على مسؤوليتي: جون جنيه آخر رموز الأدب النازي/الفاشستي

اعتبارات تمهيدية : قد تكون هذه القراءة صادمة للكثيرين من عشاق جون جنيه الأديب والإنسان والرجل الذي ساند الثورة الفلسطينية وكتب عن المهمشين والمنبوذين وشرف مدينة العرائش، مدينتي، باختيارها مرقده الأبدي، لكن أجدني في هذا المقال الذي لن يعجب الكثيرين مضطرا أن أقرأ جنيه من وجهة نظر أخرى تؤيدها أعماله المسرحية الكثيرة، وبهذا السبب لم أشارك في الندوة التي نظمتها جمعية ليكسا للمسرح في الندوة التي أقامتها بمناسبة عرض مسرحية الخادمات، حتى لا يعتبر الامر تهجما على رجل كرمته جمعية ليكسا بعرض مسرحية الخادمات وكانت من توقيع المخرج الكبير جواد الأسدي، خلال مهرجانها الأخير.

تقديم : إن هذه القراءة لجان جونيه ومسرحية الخادمات هي قراءة نقدية من موقع نقدي إيديولوجي، نقول هذا حتى نميز ما سنقوم به من نقد، عن النقد المسرحي أو النقد الأدبي أو الفلسفي عموما، لكننا طبعا سنستعمل أدوات هذه المجالات في قراءتنا لنص الخادمات لجونيه، مع المحافظة على كل نوع في نطاقه الخاص – حتى لا يكون تداخل في الحكم، فكما أشرت إلى ذلك دائما، ليس لوسيان غولدمان مثلا ناقدا أدبيا رغم أنه كتب حول راسين ولوركا والقصة الجديدة في فرنسا، كما أن ماركس لا يعد ناقدا أدبيا لأنه كتب صفحات حول بالزاك في الأسرة المقدسة… والنقد المترتب على اللغويات الحديثة كما يمثله رولان بارث، يجب أن يعتبر نقدا فلسفيا، لا نقدا أدبيا منهجيا. أما النقد الذي نوده لهذا العمل فإنه يحاول أن يصل إلى النظرة المتحكمة في مجمل العمل في التصور والإحساس والكشف عن العوامل التي حددت هذه النظرة ومبررات وجودها وحضورها لدى جون جنيه، من هذا المنظور تبدو مسرحية الخادمات لجان جونيه صورة خامة تبين الأفق الفكري لجان جونيه وتحشره ضمن سياق نظري عام مخالف لما أجمعت عليه الدراسات التي تناولت جنيه و أعماله .

نيتشه، هيغل وجونيه: مسرحية الخادمات لجان جونيه وجدلية العبد والسيد :

السيدة في مسرحية الخادمات، ربة البيت، التي تعيش عيشة ارستقراطية في شقة فخمة، تعكس بأثاثها الطراز الأرستقراطي المخملي في الحياة، امرأة ترتدي ألبسة كلاسيكية وأفرشة غالية وتحرص على نمط عيشها باتباع طقوس منتظمة تكون الواسطة فيها أي في تلبيتها هما الخادمتان الشقيقتان “كلير وسولانج”.

السيدة امرأة تعيش ضمن نظام واضح فمن طقوس هذه السيدة أنها كانت تستيقظ كل يوم من نومها القصير بعد الغداء فتدق الجرس وتدعو إحدى الفتاتين طالبة منها الشاى ..فتأتى به إليها وتتناوله السيدة ببطء فى فراشها، ثم تنهض متكاسلة إلى حمامّها الخاص وتعود لترتدى ملابسها التى أعدتها لها إحدى الخادمتين ومن ثم تشترك الشقيقتان فى مساعدتها على ارتداء ملابس الخروج وتصفيف شعرها ووضع المساحيق التى تزيدها جمالا، ثم تقدمان لها حقيبة يدها ويودعانها إلى باب المسكن، لا شيء في تصرفات السيدة خلال طول المسرحية ينم عن معاملة سيئة للخادمتين بل علاقتها بالخادمتين طيبة. وهنا إحدى المفارقات القوية في المسرحية، ففي الوقت الذي تغرق فيه الخادمتان في بحر الحقد والغل اتجاه السيدة، نجد أن “السيدة” التي تخضع إليها “الخادمتان “، لا تعاملهما أية معاملة تؤكد على الإكراه أو التسلط وبقول فلسفي أوضح، لا تنفيهما. هي فقط بعملها اليومي وطقوسها الأرستقراطية تؤكد على تمايزها هي وتستمتع بهذا التمايز . فالنفي ليس حاضرا في الجوهر كمصدر تستمد القوة “السيدة” نشاطها منه بتاتا. فعلى طول المسرحية يغيب أي حضور سلبي للسيدة، عكس ما هو الحال عليه في جدلية العبد والسيد عند هيغل في كتابه فينومينولوجية الروح حيث النفي ينبثق عن هذا النشاط، إنه حصيلة وجود قوة فاعلة وحصيلة تأكيد تمايز هذه القوة.

يستبدل جونيه العنصر المفارق في النفي، والتعارض والتناقض بعنصر عملي : التمايز : موضوع تأكيد واستمتاع. أليست هنا نعم “السيد” عند نيتشه تقف دائما ضد “كلا ” الجدلية والتأكيد ضد النفي الجدلي، والتمايز ضد التناقض الجدلي والفرح والاستمتاع ضد العمل الجدلي. فعلاقة السيدة بالخادمتين ” كلير” و”سولانج” طيبة إلى حدّ ما، نفهم أن عنصر حسن المعاملة قائم، فهي رقيقة فى التعامل معهما طوال الوقت حتى أنها حينما تهم مغادرة البيت للأوبرا أو المسرح أو حفلة غنائية، نلاحظ هنا مستوى الرقي والفرح والانسجام الذي يعيشه “السيد”- ويؤكده جنيه بخفة زائدة، فإنها تودعهما عند خروجها من البيت دائما وهي باسمة أو شاكرة، إذن فنظام القيم الأرستقراطي الذي تمثله السيدة يولد من خلال تأكيد منتصر للذات، زاه بنفسه، متصالح مع ذاته، لكن يبقى السؤال المطروح هو لماذا تضمر “كلير وسولانج” كراهية وحقد كبير للسيدة، المشكلة في المسرحية لا نجد جوابا لها، بل نجد إدانة لهذا الحقد باعتبار السيدة تمتاز بأخلاق ومعاملة جيدة لخادمتيها، فلا جواب لجنيه ولا إشارة، إنه ينطلق منه كمعطى طبيعي، مسلمة فلسفية، الحقد والكراهية مكون جوهري من مكونات قيم العبيد، لامفر من صدقيتها، إنها فقط وبكل بساطة طبيعة أخلاق العبد، أن العبد إزاء سيده حاقد ناقم وهذه هي طبيعة العبد، وإن تساءلنا من ادأين استقى العبد هذه الأخلاق الحاقدة الناقمة فسيجيبنا نيتشه، إن نظام قيم العبيد هو بالدرجة الأولى رفض ” كلا” لكل ما يقع خارجه، لكل ما هو مختلف عنه، لكل ما يشكل بالنسبة له اللاأنا، وهذا الرفض يشكل بالنسبة له فعل تكون. إن أخلاق العبد هو ما يشعر به الإنسان المستضعف المغلوب، كل ما يفكر به إنما هو قناع للانتقام من سيده المتسلط عليه.

تبدأ المسرحية بتكثيف حضور الخادمتين على مستوى العمل، الدور الرئيسي للعبد في علاقته بالسيد إنه العمل أو الخدمة، نرى أن جونيه يوضح لنا هذا الدور في بداية المسرحية فكلما استيقظت السيدة قامت الخادمتان بالعمل الضروري لإشباع مطالب السيدة التي تستيقظ كل يوم من نومها القصير بعد الغداء، تدق الجرس وتدعو إحدى الفتاتين طالبة منها الشاي. فتأتي به إليها وتتناوله السيدة ببطء فى فراشها، ثم تنهض متكاسلة إلى حمامّها الخاص وتعود لترتدي ملابسها التي أعدتها لها إحدى الخادمتين ومن ثم تشترك الشقيقتان فى مساعدتها على إرتداء ملابس الخروج وتصفيف شعرها ووضع المساحيق التى تزيدها جمالا، ثم تقدمان لها حقيبة يدها ويودعانها إلى باب المسكن لتخرج السيدة الأرملة فى زيارة لإحدى صديقاتها أو إلى المسرح أو إلى السينما وتودعهما باسمة شاكرة وتغيب. تبدو هنا السيدة شبيه بسيد هيغل في الكتاب المشار إليه آنفا حيث أنه ليس في وسع السيد سوى الاقتصار على الاستمتاع بالشيء أو الموضوع الذي أعده العبد. لكن هيغل يضيف أنه “وعندئد لن تكون حرية السيد إزاء الطبيعة سوى مجرد ثمرة أو نتيجة للجهد الذي يقوم به العبد” وبالتالي كنا ننتظر أن تتطور العلاقة بين الطرفين إلى علاقة احتدامية يحتل فيها الحضور العملي للخادمات كشخصيات ينتقلن من مجرد إشباع لرغبات السيد إلى سيدات حقيقيات بواسطة العمل، فالعمل هو الذي يسمح للإنسان بالتحكم بالطبيعة وإعادة تشكيلها وفرض الطابع البشري عليها، ومعنى هذا أن العمل هو الذي ينتقل بالذات إلى دائرة الموضوع وهو الذي يخلع في الوقت نفسه على الموضوع طابع الذات حسب الجدلية نفسها في تعبير هيغل فالعبد عند هيغل حين يصطدم بالموضوع أو الشيء فإنه يكتشف عندئد طبيعته أو بناءه بحيث أن عمله يصبح بمثابة المصدر الحقيقي لكل علم ومعرفة وهذا الكشف الطويل الأليم لقوانين الطبيعة وأسرارها المعقدة هو الذي سيسمح للوعي باكتشاف ذاته والتعرف على نفسه.

لا شك أن السيد الذي استطاع أن يفرض نفسه على العبد وأن ينتزع منه الاعتراف له بالسيادة لن يلبث عندئد أن يجد نفسه إزاء ” موضوع ” سوى ” العبد ” نفسه الذي سيكون الأداة الفعالة في يد السيد من أجل العمل على تغيير الطبيعة. ومعنى هذا أن السيد لن تكون له علاقات بالطبيعة إلا من خلال العبد ونشاطه كعبد لأنه فقد كل علاقة إنسانية بالطبيعة ولم يعد يفرض عليها – عن طريق العمل – أية صورة كفيلة بإشباع حاجاته ومن ثم فانه لم يعد أمامه سوى أن يستمتع بالطبيعة دون أن يقوى على تغييرها مباشرة وهذا هو السبب في أن ترقي وعي السيد لا بد أن يتعرض لخطر التوقف، و بالتالي من يترقى إلى مرتبة السيد بواسطة العمل هو العبد، ولا تخفى عليكم هنا ارتباط المنظور العام بالفكر الماركسي على هذا المستوى، وإذا كان صراع البشر فيما بينهم قد عمل على ظهور مبدأي السيادة والعبودية فإن حركة الصراع الجدلي التاريخي لن تلبث أن تطيح بهذين المبداين وأن تقلب الأوضاع رأسا على عقب وتؤدي إلى تحرير العبيد، أعتذر على هذا الاستطراد في محاولة تقريب الفهم الهيغيلي لعلاقة السيد بالعبد حتى يتسنى فهم الموقف الفلسفي لجنيه من العلقات القائمة بين السادة والمسودين والتي تحكم مجمل أعماله المسرحية.

في مسرحية الخادمات لجونيه نجد ومباشرة وبعدما أن تتأكد الشقيقتان “سولانج و كلير” من مغادرة السيدة للمنزل حتى تتركان كل ما بيديهما وتضعان العمل جانبا، لتبدآ فى تقمص إحدى الشقيقتين شخصية السيدة، فترتدى ملابسها وتنام فى فراشها وتدق الجرس وتطلب الشاى من خادمتها بلهجة ارستقراطية مفتعله , وتصدع الأخرى بأمرها ..وتُمضى المساء فى تلبية طلباتها ومساعدتها على خلع ملابسها وتدليك قدميها كما تفعلان مع السيدة الحقيقية حتى إذا حان موعد عودتها , أسرعت السيدة المزيفة بخلع ملابسها وارتداء ملابس العمل وتقف مع شقيقتها بجوار الباب تستقبلان السيدة بخنوع واحترام ، وفى اليوم التالى يتم تبادل الأدوار فتنام إحدى الشقيقتين فى السرير وتقوم الأخرى بخدمتها وهكذا.
ان العبيد عند جونيه ملاعين يعيشون في كهف الغيرة والحقد ولا يمكنهم ان يفهموا انفسهم و العالم الا من خلال حلم التماثل مع السيد وليس باستطاعتهم الانفكاك عن اخلاق سادتهم وقيمهم، فجل ما لديهم من حلم هو ان يكونوا كالاسياد وفي محاولتهم ان يكونوا كذلك يصيرون كائنات مسخة، كائنات بلا ملامح حقيقية ان هذا الطموح اثناء تحققه في خفية من السادة ينتج مهرجين وملاعين وحاقدين ناقمين لكن أفقهم لا يتجاوز اسيادهم.
ان جونيه في الخادمات عندما يقارب القيم الاخلاقية والثقافية الحالية يعتبرها تعبيرا خالصا عن غل ونقمة ضحايا الحياة، لهذا ابخست الحياة فوق هذه الارض الحياة الحقيقية ومجدت حياة خيالية نعيشها بعديا في السماء او في عالم المرآة حيث تقضي ” كلير وسولانج” كل يومهما في عالم وهمي يقلدان حركات وتانق السيدة ، عالم ليس لهما، عالم الاسياد، ويلتقي مع نيتشه في موقفه من جدل العبد و السيد الهيغيلي حين يمثل الخادمتان كقوة منهكة لا تملك القدرة على تاكيد تمايزهما انها قوة لم تعد تستطيع الفعل بل اكتفت برد الفعل على القوى التي تسيطر عليها ، لذا اعتبر نيتشه ان الجدلية الهيغلية هي تنظير لنظام الرعاع ، اي انها تقتصر على منهج العبد الذي حين راح يخدم سيده وحين مضى يعمل لتغيير الطبيعة فانه لم يلبث ان سار على درب التحرر الايجابي، حيث يتحجر السيد و يتجمد في صميم موقف السيادة الذي توقف عنده، فلم يعد في وسعه ان يتقدم وأن يعلو على نفسه بينما استطاع العبد ان يتغير ويترقى فاصبح بعلمه و جهده هو السيد الحقيقي لسيده الأصلي.

جونيه بقي متحجرا في موقفه النيتشوي، عالم العبيد عالم الكراهية والحقد و الغل والنقمة، العجيب في مسرحية الخادمات ان جونيه يهشم جميع المعاني التي تحكمت في نظريات التاريخ المعاصر “فكلير وسولانج” الاختان، لا يحقدان على السيدة فحسب, بل ان علاقتهما مع بعضهما كأختان تشوبها احتدامية عميقة تفرز نوعا ماكرا من الكراهية المتجدرة لبعضهما لا حدود لها فحتى قرابتهما الدموية ” البيولوجية، العصبية” و لا المهنية ” الطبقية” استطاعت ان تدعم حضورا ايجابيا للخادمتين فالكراهية متبادلة بينهما ولا انفكاك لهما عنها بل انهما حينما يقلدان سيدتهما فانهما يستحضران صورة السيدة المستغلة العنيفة القاسية ، لا بسبب ان هذا هو طبع السيدة التي يشتغلان عندها ، لا بتاتا ، فالسيدة مشغلتهما والتي تعيشان في كنفها تترفق بهما لدرجة كبيرة ، فصورة السيدة المتسلطة تحضر حين تمثل الخادمتان دور السيدة، فيمزجان حقدهما على بعضهما حين تقليد السيدة، حينها يستدعيان صورة لسيدة ليست حقيقية، بل سيدة وقد امتزجت باخلاق العبيد، لذا يصورهما جنيه بكثير من السخرية حين يلعبان دور السيدات، فيصيران مهرجات فقط، فاخلاقهما الاصلية الحقيقية المبنية جوهريا على الحقد والكراهية لن تدعهما يصيران سيدات ولو اوتوا كل اسباب السيادة، فالعبيد عبيد بالجوهر. ان السيد القاسي البغيض المستغل للاخرين لا يوجد وغير موجود انه من صنع خيال العبد ، انها صورة صنعتها مخيلة العبد عن شكل السيد الذي يحلم العبد ان يتطور ليتطابق معه يوما ، انها صورة تختصر العبد الوصولي البغيض الكاره لكل شيء، لا ننكر مدى الحقد الذي كنه نيتشه لفلسفات التاريخ الحديث فالاشتراكية في نظره صورة اخرى من صور الغل والحسد الذي يشكل جوهر العبيد والضعفاء، لهذا الاعتبار فالتاريخ عند نيتشه لا فرق فيه بين الانسان و الحيوان ، فالانسان حيوان، ليس عقلا يتحكم في جسم بل هو جسم يستعمل العقل كاداة طيعة للوصول الى اهداف غريزية. فالتاريخ الحقيقي هو تاريخ الاقوياء افسده غل الحاقدين العبيد لذى لا يفتر نيتشه ان يعطي امثلة تركزت اساسا حول روما التي مثلت العظمة، والمجد والدين المسيحي الذي عبر عن الضعف والمرض والمسكنة التي سكنت روح اليهود الذين غلبوا واستصغروا منذ قرون ، وكل من يعتقد ان ارتباط جونيه بالقضية الفلسطينية من باب ايمانه بحركات التحرر الوطني لن يعرف ابدا ان الارتباط بالفلسطينيين كان نكاية في اليهود، ولا علاقة له لا من قريب او بعيد بالثورة الفلسطينية، وان اصول كرهه لدولة اسرائيل نابع من خط طويل من التنويعات الفلسفية التي اضافتها النازية للتضمينات النيتشوية لمعنى الاصل الصالح القوي والحقد الكبير الذي كنته لليهود في هذا الباب معروف
ان قراءات متسرعة لجونيه والاستعمال المفرط للنقد الادبي بعيدا عن نقد المضامين الايديولوجية للمحتوى الادبي هو ما زاغ بقراء جونيه الى المحتويات الجمالية لرجل طوع اللغة الفرنسية بشكل ملفت، اخفت معها الابعاد النيتشوية لادب جونيه، فادب جونيه ان لم تضعه ضمن اطره الايديولوجية، فانك ستجد فيه ما تبحث عنه: لماذا ، لان جونيه لم يكن من رزمة ادباء ومفكري ما بعد الحرب العالمية الثانية الذين تاثروا بالقراءات الجديدة لماركس وانجلز و لينين وشكلوا ما سمي باليسار الجديد بعد احداث المؤتمر العشرين للاحزاب الشيوعية العالمية، ولكن جونيه خاطب نخبة متشككة تشك في قيم الليبيرالية و الدينية و الاشتراكية مستعملا سلاح نيتشه الفلسفي الذي حارب الليبيرالية بسلاح الاشتراكية والاشتراكية بسلاح العلم الطبيعي وهكذا تستهوي كل الاتجاهات. يؤول القارئ عدو الدين نقد اوهام الدين بانه شجب لمؤامرة الفقهاء، ويؤول القارئ المتشبع بالعلوم الحديثة قانون الحياة بقانون البيولوجية . ورجل الدين يرى في هذه الدعوة دليلا على افلاس العقل البشري وضرورة الرجوع الى رحمة الله.

الخادمات كاحالة نسوية للعمل جاءت قاسية في عمل جونيه انه استمرار قاس لرؤية جاءت متضمنة في الاعمال الكلاسيكية للفاشية اتجاه المراة ويتضمن كتاب إرادة القوة لنيتشه موقفا سلبيا تجاه المرأة وحتى كراهية لها فاقواله في كتابه “ارادة القوة” مثل هذه “المرأة! نصف البشرية الضعيف، المضطرب، المُتقلِّب، المتلوّن… إنها بحاجة إلى ديانة للضعف تقدس الضعفاء، والمحبين، والمتواضعين لقد تآمرت المرأة دومًا مع كافة صور الانحلال ضد الرجال “الأقوياء”. ان الخادمات” كلير وسولانج” جئن في ابشع صور رؤية جنيه لانهن كن الوجه الاخر الكريه لجنيه لا افسر ذلك طبعا بميولات جنيه الجنسية فقط وهو ما يلتقي فيه مع نيتشه الذي بقيت علاقته بالنساء ملتبسة وبأخته اكثر ، ولكن بحقد دفين للمراة تحتاج شرحا مطولا قد نتطرق اليه في مقال اخر
ولان غل العبيد على الاسياد غل لا حدود له ، غل متاصل، فإنه يتصاعد حتى يصل إلى أن تقرر الشقيقتان قتل السيدة من خلال وضع السمّ لها فى فنجان الشاى، وفى اليوم المحدد تستيقظ السيدة من نومها وتطلب الشاى الخاص بها كالعادة , فتُقدم لها إحدى الشقيقتين الفنجان المسموم ،فى نفس اللحظة تتلقى السيدة مكالمة تليفونية مفاجئة تضطر معها للمغادرة دون ان تشرب شايها.

نهاية المسرحية : جدل هيغل، جدل العبيد

على الفور وبعد خروجها كالعادة تبدأ ” كلير و سولانج في تقليد سيدتهما ، ما يهمنا في اخر هذا المقال هو استمرار الخادمة اخت كلير في اللعبة رغم معرفتها ان كاس الشراب المعد للسيدة مسموم، فترتدى ملابس السيدة وتنام فى فراشها وتدق الجرس فتأتى الخادمة فتشير إليها بترفّع إلى كوب الشاى الموضوع فى مكانه وتأمرها بتقديمه لها تحاول شقيقتها أن تنبهها أن هذا الفنجان مسموم وأنها تعلم هذا من قبل وتنبهها إلى ضرورة إيقاف اللعبة الآن , لكنها تتمادى فى الدور حتى النهاية.

لن تتوقف اللعبة و لم تتوقف، ان سولانج كانت في موضع لا يسمح لها بالتنازل عن موقعها عن سيادتها ، انه دورها وكل ايقاف للعبة هو تخلي عن حقها في حصة سيادتها، ولانهما مضطرتان الى ان يرفعا الى مستوى الحقيقة يقينهما الذاتي ، يقين وجودهما لذاتيهما ، كل منهما عليه ان يمتحن هذا اليقين في نفسه و في الاخر . فقط بالمجازفة بحياته ينتزع المرء الحرية ، هذا الصراع يدل على انه لا يوجد شيء في الوعي ليس بالنسبة له لحظة فانية –الفرد الذي لم يجازف بحياته يمكن بالتاكيد ان يعترف به كشخص ، و لكنه لم يبلغ حقيقة هذا الاعتراف كوعي ، ذات مستقل . كذلك كل وعي ذات عليه ان يلاحق موت الاخر ، ما دام يجازف فيه بحياته الخاصة . مادام الاخر ليست قيمة بالنسبة له بقيمته هو ، جوهر الاخر يظهر له بوصفه اخر ، بوصفه خارجيا ، وعليه ان يتجاوز هذه الخارجية ،الاخر هو وعي يوجد فقط ويؤخد في المتعدد ، لا يستطيع ان ينظر الى كينونته الاخرى الا بوصفها محض كائن لذاته بوصفها نفيا مطلقا .اننا في قلب الجدل الهيغيلي جدل العبيد و قد حلموا وتاقوا الى ان يكونوا اسيادا، ورغم ان اختها تكرر نداءها لها باللهجة الارستقراطية الآمرة : الشاى وتعاود شقيقتها تنبيهها , لكن الأخرى كانت قد مضت بعيداً فى التماثل الوهمي مع سيدتها فلا تتنازل عن أرستقراطيتها ولا عن المطالبة بالشاى . ان جونيه في هذا المشهد الاخير يدين موقف هيغل من جدل العبد و السيد ويعتبره كما اسلفت سابقا جدل العبيد انفسهم ، انه جدل لا يستقيم الا في فكر العبيد، فجدل السيد والعبد كما هو مطروح عند هيغل يختزل وجهة نظر العبد ويقوم على فرضية ان القوة لا ينظر اليها كارادة قوة بل كتمثيل للقوة ، كتمثيل للتفوق ، كاعتراف من قبل احد الطرفين بتفوق الطرف الاخر . ان ما تريده الارادات عند هيغل هو الحصول على الاعتراف بقوتها ” تمثيل قوتها ” . و بذلك ينتقد نيتشه مجمل هذا التصور الهيغيلي لانه يشوه ارادة القوة وطبيعتها ويراها من وجهة نظر العبد ،. انها هي هي رؤية العبد . واذا كانت العلاقة بين السيد والعبد تستعير الشكل الجدلي بحيث اصبحت النموذج السائد لكل الهيغيليين والماركسيين ، فمرد ذلك الى ان هيغل يعطينا صورة عن السيد هي من صنع خيال العبد ، انها صورة صنعتها مخيلة العبد عن شكل السيد الذي يحلم العبد ان يتطور ليتطابق معه يوما ، انها صورة تختصر العبد الوصولي . فتحت ستار التصور الهيغيلي للسيد يطل دائما العبد براسه .

فنهاية المسرحية جاءت لتعطينا جونيه وهو يعبث بالرؤية الفلسفية لهيغل ويسخر منها ، وعندما اقول هيغل فاننا اعني كل الموقف الحديث المبني على منطق التطور ولا يمكن استثناء الماركسية بجدلها الذي ينتهي بسيادة العبيد البروليتاريا على الاسياد الراسماليين من هذه السخرية. فنجد ان كلير رغم تنبيه اختها بان كاس الشاي مسموم الا انها سولانج تكرر نداءها لها باللهجة الارستقراطية الآمرة : الشاى وتعاود شقيقتها تنبيهها , لكن الأخرى كانت قد مضت بعيداً فى التماثل الوهمي مع سيدتها فلا تتنازل عن أرستقراطيتها ولا عن المطالبة بالشاى، اننا نجد انفسنا مرة اخرى ازاء ضرب من الازدواج ،الوعي بالذات لدى الخادمة سوف يواجه هذا الموقف الحيوي على نحوين مختلفين : و اية ذلك انها ستمضي بعملية الصراع حتى نهاية الشوط اعني لدرجة المخاطرة ومواجهة الموت مؤكدة بذلك وعيها الخالص بذاتها في سبيل اشباع رغبتها في انتزاع اعتراف اختها بها ، لكن في منطق جدل العبيد وفي التعبير الفني لجونيه ، فكل وعي يسعى الى موت الاخر وفي هذه الفاعلية سلفا حاضرة فاعلية الذات – اذ ان السعي الى موت الاخر يفترض ان الساعي يجازف بحياته الخاصة . ليس بامكانهما تجنب هذا الصراع ، فالصراع البشري هو الصراع الذي يقوم به طرفان يريد كل منهما ان يثبت ذاته و يؤكدها باعتبارها فوق مستوى الحياة الحيوانية الصرفة ومن ثم فانه يضع حياته نفسها موضع الخطر اخذا على عاتقه مواجهة الموت، سولانج لن تتنازل عن حقها في السيادة ، لذا كان عليها ان تمضي بعملية الصراع واثبات احقيتها في السيادة، حتى نهاية الشوط اعني لدرجة المخاطرة ومواجهة الموت مؤكدة بذلك وعيها الخالص بذاتها، فنحن هنا ازاء موقفين مختلفين : موقف السيد ” اعني موقف الوعي الخالص بالذات ” وموقف العبد” اعني موقف الوعي الذي رفض المخاطرة بحياته في سبيل اشباع رغبته في انتزاع اعتراف الاخر به وبالتالي اقتصر على اشباع رغبة الاخر، . لذا تنجرف كلير الى منطق الطبيعة هي الأخرى وتقدم الشاى لاختها، فتتناوله سولانج وتموت وبموتها تنتهي المسرحية.

ان رجلا مثل جونيه، الرجل الذي حقد على فرنسا كان افقه الفلسفي موافقا لذاك الافق الذي اذل فرنسا باحتلالها اثناء الحرب العالمية الثانية، وجنيه الرجل الذي لاقى الاهانة من ذويه جلاديه الذين تفننوا في ادلاله كانوا من فئات وضيعة لكنهم لعبوا دور الاسياد حين احتقروه.

 

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد