center

الغرب، والحرب ضد الدولة المزعومة؟

” فوضى الكلمات تعكس حالة التيهان التي يعيشها الغرب إزاء تنامي عنف الارهاب في عواصمه ” بهذه الجملة استهل الصحافي الاسباني لويس باسيطLuis Basset  عموده في جريدة الباييس الاسبانية ليوم الخميس 19 نونبر أيام بعد الأعمال الارهابية في باريس. وأنا أتابع تعليقات الباحثين والمختصين والمفكرين على صفحات الصحف الغربية والقنوات الأوروبية بدا لي واضحا أن حالة من الصدمة تعُمُّ المجتمعات الغربية ، منذ تفجيرات 11شتنبر في نيويورك، مرورا بتفجيرات مدريد ولندن إلى بيروت وباريس وباماكو وتونس..الغرب يعيش على وقع الصدمة والغموض والشعور باللاأمن وبالخصوص على وقع أسئلة “لماذا؟” وهل نحن/هم في حرب؟ هل العالم في حالة حرب ضد المسلمين؟ أو هي حرب ضد فاشية جديدة جدورها دينية؟ هل يمثل الاسلام التهديد الشمولي الذي يواجهه عالم القرن 21؟ هل نحن في زمن دين بلا ثقافة؟ انسياقا مع أطروحة أوليفييه رُويْOlivier Roy  في كتابه “الجهل المقدسLa sainte ignorance “

هي أسئلة كثيرة يرددها الغرب يوميا على لسان السياسي والباحث والصحافي..وترمي بأغلبهم  في متاهات البحث عن أجوبة تحاول تفسير أسباب العنف الذي انتقل من الشرق البعيد إلى عقر الغرب القوي.

center

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند سلّم بأن فرنسا تواجه حربا انتقلت إلى حدودها من الشرق، والاعلام الغربي يسمي العدو بالدولة الاسلامية، والجيوش الغربية نزلت إلى شوارعها لمواجهة عدو توجد قيادته العليا على بعد آلاف الكيلومترات .لكن السؤال الذي يؤرق ضحايا العنف والحرب المفترضة يستمر دون جواب مُقنٍع. هل هي دولة تلك التي اختارها الغرب عدوّا لإعلان حربه عليها؟ هل هي اسلامية؟ هل القضاء على الدولة المزعومة سيعني نهاية الحرب والعنف والتفجير والدبح وووو؟هل يكفي القصف الجوي الذي يحصد المدنيين في سورية والعراق للقضاء على مصدر الارهاب الذي يضرب شوارع باريس وبروكسيل..؟

الواضح أن النقاش يعود مرة أخرى وبقوة التفجيرات إلى مُربع “حرب الحضارات”. والتحليلات الصحفية والتلفزيونية في الاعلام الغربي تُعيد الحياة لأطروحة هنتغتون وفوكوجاما. ويبدو أن الدولة الإسلامية المزعومة أو المصنوعة، نجحت في معركتها الاعلامية على الغرب وعلى الشعوب المقهورة في الشرق وفي افريقيا وآسيا، نجحت في دفع الغرب إلى الاستسلام بتسميتها دولة خلافة تزعمُ تمثيل مسلمي العالم، أي 1600 مليون مسلم، تكاد تنجح الدولة المزعومة، ويكادُ ينجح الغرب في تثبيت ثنائية كاذبة لحرب تقوم رحاها بين الغرب والاسلام، أو على الأقل هذا ما يترسخ في ذهن العامة من المجتمعات الغربية التي تعيش على وقع  الصدمة واكتشاف أن الحرب في سوريا والعراق وافريقيا غير بعيدة عنها، وأن جيوشها القوية التي مسحت أنظمة ودول من الخريطة، غير قادرة على حمايتها ، وأن شظايا الحرب البعيدة تصل إلى عقر أحياءها  وشوارعها “الآمنة”،  حربا أدت بدولة ديموقراطية عريقة مثل فرنسا إلى تعديل دستورها وتمديد سلطاتها على حساب الحريات الأساسية لمواطنيها.

نجحت الجماعات المتطرفة في اختراق الطوق الأمني الذي كان يفصل شمال المتوسط عن جنوبه بتجنيدها مقاتلين من داخل الدول الغربية مستفيدة من العولمة الدينية التي جلبت تسريعا وتعميما للظواهر المرافقة لها. ومن نتائج الاختلاط والتثاقف القائم على الهيمنة وسيادة ثقافة الغالب على ثقافة المغلوب التمرد والمواجهة تماما كما كان الأمر مع الاستعمار. يقول أوليفييه رويْ في كتابه ـ الجهل المقدس ـ ” نتائج العولمة، مثل نتائج الاستعمار، تتجاوز بكثير إشكاليات السلطة والاستلاب..” و إذا كان من  نتائج العولمة الاقتصادية تعميق الفوارق الطبقية وارتفاع عدد الفقراء في الدول الفقيرة، فمن نتائج العولمة الدينية فصل الدين عن الثقافة وليس العكس، على اعتبار أن جدور الأديان كانت دائما ثقافية متعددة المصادر والروافد، كمايتساءل محمد نور الدين أفاية  في مقالة نُشرت في سلسلة فكر ونقد، 1997 ” إذا كانت الحضارات في نظر بروديل، تحمل في داخلها عناصر الاستعباد والتبرم واحتقار الآخر،فهل ذلك يرجع إلى اعتبارات المصلحة والسيطرة والتبادل الثقافي، بمختلف مستوياته، أم أن العامل الديني، بوصفه حقلا لإنتاج وإعادة إنتاج “الدوغما” هو الذي يِؤجج مشاعر الكراهية والحقد؟”

من هذه العناصر التدخل الأمريكي في العراق ودوره في تقويض التعايش بين الثقافات الذي تعزز في الغرب باستقرار المهاجرين من دول ومجتمعات إسلامية ، ويحيله أوليفييه رويْ إلى ما أحدثه الغزو الأمريكي للعراق من انقلاب الدين على الثقافة، وانحسار الهوية المتعددة المصادر والروافد لصالح هويات دينية مغلقة أو “سطاندر” مُعدة للتصدير نحو سوق عالمية مفتوحة عبر تكنلوجيا التواصل، ومدعمة من جهات تراهن على إعادة ترتيب خريطة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا. الواقع اليوم أن قوى جديدة وعوامل جيوسياسية برزت بعد غزو العراق جعلت من المتوسط بركانا قابل للإنفجار بتداعيات تهدد عمق الغرب الأوروبي، ولم تعد الأسلحة التقليدية وحدها من تتحكم في تدبير الانفجار بعد أن برز جيل جديد من الأسلحة يعتمد على تجنيد البشر بأحزمة ناسفة من داخل السياجات والحدود التي تفنن الغرب في بناءها خلال النصف الثاني من القرن الماضي. هي الأسطورة اليونانية من جديد وعودة حصان طروادة الذي بدأت المجتمعات الأوروبية تراه في المسلمين من أبنائها، ولم تعد تفصل هي الأخرى الثقافة عن الدين، وتقوقعت في حمى الرعب ورد الفعل في مقاربة فصل الدين عن الثقافة.ليس تشاؤما أن نستشعر اليوم خطر مواجهة تحكمها ولاءات ومصالح اقتصادية ، لكن أطراف النزاع أرادتها بلبوس دينية.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد