“الطحين”و”البلطجية”

“الطحين”، كان وسيزال، ثقافة “المافيا” و”اللوبيات القذرة” التي توظف كل الأشكال من أجل الدفاع عن مصالحها، التي هي في العمق، مصالح اقتصادية، في سياق زواج كاثوليكي بين السلطة والمال.

وصول المافيات، ونفوذ اللوبيات القذرة في المؤسسات العمومية وخارجها، يبيح كل المحظورات، الدموية والسلمية على حد سواء، والهدف دائما “المال”. بل إن تاريخ الناس، حافل بالتصفيات الجسدية، وبكل صنوف التعذيب البشعة، والإقصاء، والبتر، والاستئصال، في كل لحظة تهددت فيها مصالح تلك المافيات، واللوبيات الفاسدة، معتوهي عقدة الاضطهاد وجنون العظمة، شعارها العريض مكتوب بمداد الدم والكراهة : “افعل ما شئت ولا تقترب من قوت وروح المافيا”.

ثم إن تجارب المافيا، وصور الأب الروحي لها، شديدة الذيوع في زمننا المعاصر، استلهمت الأحزاب كما الجماعات صورها البشعة لأنها تلبي كل الغرائز النازعة إلى متعة القتل، ولذة الانتقام، ونشوة الكراهية، وحلاوة الحقد، بما يحقق التوازن في صراع مرير منذ الأزل، بين أرواح الخير والشر.

نعم “الأب الروحي، الآمر “بالطحين” ، ليس بالضروري، أن يولد رأسماليا طفيليا أو ليبراليا متوحشا، أوبملعقة العسل في فمه، أو أن يكون وريثا لسلالات المافيا، أو عمدة مدينة، أو زعيما أبديا لحزب إداري أو لشرعية تاريخية. يكفي أن يكون كلبا ضامرا سعاره إلى حين، أو قارئا متربصا للنماذج، متفرجا وفيا لأفلام الرعب والحركة والعنف، قادرا على فعل كل شيء غير إسعاد الناس. “وعلى طحن الجميع ليتفرغ لطحن نفسه بنفسه”.

كم إذن، من الطاقات، والعقول ضاعت فيها المجتمعات بسبب ثقافة “الطحين”؟ كم من الانتهازيين والوصوليين والجهلة، سادوا وعاثوا فسادا بفعل عقلية “الطحين” بمباركة من نظام أبله؟ وكم من المؤسسات، أهدرت الشعوب تاريخا بكامله، وارتبطت كل أحلامها و”طوباها” بها وثيقا، ألهبتها نيران “الطحين” ؟ بل كم هي تكلفة “الطاحونات” في تقارير الأخيرة للشفافية؟ وفي تقارير المسؤلين عن تراب الدول؟ وكم؟؟…وكم؟؟…

لا، ليس خاطئا من يجزم أن “الطحين” هو الذي يفرز “النخبة النتنة رغما عن الأنوف”! أوحتى يشتتها متى انتهت مرحلتها ، وأن “الطحين” هو الذي يجعل “الأب الروحي” يتأبط إلى الأبد جمعية أو حزبا، وأنه يصنع جاها ومنصبا، وأنه يخلق تُبَعاً يتجرعون من أموال الشعب نخبا فنخبا، أو يسكن خطيبا أميا مقاما رفيعا رحبا..ليبقى أشد الطحين ألما ووقعا، “طحين” ذوي القربى، وإن شئت قلت لئام من تحسبهم ذوي القربى”، فأن تجتمع مع الناس على مائدة”حلم وردي”، وأن تقتسم معهم رغيفا وملحا، ولفافات، وفناجين، وأنخابا حتى، أو أن ترتلا في المصلى معهم بشكل منتظم أحزابا، وأن تهدر معهم مسافات من حياتك، وتركب معهم المغامرة والحلم والطوبى، فتستفيق على من يريد أن “يطحنك”، على من يلتاع ليسحب منك هويتك لنفسه، وأن ينعتك “بالمذمن العابث” أو “بالفوضوي الساذج” أو “بالشاذ المفتون” أو “بالمتصوف المعتوه” أو “بالنقابي المرتشي” أو “الحزبي القاصر” أو “بمن أعطاه الله” الفول” و”الأسنان”… ليسوغ لنفسه سرقة أفكارك، وليقترب من الآمر بالصرف و”بالطحين”.

وهو على يقين بأن الأب الروحي الجديد، والعمدة القادم سواء أكان من دار المخزن، أو من بيت الحكمة يردد عنه:

ارم لكلب العظــم

يسيــلو ريوكو ولعابــــــو

زيدليه طرف دلحم يبيـــع عرضو وصحابــــو

بين ليه الدرهــم ينسى أهلو و حبابـــو

يقول، يصور ملاك، افهم اعطي لمداحك أتعابو

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد