علال بنور يكتب :  قراءة في كتاب أصيلا قراءات بيبليوغرافية تصنيفية

يبدو لي قبل الحديث ، عن كتاب زميلي الأستاذ المؤرخ أسامة الزكاري، لا بد من طرح تساؤلات و ملاحظات عن المدينة التاريخية المغربية بشكل عام، هل هي وليدة تفاعل عوامل اجتماعية و ثقافية و اقتصادية وسياسية، داخل المجتمع المغربي ؟ أم هي منتوج استعماري ؟ و هل يمكن القول أن المدينة المغربية قبل الاستعمارية لم تشكل نقطة تحول و انطلاق المدينة العصرية ؟

يمكن اعتبار، المدينة الاستعمارية عند إنشائها وتنظيمها لم تنبثق نتيجة تطور طبيعي للقوى الاجتماعية ونمط الإنتاج الاقتصادي داخل المجتمع ما قبل الاستعماري، ولكنها إنتاج أجنبي مستورد، وهذا الرأي خاضع للنقاش.

إن الاصطدام الحاصل بين النموذج المعماري الغربي والنموذج المغربي، واكبته قطيعة، بمعنى ليس هناك استمرارية وتكامل بينهما. وفي مستوى أخر نلاحظ، أن المدن التاريخية المغربية بدأت و لمدة، تتخلى عن وظائفها، الشيء الذي أدى إلى بروز مظاهر جديدة منها استقبال الوافدين القرويين وتخلي السكان القدامى عنها والحضور القوي للمضاربات والسمسرة، أضف إلى ذلك تدهور الحرف، واختفاء العلاقات الاجتماعية التي تقوم على المحبة والتكافل، وفقدان الوظيفة الثقافية والدينية، ثم حضور الأجانب في اقتناء المنازل التاريخية وإعادة صيانتها.

فبعدما كانت المدينة التاريخية تمثل الإطار المجالي، الذي تتلاءم وتتفاعل داخله كل القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية و الدينية – وهنا نعني بالدينية وجود مقرات الزوايا – أضحت اليوم، المدينة التاريخية نموذجا للتهميش المبكر.

إن كتاب “أصيلا : قراءات بيبليوغرافية و تصنيفية للأستاذ والمؤرخ أسامة الزكاري ، يجعلنا في وضعية تأمل وانبهار أمام انجاز تاريخي من نوع خاص، ينهل من منهجية التاريخ الجديد امتدادا لمدرسة الحوليات بفرنسا. ونحن نقبل على قراءته ليس بغرض انتقادي، بل بهدف إعجابي و معاينة كتابة تاريخية لمدينة أصيلا .

تشكل قراءة الكتاب دعوة للتساؤل عن وضعية الكتابات التاريخية ،حول المدن في علاقتها المتداخلة،  في إطار الدراسات المونوغرافية ، كأداة أساسية لكتابة التاريخ المحلي .اعتقد أن انجاز أبحاث حول المدن ، أمر صعب نظرا لطبيعة الأدوات المصدرية ،  لكن تميزت مدينة اصيلا عن باقي المدن المغربية بتاريخها الغني نظرا لارتباطها بتاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط ، و بكونها تعاقبت عليها ثقافات لشعوب مختلفة تنتمي لهذا الحوض ، إن موقعها و ماضيها جعلها مفخرة لسكانها، فالنشاط الاقتصادي لمدينة اصيلا ارتبط بالبحر في إطار التجارة البعيدة المدى ، كانت خزانا للتوابل و المعادن النفيسة مع الاكتشافات الجغرافية الكبرى خلال القرنين 15 و 16 م . و هكذا يعد مجال المدينة حافلا بالدراسات التاريخية و الجغرافية و الأدبية فهي حقلا للدراسات البيبليوغرافية ، لذلك كتاب المؤرخ أسامة الزكاري لم يخرج عن هذه القاعدة .

فهذه الدراسة التي نحن بصدد قراءتها تعد امتدادا لكتاب سابق أصدره الأستاذ أسامة الزكاري “اصيلا: حصيلة البحث التاريخي و الاركيولوجي ” الصادر سنة 2007 ، يقول الأستاذ أسامة في مقدمة كتابه  الذي بين أيدينا ” إن مجال كتابة تاريخ مدينة أصيلا يبقى مجالا بكرا بالنسبة للباحتين وللمؤرخين، فقد ارتأيت تطوير تجربة كتابي السابق، من خلال توسيع مجال الدراسة وتجاوز منطق اللوائح العامة ”

فقارئ عنوان الكتاب يوحي له، أنه عبارة عن لوائح عامة لعناوين مصادر ومراجع ،لما كتب حول مدينة اصيلا. لكن عند قراءتنا له نجد الأستاذ أسامة، اتخذ منهجية مختلفة في انجاز عمله – لا نجدها إلا عند عمالقة التاريخ مثل مجموعة البحث التاريخي مع جاك لوكوف بالمدرسة الفرنسية – عبارة عن جمع لبعض ما كتب حول مدينة اصيلا من تاريخ و أدب ، لكن الأستاذ لم يقف عند التصنيف و التدوين ، بل كل نص تناوله بملاحظات دقيقة أغنت النص  ، و تقديم ينم  على أن الرجل محترفا في صنعة التاريخ .

إن تعامل الأستاذ مع مادته تجاوزت القراءات التبسيطية الاختزالية إلى مستوى أكثر علمية  وأكاديمية  ، يظهر لنا ذلك من خلال المنهج النقدي – الذي هو قاعدة  المدرسة الوضعانية – الداخلي و الخارجي الذي اعتمده في تشريح و تجريح تيمات الدراسة ، و بالتالي الانتقال إلى مرقى النسق التحليلي النقدي المتجانس لتوسيع آفاق توظيفها . لا نجد تناقضا بين اعتماده على المدرسة الوضعانية في التجريح المعتمد على النقد الداخلي و الخارجي ، و اعتماده مدرسة الحوليات الفرنسية على مستوى منهج الكتابة ، بل بصنعة متناهية الدقة مزج بين المدرسة الوضعانية و مدرسة الحوليات البروديلية .

يقوم الكتاب على التصنيف ألتحقيبي من التاريخ القديم لمدينة اصيلا إلى التاريخ الوسيط إلى التاريخ الحديث ثم المعاصر ، هذا على مستوى الموضوعات التاريخية حسب الحقب ، ثم تضمن الكتاب نصوصا إبداعية ، فانتهى بكتابات توثيقية للمنتوج الثقافي و العمل الجمعوي بمدينة اصيلا .

أتت مضامين الكتاب ، مقالات متفاوتة في الحجم ، تعبر في حقيقة الأمر عن إشكالية الكتاب ، اعتقد أن هذه المقالات كافية للتعرف على تاريخ اصيلا في مستوى من المستويات ، لكن ليس في معناه المعماري ، بل هو تاريخ البنيات داخل المدينة ، فهو أكثر جاذبية لجمهور القراء من تاريخ الزعماء و القادة و المعارك التي لا تستحق مكانا في الذاكرة . إلا إذا كان لها دور في كشف البنيات الاقتصادية و الاجتماعية .

في مستوى أخر جاء الكتاب بطريقة جديدة في الفهرسة ، خرج عن المألوف  من حيث التبويب و الفصول و الترقيم ، إلى ترتيب جديد ، و هو مقبول ، من عناوين رئيسية إلى عناوين مواضيع بدون ترقيمها .

يقع الإصدار في 565 صفحة صادر عن منشورات جمعية ابن خلدون للبحث التاريخي و الاجتماعي باصيلا ، يتصدره توطئة وينتهي  بخاتمة عجيبة تختلف عن الخواتم  المألوفة ،طرح فيها الأستاذ أسامة ، إن العمل الفردي يبقى عاجزا عن سد كل الثغرات ، و هذا تواضعا منه ،ثم قدم دعوة لأبناء المدينة على بذل الجهد ،لاستكمال البحث التاريخي حول مدينتهم ،كذلك دعا الجهات المعنية بالبحث بتقديم الدعم المالي لانجاز أي مشروع ثقافي .

يتضمن الكتاب سبعة عناوين رئيسية :

-الأول : متعلق بالتاريخ القديم ، تناول فيه عشر موضوعات بالقراءة و التعليق .

-الثاني:  خاص بالكتابات الموسوعية العامة يضم ثمانية عشر موضوعا  تتناول قضايا تنظيمية و دراسات اجتماعية مجالية و دراسات اثنولوجية لمنطقة الشمال جاء غنيا بالمعلومات المتناهية الدقة .

-الثالث : حول كتابات في التاريخ الوسيط تشمل اثنا عشر موضوعا تتأطر في دراسات حول المغرب الوسيط من قراءة و تعليق لكتب تاريخية إلى التعريف ببعض السير لشخصيات لها  وقع ديني صوفي .

-الرابع:  دراسات مؤطرة في التاريخ الحديث ، تضم ثلاث و عشرون دراسة تتوزع ما بين قراءة و تحليل لكتب مؤرخين مغاربة حول دراسات المجتمع و المجال المغربي .

-الخامس:  يتموضع في كتابات التاريخ المعاصر يضم اثنتا و ثلاثون دراسة تغطي مرحلة الحماية الفرنسية والاستعمار الاسباني، ثم دراسة في الوثائق بما فيها البحث في شخصيات نافدة في تاريخ المغرب المعاصر .

يعد هذا الفصل أطول فصول الكتاب ، نظرا لغزارة الكتابات في المرحلة المعاصرة على مستوى الكتابة التاريخية .

-السادس : خصص للكتابات الإبداعية يضم ستون إبداعا تتوزع بين الرواية و الدراسات الشعرية والفن التشكيلي و المجموعات القصصية والدراسات المسرحية ، اعتقد إن الكتابات الإبداعية تعد مراجع لكتابة التاريخ الآني ، باعتبار أنها لا تخلو من أهمية خبرية، وبالتالي فالتاريخ الجديد ، يعتبر كل إبداع هو شاهدة تاريخية .

-السابع : خاص بالكتابات الثوتيقية للإبداع الثقافي و العمل الجمعي بأصيلا يضم هذا الفصل أحدا عشر عملا يهتم بالتعريف للمواسم الثقافية لاصيلا .

ينتهي الكتاب بإصدارات جمعية ابن خلدون للبحث التاريخي و الاجتماعي لمدينة اصيلا ، هذه الجمعية لها الفضل الكبير في نشر تاريخ المدينة الذي لا نجده في المدن المغربية الأخرى .

على سبيل الختم : إن القارئ المنغمس في قراءة كتاب الأستاذ والمؤرخ أسامة الزكاري إيقونة أصيلا، يجده يندرج في إطار منهجية التاريخ الجديد مع جاك لوكوف، فالكتاب جدير بالقراءة نظرا لغناه المعرفي والمفاهيمي و المنهجي،لذلك يعتبر قدوة لكل بحث في تاريخ اصيلا أولا، ثم تاريخ المدينة المغربية .

 

 

 

 

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد