حوار مع البجوقي : قياديون اتحاديون سهلوا لائحة مناضلي اليسار للأجهزة الامنية.. همي أن أجعل من المنفى موضوع نقاش..

عبد الحميد البجوقي
عبد الحميد البجوقي

 

  – همي أن أجعل من المنفى موضوع نقاش..

  – قرار المغادرة تحكمت فيه أسباب لم تكن لها علاقة فقط بالخوف من بطش النظام، بل كان للصراع داخل الاتحاد الاشتراكي..

  – بعض القياديين في الحزب الذي كنت أنتمي إليه بتطوان سهل لائحة بأسماء مناضلي اليسار الذي كان يُعرف آنذاك بخط رفاق الشهداء للأجهزة الأمنية..
* هل يمكن لك أن تحدثنا عن تفاصيل هروبك الأول من المغرب، بعيدا عن عيون الأجهزة الأمنية المغربية؟
** علمت بانتفاضة يناير 84 وأنا أهيئ امتحانات نصف السنة في العاصمة الرباط،كنت حينها طالبا بكلية الحقوق ، كما علمت حينها أن قوات الأمن داهمت منزل الوالدة في تطوان وزارت منازل عائلتي بحثا عني، وغادرتُ بعدها الرباط بحثا عن مكان آمن في انتظار استطلاع المزيد من الأخبار والتفكير فيما عساني أن أفعل، وقضيت ما يزيد عن الشهر متنقلا بين سلا أولا ثم البيضاء وأسفي ، إلى أن قررت المغادرة في شهر فبراير من 84، بعد أن تأكد لي أن المتابعة قائمة في حقي رغم أنني لم أكن أثناء الانتفاضة في تطوان، وأن الأمر يتعلق باستغلال ما جرى للتخلص من النشطاء السياسيين ومناضلي اليسار الاتحادي آنذاك. كانت عيون الأجهزة في كل مكان، ولم يكن من السهل تنسيق عملية المغادرة عبر الحدود البرية دون مخاطر سواء علي أو على الذين ساعدوني في الوصول إلى الضفة الأخرى، لكن الحظ حالفنا واستطعت المغادرة عبر قارب صغير امتطيته في أحد صباحات فبراير 1984. كان هدفي أن أصل إلى اسبانيا والمكوث فيها مدة من الزمن في انتظار الأحكام متمنيا أن لا تتجاوز بعض السنوات مقررا في حالة ما كان الأمر كذلك العودة لقضائها في المغرب، لكن صدور الأحكام التي قاربت في مجملها 3000 سنة وكان نصيبي منها 30 سنة سجنا غيابيا عجل بقراري طلب اللجوء السياسي والاستقرار في مدريد.
كانت الشهور الأولى في مدريد صعبة، كان جحيما لا يطاق رغم أنني حضيت بدعم بعض أفراد العائلة وبعض الأصدقاء الإسبان، وكان علي أن أحسم أمري في الاستقرار أو العودة أو المغادرة إلى بلد أوروبي آخر، وبعد توصلي بخبر صدور الأحكام حاولت الاتصال ببعض القياديين في الحزب طلبا لشهادة تثبت انتمائي للحزب ونسخة من الحكم الذي صدر في حقي والتي طلبتها مني مفوضية اللاجئين لتعزيز طلبي كلاجئ سياسي، وكانت صدمتي الثانية أن الأطراف التي اتصلت بها نصحتني بالعدول عن طلب اللجوء والعودة إلى الوطن وتسليم نفسي للقضاء واستئناف الحكم، ووعدوني بتنصيب محامي للدفاع عني.. ومن مفارقات الزمن أن مناضلا من الحزب الشيوعي اللبناني التقيته في قسم مساعدة اللاجئين بالصليب الأحمر وحكيت له قصتي مدّني بعد يومين بشهادة من الحزب الشيوعي اللبناني ، كما تمكن بعض الأصدقاء في تطوان الحصول على نسخة من الحكم أرسلها لي إلى مدريد عبر مدينة سبتة.. على كل حال مرارة العلاقة والتواصل مع الرفاق كاتب أحيانا أشدُّ من مرارة الاغتراب والتشرد.
* هل كان هذا الهروب ضروريا وإجباريا، أم كانت هناك اختيارات أخرى، في فترة كان المغرب يحتاج فيها إلى نضالات حقيقية من داخله، ولماذا لم تتخذ قرارا بالمكوث بالمغرب كما اتخذه بعض المناضلين من مجايليك الذين زج بهم في السجون؟.
** قرار المغادرة تحكمت فيه أسباب لم تكن لها علاقة فقط بالخوف من بطش النظام، بل كان للصراع داخل الاتحاد الاشتراكي كذلك دور في اتخاذ قرارالمغادرة الذي لم يكن سهلا واتخدته كغيري من اللاجئين بألم ومرارة، شعوري حينها بغياب دعم من طرف القيادة الحزبية، وأعني بها قيادة التيار الذي كنت أناضل في صفوفه، من جانب والخوف من القيادة التي كنا نسميها آنذاك بالاصلاحية ومن تعامل بعض عناصرها في الشمال وتطوان بالخصوص مع الأجهزة وتعاونها معها في رصدنا بهدف التخلص منا دورا كبيرا في الشعور بمواجهة مصير مخيف دون تغطية ولو معنوية،كما علمنا حينها أن بعض القياديين في الحزب الذي كنت أنتمي إليه بتطوان سهل لائحة بأسماء مناضلي اليسار الذي كان يُعرف آنذاك بخط رفاق الشهداء للأجهزة الأمنية قصد التخلص منا، وبالتالي لم يكن أمامي سوى البحث عن طريقة للمغادرة مستغلا انتمائي لمنطقة حدودية خبرتها في طفولتي . وكان عوني وسندي الوحيد عائلتي الصغيرة(اخواني وأخواتي) وصديق لن أنسى خيره ما حييت.
* من خلال رحلتك الطويلة وغيابك عن بلدك المغرب، ما هي المكتسبات النضالية التي حققتموها جراء إقامتك بالمهجر؟
** تأخرت ما يزيد عن خمسة أشهر لأضع طلبي باللجوء أمام مفوضية اللاجئين بمدريد، أملا في أن تكون الأحكام مخففة والعودة إلى المغرب، لكن صدور الأحكام التي كانت قاسية جعلتني أحسم بالاستمرار في اسبانيا ولم يكن بدا من طلب اللجوء السياسي، رغم أنني لم أشعر يوما من 16 سنة التي قضيتها في المنفى بالاستقرار. وكان أن نواصل نشاطنا الحقوقي والسياسي في اسبانيا وبعدها في أورووبا دائما في علاقة بالمغرب وبنضالات الشعب المغربي في الداخل، كان شعورنا أننا ملزمون بدعم هذه النضالات والانخراط في التعريف بواقع الحريات في المغرب والدفاع عن المهاجرين المغاربة المقيمين في اسبانيا، وحققنا العديد من المكاسب منها فضح خروقات النظام المغربي آنذاك لحقوق الإنسان ودعم المعتقلين السياسيين وفضح المعتقلات السرية من قلعة مكونة وتزمامارت وغيرها، ولم تنقطع محاولاتنا للتنسيق مع بعض القيادات اليسارية والمنظمات الحقوقية في الداخل والخارج، وساهمنا بشكل قوي في تأسيس إطار للمعارضين المغاربة في أوروبا كان يضم في بدايته كل من المناضل عبدالمومن الديوري والمناضل ابراهام السرفاتي وعبدالسلام الغازي وغيرهم ، ولاحقا وبعد تعثر هذا المشروع انتهينا إلى تأسيس ما عرف آنذاك بحركة الاشتراكيين الديموقراطيين المغاربة، وحاولنا من خلاله المشاركة في النقاش الذي كان قائما عن وحدة اليسار الديموقراطي والذي انتهى آنذاك بتأسيس اليسار الموحد، ونظمنا لقاءات ومشاورات في الخارج حضرته أطراف من المغرب كان آخره بقرطبة سنة 1999 .
على مستوى الهجرة ساهمنا في تأسيس جمعيات كانت فاعلة في الدفاع عن المهاجرين المغاربة باسبانيا ومنها جمعية العمال والمهاجرين المغاربة باسبانيا، والتي توسعت بشكل لافت في التسعينيات من القرن الماضي وكان لها دور كبير في تحقيق مكاسب لصالح المهاجرين بشكل عام ، كما ساهمنا في تنسيق وتشبيك العمل بين الجمعيات الديموقراطية في أوروبا والحضور بشكل وازن في المنتديات الدولية المتعلقة بالهجرة وحقوق الانسان، وشاركت شخصيا في مبادرات حقوقية متميزة أذكر منها اللجنة الدولية لمراقبة حقوق الانسان في شياباس سنة 1998 ، وكنت المغربي الوحيد الذي كان يشارك في الوفد الذي سمح له بزيارة منطقة النزاع في المكسيك واللقاء بأطرافه من الدولة الفدرالية والمؤيدين لانتفاضة شياباس الشهيرة..
على مستوى آخر انخرطت بشكل نشيط في النقابة الاشتراكية الاسبانية وتحملت مسؤولية تنسيق قسم الهجرة بالنقابة وطنيا وأتاحت لي التجربة الدفاع عن قضايا تهم الشعب المغربي والتعريف بواقع حقوق الانسان في المغرب ، كما كان الامر بعد تعييني ممثلا لإسبانيا في اللجنة الأوروبية لمحاربة العنصرية واللاتسامح التابعة للمجلس الأوروبي، وكذلك الدور المميز الذي قمنا به في تأسيس منبر المنظمات غير الحكومية في المتوسط الذي تحملت فيه مسؤولية الكتابة العامة لمدة سنتين قبل مغادرته .. وأخرى لا يسع المجال لحصرها..
* ما الفرق في نظركم كحقوقي أولا ثم كأديب بين المهجر والمنفى اصطلاحا ومعنى؟.
** تقديري أن الفرق يكمن في ذات الكاتب المنفي المُبعد قسرا عن وطنه و المهاجر المُبتعِد ربما اضطرارا لكن بعد تفكير وتحديد لوجهة رحلته. أسباب المغادرة في تقديري وظروفها، لها دور في تصنيف هذا الأدب وإبراز اختلافه عن ما عُرف بأدب المهجر. فكرة المنفى وعلى عكس المهجر تشدد دائما على غياب الوطن وعلى النسيج الثقافي الذي يشكل الذات الفردية في علاقتها بالذات الجمعية سواء الأصلية أو المُضيفة، ويعيش المنفي تمزقا لاإراديا مفروضا لا ينتهي بعودته إلى مكانه الأصلي. أدب المنفى يختلف حتما عن أدب المهجر في كونه يكرس شعورا لدى المنفي بحالة من الانشطار بين الحنين الهوسي إلى المكان الأول، وعدم القدرة على العودة إليه، ويقول الباحث العراقي عبد الله ابراهيم أن هذا الوضع ينتج إحساسا بالشقاء لا يدركه إلا المنفيون الذين فارقوا أوطانهم ومكثوا طويلا مبعدين عنها، فاقتلعوا من جذورهم الأصلية وأخفقوا في مد جذورهم في الأمكنة البديلة، وغالبا ما يُخيم على المنفي حس تراجيدي لمصيره وشعور مستمر بالتمزق والتصدع والحنين إلى المكان الأول.
المنفى على عكس المهجر ليس مكانا غريبا فحسب، إنما هو مكان يتعذر فيه ممارسة الانتماء، وأدب المنفى يختلف عن أدب المهجر اختلافا واضحا كون الأخير حبس نفسه في الدلالة الجغرافية، فيما انفتح الأول على سائر القضايا المتصلة بموقع المنفى في المكان الذي استقر فيه دون أن تغيب عنه قضايا العالم الذي اضطر لمغادرته. تقديري أن هذه العناصر تكفي على الأقل لتنشيط جدل ثقافي حول وجود هذا الجنس الأدبي من عدمه،وحول محتوياته الدلالية. كما أن سياقات ميلاد هذا الجنس من الأدب في المغرب تختلف عن التي يتحدث عنها ادوارد سعيد وعبدالرحمن منيف وعبدالله ابراهيم وغيرهم من الادباء المنفيين، سياقات تختلف باختلاف اسباب النفي وبمسبباتها دون أن تؤثر على نتائجها، وأدعو بالمناسبة الباحثين والنقاد المغاربة للخوض في هذا الموضوع بما يستحق من التحليل والدراسة.
مقتطف من الحوار المنشور بجريدة المساء
مقتطف من الحوار المنشور بجريدة المساء
* كيف انتقلتم من مجال حقوقي إلى مجال إبداعي، وما هو سر اهتمامك بالأدب؟.
** لا أدري إن كان الأمر يتعلق بالانتقال من مجال إلى مجال، أو أن هناك سرٌّ ما في توجهي نحو الكتابة والسرد، بكل صراحة أعتقد أنني اخترت، وربما بدون وعي التعبير عن نفس الهموم والدفاع عن نفس القضايا الحقوقية المتعلقة بالهوية وبالحرية وبالاختلاف والتعايش وحرية المعتقد والمساواة من خلال السرد والرواية، ربما كانت الكتابة كذلك ملاذا للبوح والتنفيس والتعبير بمزيد من الجرأة وبعيدا عن اكراهات وفرامل الخطاب الحقوقي والسياسي.الواقع أنني خُضت التجربة بتهيُّب وحذر بقدر ما استمتعت بها وقررت بعد تردد نشر روايتي الأولى دون التفكير في أن الأمر يتعلق بأدب منفى ،أو أنني بصدد المشاركة في تشكُّل جنس أدبي ، أو أن رواياتي ستجد هذا التجاوب وستخلق هذا الجدل.
* صدر لكم روايتين هما “عيون المنفى” و”عبسليمو النصراني”، لماذا تعمدت اختيار نفس الموضوع في كلا الروايتين، بسياقهما التاريخي وتركيبهما الروائي على مستوى الدلالة والحبكة، وكأننا نقرأ رواية واحدة في جزأين، فيما أنه كان من الممكن حسب تجربتك الشخصية، بأن تختار محكيات مختلفة أخرى ومنفصلة عن بعضها البعض؟.
** بصراحة لم تراودني فكرة كتابة الرواية إلا بعد سنوات من عودتي إلى المغرب ، وتهيبت كثيرا من الموضوع لما يحمله من مخاطر المغامرة في مجال كان دائما بعيدا عن اهتماماتي، نعم كنت و لاأزال قارئ نهم للروايات، لكنني لم أتصور أبدا أنني سأخوض في يوم ما غمار الكتابة الأدبية، ووجدت نفسي منساقا نحو رغبة في البوح وإطلاق عنان خيالي الذي تغذى ولمدة طويلة من تجربتي الخاصة ومن تجارب أخرى عايشتها أو سمعتُ عنها، وبدا لي لأول وهلة أن السرد قد يكون مبرر لإعادة بعث تجربة المنفى ومناقشة أسباب النفي ومعاتبة هذه الأسباب ومسائلة من كان سببا في ذلك، ربما كنت أبحث عن صيغة أخرى للإنصاف والمصالحة لم تعتمدها الدولة في مقاربتها الرسمية، والتي تجاهلت ملف المنفيين الذي لم يجد نصيبه من النقاش ولا حتي الاهتمام بملفات المنفيين ضحايا سنوات الرصاص إلا من رحم ربك.. وجدت نفسي أثناء كتابتي للرواية الأولى “عيون المنفى” تائها في التعبير والبوح السردي عن آلام النفي و نقائص حياة المنفي ومعاناته التي لا تخرج عادة عن الحلم بوطن بديل، بوطن جميل مفقود رسمت حدوده في مخيلتي، ونقلت ببراءة ما صاحبني من مشاعر الإحساس بالذات خارج حدود الوطن، ولاشك أن هذه العناصر كانت وراء إلحاح أغلب النقاد بأن الرواية الأولى هي نوع من السيرة الذاتية. وبعد انتهائي من كتابة الرواية الأولى ترددت كثيرا في نشرها إلا بعد إلحاح بعض الأصدقاء علي بضرورة النشر، ومفاجئتي أنها لاقت إقبالا كبيرا بعد أن نفدت أعدادها في السوق، واستسلمت لدعوة أصدقائي بإصدار رواية ثانية، وحينها بدا لي أنه من الأفضل أن أواصل الكتابة في نفس الموضوع لعلني أستطيع إنجاز ثلاثية أنقل من خلالها خلفيات وتجارب افتراضية تمتح من واقع المنفى في علاقته بالوطن. وزاد اهتمامي بهذا المشروع بعد صدور الرواية الثانية ” حكايات المنفى عبسليمو النصراني”.
*  ألا ترى معي بأن كلا روايتيك تصبان في موضوع سيرة ذاتية ؟ فإذا كان العكس، ما هي حدود الذات الإبداعية في تقاطعها مع كتابة السيرة الذاتية؟.
** لاشك أن الرواية الأولى توحي بذلك، ولن أخفي عنكم أنها تمتح من أحداث ووقائع عشتها في تجربتي الخاصة، ولا أتصور الإبداع بشكل عام إلا لصيقا بالتجربة الذاتية التي تؤسس الإطار الأدبي الذي تنتظم ضمنه الإبداعات، وهي دائما ما تمتح من واقع الكاتب ومن تجربته الخاصة ومن حقيقة همومه وتطلعاته، لكن الواقع أنني لم أفكر أبدا في كتابة سيرتي الذاتية من خلال الروايتين ، بقدر ما حاولت مناقشة تجربة المنفى بما يحبل به النفي من أحاسيس تجمع تراكما من الحزن والغربة والحب والخوف والاختلاف والضياع والحرية والوطن والهوية في قالب من التخييل الذاتي الذي تمتزج فيه السيرة الذاتية بالخيال. تجربة النفي تختلف من حيث الأسباب في الرواية الأولى عن الرواية الثانية، في الأولى نجدها سياسية وفي الثانية دينية، لكنها تحتفظ دائما بصبغتها الموحدة وهي الهروب من الاضطهاد ومحاولة بناء حياة جديدة بمفاهيم جديدة، وبقدر ما تقترب أحداث الرواية الأولى من ذات الكاتب بقدر ما تنفصل عنه في الرواية الثانية لكنني في الحالتين وجدت نفسي ساردا لأحداث جمعت شتاتها من الذاكرة، وكان همي أن أجعل من المنفى موضوع نقاش ومن خلاله الهوية والوطن ومفهوم الأنا والآخر والغيرية مقابل الذات.
* كيف ترى أدب المنفى وما هي خصائصه مقارنة بأدب المهجر أو أدب الرحلة، وأين تموقع نفسك؟.
** كما سبق أن أشرت ، أعتقد أن تصنيف هذا الأدب هو مثار سجال ونقاش بين النقاد، وتقديري أن الاختلاف قائم بين أدب المهجر وأدب الرحلة وأدب المنفى، ومن خصائص هذا الأخير أنه أدب اعتراف، ما يجعله دائما محط شبهة وموضوع ارتياب، لأن الجمهور لم يتعود على قبول الحقائق السردية الواقعية، وغالبا ما يرى في جرأة الكاتب على كشف المستور سلوكا غير مقبول. ومن العناصر المميزة لأدب المنفى أن الكاتب يختار السرد كملاذ للكتابة ،وغالبا ما يرتبط برغبته في البوح والتوثيق لتجارب تجمع بين الألم والحب والسعادة والحياة، ويتوهم الكاتب أن مهمته أن ينقل للعالم تجارب المغتربين والمنفيين ، وأحاسيسهم ومشاعر التمزق وقلق الانتماء الذي يلاحقهم حتى بعد عودتهم، وهي عودة تظل دائما افتراضية كما يظل الانتماء متعددا ومثيرا للقلق والشعور الأبدي بالفقد. الخلاصة فيما يتعلق بمفهوم وخصائص أدب المنفى، أن هذا الأدب خضع خلال الربع الأخير من القرن العشرين لتحولات عديدة، وغادر معناه اللغوي الذي ارتبط بالوطن وما يرتبط به من مشاعر، إلى التعبير عن قدرة هائلة على محاكاة المنفي لمن يعيش معهم دون أن يفقد إحساسه بأنه منبوذ ، وتطوير هذه المشاعر المتناقضة أحيانا بإتقان المنفي لمهارات البقاء والتعايش في مكانه الجديد مع الحرص الدائم على تجنب خطر الإحساس بأنه حقق درجة أكبر مما ينبغي من الراحة والاستقرار.
* هل لديك مشروع روائي جديد، وإذا كان كذلك، هل ستبقى وفيا لموضوعات المنفى، أم هناك اختيارات أخرى؟.
9ـ نعم ، بعد صدور روايتي الأولى وعلى ضوء ما تركته من أصداء فكرتُ في مواصلة الكتابة والسرد في علاقة بموضوع النفي والمنفيين، وقررت أن أكتب ثلاثية المنفى كانت الرواية الثانية جزءها الثاني، وأنا الآن أعيش مخاض الرواية الثالثة، أملي أن أنتهي من كتابتها في هذه السنة ، كما أنني أستبعد اختيارات أخرى في السرد الروائي، ولو أنني لستُ واثقا من قدرتي على الخلاص من الشعور بالنفي في الكتابة مهما كانت المواضيع بعيدة عن المنفى. كما سبق وأن أشرت الشعور بالنفي لا ينتهي بالعودة إلى الوطن الأصل، ومفهوم الوطن والانتماء لم يعد ذلك الذي رافق المنفي أثناء مغادرته الأولى، بل يستمر ويتجدد دون انقطاع.
كما أن الترجمة الفرنسية للرواية الأولى جاهزة وقد تصدر في غضون شهر أو شهرين، وقام بها مشكورا الأستاذ القدير عبدالهادي الادريسي وكان موفقا فيها بشكل متميز . كما قام الاستاذ عزيز قنجاع على تحويل جزء من الرواية الأولى إلى مسرحية وهي الآن في مرحلة التداريب ، ولعل عرضها الأول سيتم في شهر مارس أو أبريل، ولا زلت أتوصل بعروض لاقتباس أعمال مسرحية وسينيمائية من الروايتين لم أحسم بعد في شأنها.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد