير وبغد أفضل، ويتداخل حلم ثالث بينهما من تاريخنا القديم، عهد الأميرة أورانيا والملك بطليموس. كل شخصيات الرواية يجمعها الحلم و البحث عن كنز خفي. فلا يحصدون سوى “المدامع”. عنوان أرض المدامع يحمل دلالتين، الأولى واقعية و تتمثل في وجود أواني زجاجية صغيرة تملأ بالدموع في حالة الحزن الكبير في عهد الرومان وهي معروضة بالمتحف الإتنوغرافي في تطوان، والثانية دلالة رمزية لما عاشه  مجتمعنا في المغرب من أحلام للخروج من التخلف ومن الانتكاسات التي عرفتها هذه الأحلام.

* تعرف مدينة تطوان في السنوات الأخيرة صدور عدد من الأعمال الروائية والقصصية، كروائي ، مارأيك في هذه الأعمال؟

** لقد عاد لتطوان ألقها الفكري والإبداعي الذي اتسمت به من قبل وخاصة في بداية القرن العشرين. إنها مدينة عبرتها حضارات إنسانية مختلفة… رومان، وندال، فينيقيون، يهود، أمازيغ،  كما عرفت حضارة عربية وإسلامية وأندلسية وإسبانية. مدينة تملك هذا التاريخ الإنساني العريق كفيلة بأن تكون بتاريخها و أناسها مادة للسرد الأدبي ، كما أن أحوالها الاقتصادية والاجتماعية في الوقت الحاضر حيث يتعايش الفقر والغنى، تتعايش الثقافة و الجهل، وما يترتب عن هذه التقاطعات، من علاقات اجتماعية و إنسانية مرتبكة وسقيمة كفيلة بأن توحي للكتاب بمادة حكائية متميزة. مدينة تطوان منجم للمادة الحكائية وعلى الروائيين والقصاصين أن يسبروا أغوارها.

معظم الأعمال الصادرة في السنوات الأخيرة في مدينة تطوان هي أعمال جديرة بالقراءة و في مستوى فني أدبي لائق.إنها أعمال لمبدعين حقيقيين يحملون هم الإبداع، ومسئولية تحمل مشاقه. العديد من الأعمال الصادرة بالمدينة زودتني بقيمة إبداعية مضافة سواء على المستوى الفني أو الأدبي أومستوى المتعة والدهشة والمعرفة.

* هل يمكن الحديث في المغرب عن أزمة قراءة، أم أزمة كتابة؟

** أظن أننا نعيش في المغرب أزمة قراءة، وأزمة كتابة أعمال راقية.
على مستوى الكتابة فإننا ما زلنا نطمح إلى قراءة أعمال راقية إبداعا وفكرا. نحن نتوخى أن نجد كتابات لا تحمل سردا فقط بل تحمل رؤية و فكر وأسئلة جديرة بأن تترك بصماتها على المتلقي، و لم لا تغيير وإغناء فكره وذهنه؟..بعض الكتاب قد يكونون يتسرعون في الكتابة والنشر.
لا أنكر أنه في المغرب نقرأ بعض الأعمال الإبداعية الراقية، سواء في الرواية أو القصص القصيرة و القصيرة جدا. وإنني لأجد بعض الروايات المغربية أعمالا تضاهي وبصدق أعمال كتاب عالميين كبار، و لا سبيل إلى ذكر أسماء المبدعين حتى لا يقال أنني أمارس دعاية لكاتب ما. و أحيانا أجد بعض الروايات  المغربية ولو هي قليلة أمتع من روايات عالمية بالغ الإعلام الغربي والعربي  في النفخ فيها.

أما عن أزمة القراءة، فإنها مرتبطة بشكل مباشر مع مدى حالة التقدم والتخلف لدى الشعوب. فكما هو معروف نسبة القراءة مرتفعة جدا في البلدان المتقدمة ومنخفضة جدا في البلدان المتخلفة وطبعا منها البلدان العربية. إننا أمام مشكل كبير لا تستطيع المحاولات الفردية إيجاد حل له.
القراءة بجميع مستوياتها، سواء أدبية أوعلمية أوفكرية والثقافة كمنظومة تبقى مسؤولية الحكومات و الأنظمة الحاكمة، لأنها مشروع لا يعطي ثماره إلا على المدى البعيد على غرار المشروعات الكبرى التي تهدف إلى بناء الدول و الأمم. العديد من دول العالم الثالث في أمريكا اللاتينية و آسيا رغم فقرها صارت تخطط لبناء مجتمع قارئ و قد أفلحت في ذلك.

*  وما رأيك في المواكبة النقدية للكتابات الروائية والقصصية والشعرية؟

** لا أ جد المواكبة النقدية للكتابات الروائية كافية للتعريف بالإبداع المغربي. المواكبة النقدية للكتابات الروائية و القصصية والشعرية تبقى ضرورية للتعريف بالإبداع وكذا -وهذا الأهم – بتوجيه المبدع وجعله يدرك قدراته. إن دراسة نقدية موضوعية تجعل الكاتب مدركا لقيمة ما يبدعه وكذلك تساهم في توجيهه حتى يبدع نصا بقيمة فنية أجمل.
وأظن أن المواكبة النقدية للإبداع المغربي تظل غير قادرة على نشر الثقافة وخلق مجتمع قارئ، هذا المجتمع  الذي يجب أن يكون الهدف الأسمى لكل محاولة للخروج من التخلف، و تبقى هنا المسؤولية على عاتق كل الفعاليات المكونة للمجتمع و أجهزة سلطة الدولة، وبالخصوص الهيئات المسؤولة عن  التعليم والإعلام.

*  علمت”شمال بوست” أن البشير الدامون، انتهى من كتابة رواية ” الست الحرة”، هلا حدثتنا عن هذه الرواية، وهل يمكن اعتبار ها رواية تاريخية؟ هل هناك أعمال روائية أخرى جديدة للبشير الدامون؟

رواية السيدة الحرة هي رواية تحكي عن أميرة استثنائية في التاريخ  العربي و الإسلامي، تولت الحكم على مدينة تطوان إلى غاية جزيرة بادس بشمال المغرب بعد وفاة زوجها المنظري.
فترة حكمها كانت في بداية القرن السادس عشر حيث كانت الصراعات على أشدها بين القوى الكبرى آنذاك اسبانيا والبرتغال و الأتراك وغيرهم للسيطرة على العالم ،إلى جانب صراع دامي مرير على الحكم بين الوطاسيين والسعديين في المغرب.
كان قدر  هذه السيدة  وهي ابنة الأمير مولاي علي  الرشيد  الأمير المجاهد مؤسس مدينة شفشاون وزوجة  الأمير المنظري المجاهد الذي أعاد بناء مدينة تطوان أن تحكم منطقة تطوان و نواحيها إلى حدود جزيرة بادس جاهدة أن تحمي منطقتها وأهلها من تكالب القوى المتصارعة لاحتلالها، وهكذا واجهت الإسبان و البرتغال بعد ما توفي زوجها و أصبحت حاكمة المنطقة. وإلى جانب  المقاومة الحربية  كانت تقدم على عقد اتفاقيات تجارية وتبادل الأسرى  مع أعدائها. لكن أهلها الذين عانت من أجل حمايتهم انقلبوا عليها وأرغموها بمعية صهر لها بالتخلي عن الحكم ومغادرة مدينة تطوان وهي  لا تحمل معها إلا ما تلبسه من ملابس. كما أن أزواجها الثلاثة ماتوا كلهم ضحية الحرب والصراعات.
حسب الرواية فالسيدة الحرة عاشت حياة مأساوية لكونها كانت تواجه حربا فرضت على أهلها حيث أنها كانت مطالبة بأن تَقْتُل حتى لا تُقْتَلَ هي وأهلها.
مأساتها كانت تتفاقم حين تكون متوجهة للحرب والجهاد فتخاطبها أمها الأميرة زهرة وهي قشتالية مسيحية أسلمت:
– كيف تخرجين لقتال وقتل أبناء أخوالك وخالاتك الإسبان.
إن حياة الحرب التي فرضها عليها اختلاف الدين والهوية والصراع من أجل السيطرة و الحكم جعلت من حياتها مأساة فرضها عليها غرور الإنسان و خبثه وغباؤه ، مما جعلها  تقضي حياتها تطارد حمامة بيضاء وعدتها جدتها من أبيها بأنها ستلتقي بها يوما لنشر الحب والسلام بين البشر وبين معتنقي المذاهب والديانات المختلفة.
جدتها كانت تعدها بأن حمامة السلام هذه ستظهر للعيان وتنثر حبها على الإنسان مادام ناموس الحياة يحدث بذلك.
رواية “هديل سيدة حرة”  تستلهم مادتها الحكائية من التاريخ .لكنها وككل رواية تاريخية ليس هدفها إعادة كتابة التاريخ كما يقال ، فذلك عمل التأريخ وليس الأدب. إن الرواية صياغة لوقائع تاريخية يلعب الخيال دورا في إعادة صياغتها حتى يحس المتلقي عند قراءتها بأنها حلم يقظة جميل يهديه متعة وفائدة ورؤية.
إنها كتابة تمتح مادتها الحكائية من الماضي، في محاولة لاستشراف المستقبل ولزرع “الحلم بإنسان سام” .  كتبتها لأقول كم  من أرواح وحضارات دمرتها الحروب بأسباب واهية منها الانتماء والهوية والغباء، وأنه آن للإنسان أن يدخل مرحلة “الإنسان السامي” و ينشر القيم الإنسانية السمحاء على الأرض التي وهبها له الله ليحيا عليها متقبلا اختلاف الآخر معه، وذلك ما جاهدت من أجله السيدة الحرة في بداية القرن السادس عشر.

حاليا إنني بصدد وضع اللمسات الأخيرة عن رواية تحكي نضال أم من أجل الهجرة من البادية لإلحاق ابنتها بالمدرسة. رواية تجمع بين واقعنا وأساطيرنا لتحكي عن معاناة المرأة في البادية، وهي رواية مهداة إلى روح أمي، وإلى كل الأمهات اللواتي يجاهدن من أجل تربية أبنائهن تربية لائقة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد