تهنئة الباحث “ازريعة ياسين” بمناسبة حصولة على الدكتوراه في اللسانيات

بمناسبة مناقشة الباحث “ياسين ازريعة” لأطروحة لنيل درجة الدكتوراه في اللسانيات، تحت عنوان

بلاغة الإيجاز وفصاحة الإنجاز: السمات اللسانية ذات الاولوية في الخطابات المولوية

بإشراف الدكتور عبد اللطيف نجيد

وبمناسبة تفوقه في المناقشة التي عقدت بقاعة الندوات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس-سايس، التابعة لجامعة سيدي محمد ابن عبد الله، وتمت أمام  لجنة من الدكاترة المختصين في حقول لسانية عديدة  (علم التحقيق، اللسانيات التداولية، الأنحاء التقليدية وسيميائيات الصورة وكذا حقلي الإبداع والنقد الأدبي)، برآسة السيد محمد القاسمي، الكاتب العام المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي بفاس سايس ورئيس شعبة الإعلام والتواصل بكلية الآداب فاس-سايس، وحضورا طلابيا نوعيا حيث تحلق جمع كبير من حاملي مشاريع الدكتوراه أو المشاريع البحثية قيد الإنجاز، فضلا عن الحضور المميز للدكتور محمد الركراكي، الكاتب العام للمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط.

يتقدم صديقه السيد “محمد الغالي الشرقاوي” مهنئا ومباركا  متمنيا له بهذه المناسبة العلمية الجليلة مسارا علميا حافلا…

جدير بالذكر أن الباحث “ازريعة ياسين” استنشق أريج اللغة بعدد من دور القرآن في عطله الصيفية بمدينة أبي الجعد، وابتدأ مساره الدراسي الإبتدائي والإعدادي المميز بمدينة الراشيدية، قبل أن ينتقل إل مدينة الدار البيضاء وبعدها إلى مُدن بني طنجة وبني ملال وصفرو بحكم طبيعة عمل أبيه في أسلاك الأمن الوطني، ويعود لمدينة الدار البيضاء لمتابعة دراسته الجامعية بكلية الحقوق باللغة الفرنسية، ويدرس بوحدة التكوين والبحث في الهجرة والقانون، قبل أن يُيمم شطر عالم الآداب والعلوم الإنسانية ويحصل بكلية ابن امسيك على إجازة ثانية مطبقة في التواصل المؤسساتي، ويلج رحاب المعهد الملكي للإدارة الترابية حيث حاز المرتبة الأولى وتخرج منها رائدا لفوجه ويشغل باشا رئيس دائرة بوزارة الداخلية، ويحوز بهذا البحث أيضا السبق في مجال النبش اللساني في طبقات الخطاب السياسي عموما والملكي تخصيصا.

نص التقرير الذي تقدم به الطالب أمام لجنة المناقشة:

“ربما لن يكفي سقف عشرين دقيقة لبسط كل رقيقة ودقيقة من متن أطروحة شغلتني وأشغلتني ردحا من الزمن فاق الست سنوات، فأنا الآن كمن طُلب منه أن يضع جَملا في شطيرة.

هو حيز زمني لا يكفي ولا يفي حتى لوصف صعوبة ارتياد أحواز البحث لطالب جاء من عالم الحقوق والعلوم القانونية والسياسية، فيمّم شطر عالم اللسانيات وعلوم اللغة بكلية ابن امسيك قبل أن يعرج على كلية فاس-سايس، فلم يكن طريقي معبدا البتة واعتورته وُعورة المسالك، لولا وجود الشيخ الأكاديمي السالك، حرم الله وجهه على النار والمهالك، مُشرفي الأول الراحل سيدي عبد الله غزلان، سائلا المولى في عُلاه أن يجعل كل حرف كتبناه في صحيفة ذا ك الأديب الأريب الأواه، وأن يُكرم الحق مثواه، ويجعل الجنة مأواه.

كان سيمتد بي زمن التيه بعد أن تقطعت بي السبل بوفاة مشرفي الأول لأن مشروع الأطروحة ضل ضلالة مقارباتية، وظل شاردا بين الأستاذ الركيك وأساتذة بدلاء آخرين، حتى يسّر الله قبول مشرفي الجديد الدكتور نجيد تعهد الأطروحة في منتصف الطريق، فجمع الله به وعلى يديه العديد من العوامل المُعَيّنَة والمُعينَة في كل مرة على رفع الإلتباس، أو كلما اعتورت ورش الكتابة لحظات احتباس، فكان لي مصدر إلهام واستلهام واقتباس، ما شدَّ أزري وعزيمتي وأطلق وسيلتي، فرَعَى مشكورا الأطروحة مُذ كانت فكرة إلى أن استوت خلقا أتمناه سويا بين راحتي أعضاء اللجنة العلمية الموقرة.

الشكر موصول أيضا للسادة الفضلاء الأجلاء، أعضاء اللجنة الموقرة، السادة أساطين الجامعة الضادية لفاس-سايس ومواقع ضادية أخرى، كل بإسمه وصفته الاكاديمية، لتشريفهم لي بقراءة هذه الأطروحة وقبول مناقشتها، لينقشوا ببديع تصويباتهم وتعليقاتهم وحواشيهم جنباتها حتى لا تجانب في تضاعيفها الصواب، أو تضعفها فقرة شائهة أو فكرة تائهة، فقاموا وأقاموا الليل مشكورين ليقوِّموها حتى تقوم لها بإذن الله قائمة.

كما أنحني وأُثْني وأثَنِّي خالص الشكر إلى جميع من مد لي يد العون من أجل إنجاز هذا المنجز الأكاديمي، وفي مقدمتهم من مَلك سريرتي، أحبتي في سري وعلانيتي أفرادُ أسرتي ومن يبادلني الحب من أبناء عائلتي.

فالشكر كل الشكر لعائلتي عدة الزمان ولكل رفاق المكان، ولكل من أغفلت ذكره أو تذكره، لأن السهو والنسيان من طبيعة الإنسان، دون أن ينسينِيَّ الشيطان تقديم آي الامتنان وخالص العرفان لجميع الحاضرين الذين ستترقب عيونهم سكناتي وحركاتي باعتبارهم أعضاء لجنة ثانية وحكما ثانيا لتقييم إسهام البحث في المنجز التحليلي للخطاب السياسي عموما والملكي تخصيصا”.

بعد الإهداء وسرد ظروف البحث وتغيير المشرف وما استدعاه من جمع شتات بحث منفصل الحلقات مع وما استتبعه الامر من تغيير للمناويل القرائية وللأدوات المنهجية والمقاربة، أورد الباحث أنه من “خلال مسار مهني تقلبت فيه في تقلد مهام التسيير وتدبير الملفات والأوراش الامنية والتنموية والخدمات المرفقية رفقا بمصالح رعايا صاحب الجلالة أن كل مشروع ناجح، يقتضي فراسة بالتأكيد، لكنه يتوكأ لزوما في بدايته على دراسة الجدوى.

وبإسقاط نفس المنهجية البحثة على مشروعه البحثي، انطلق من دراسة جدواه وإضافته ووقعه من خلال استهـــلال ذكّرفيه بجملة من الإعتبارات الموضوعية.

وعليه، فقد “تصدّرت قائمة الإعتبارات الموضوعية التي جعلتني أختار موضوع الأطروحة لطرحها بطرح بديل، دأبي على تحقيق محورية الإضافة وفق مستويات ومناويل قرائية جديدة للمتن الخطابي الملكي،على أن تُشكل الأطروحة انفتاحا على جامعات وتخصصات اخرى من خلال تكريس التوالج القائم بين عالم وعلم السياسة وعالم وعلم اللسانيات”.

كما رام التصدير “الوقوف عند أوجه الإلتقائية بين الحقلين وكذا محددات الإلتقاء وموجبات الوفاء بين الملك وشعبه، فاهتدينا في محصلة الأمر إلى وجود مساحات تقاطع مكّنت مغربنا في العديد من المحطات من تفادي القطيعة التي تقطعت بسببها أوصال شعوب برؤسائها، فقطَّعت المشانق رؤوس القادة على المقاصل، وتفرقت السبل بلاجئيها بين دول العالم بين مستجد ومعوز وسائل”.

وفق ما ورد في تقرير الباحث، “ضابط السبق يجلوه أيضا حاصل دراسة مسحية للأعمال البحثية ذات الصلة بالخطابات الملكية”، حيث ألفى صاحب الأطروحة أنه “طاف البعض فقط بتحليل الخطابات المولوية سياسيا ولم يتوسلوا بالأدوات القرائية اللسانية إلا من باب التوطئة المفاهيمية…،  وحتى من حاول غزل ألياف اللغة الخطابية الملكية، فَعل ذلك على استحياء وغازل المؤسسة أو نازل الحقول الأخرى، فتنازل بكل الأحوال عن العلمية طمعا أو وجلا أو خجلا، فاقتصر على الشق التواصلي وفق تناول سطحي لم يبرح الشق المفاهيمي”.

كما أورد الباحث أنه من باب الأمانة العلمية، قد أفاد من بعضها، “خاصة منهجية تقسيم الدكتور فتح الله عبد الناصر لدراسته الموسومة ” صفقوا لخطبة الزعيم: الاتصال السياسي في المغرب”، وبعضا من الأبنية الدلالية التي وردت في المصنف التيمي لعبد الرحمن شحشي في قراءته “لآليات اشتغال الخطاب عند الحسن الثاني في الحقلين الديني والسياسي”، رغم تغريدهما خارج الزمن السياسي الذي أراد الباحث لموضوع أطروحته أن يتحرك فيه، لارتباط طرحهما وأطروحتيهما بعهد الملك الراحل الحسن الثاني”، موردا في ذات السياق أن “المستشار الملكي، الدكتور محمد معتصم في تأصيله للتقليدانية الملكية دستوريا ظل بدوره واقفا عند عتبة  المدخلين السياسي والدستوري”، وأنه “آنس نفس التماشي مع سنة تحاشى المقاربة اللسانية في العديد من البحوث المتراصة في طبقات  جيولوجيا وجنيالوجيا النسق السياسي المغربي، ولدى ثلة من أركان البحث، بما فيهم رائد البحث الأنتربولوجي جون واتربوري في كتابه حول “الملكية والنخبة السياسية في المغرب”.

في هذا السياق، أردف الباحث بالقول “لن أستعرض كل الأطروحات لأطارحها مواقع التقصير وسأُعرض عن ذلك لعلمي الصميم أن لأصحابها منطق كتابة وسياق مرحلة كانا يستدعيان بناء موقف ما  أو الحياد من خلال اللاموقف، وعدد من الاعتبارات التي كان يتعذر فهمها أحيانا حتى على خطاطات الفهم والمنطق”، وأن “استقراء البنية البحثية ذات الصلة بالمؤسسة الملكية أو حقل تحليل خطاب السياسة، يحيل على غياب نسبي لفئة بحث عبر تخصصي بين عالمي السياسة والخطاب وعِلميهما، ويستدعي جيلا جديدا من الباحثين في الميدان لرأب الصدع”.

في هذا السياق، استطرد صاحب الاطروحة بالقول أن “ما قيل عن الجيل الذي نحن بصدد البحث عن منتسبيه يدفعني دفعا للحديث عن الأسباب الذاتية” التي جعلتني أتوسم القدرة على توطين نفسي ضمن هذا الجيل: فضمن الأسباب الذاتية، يسعفني تكويني المزدوج في القانون واللسانيات لفهم التوالجات القائمة بين حقل السياسة وعلومها وعلوم اللسان، إضافة إلى ميلي إلى هذا النوع من الدراسات عبر–التخصصية (اللسانية والسياسية والاجتماعية والنفسية…)، الرامية إلى تفكيك الخطاب ومعرفة أنظمته، وبالتالي النفاذ إلى مراميه، فأدلي بدلوي أسوة بزملائي الذين تناولوا برحاب هذه الجامعة ألوانا خطابية إقناعية أخرى في حقول غير حقل الخطاب السياسي وسياسة السّاسة (كالخطاب الإشهاري الذي تناوله زميلي مصطفى حفاظ أو أطروحة الزميل الموريتاني عبد السلام ولد بلاهي ولد دحان حول التواصل السياسي ودور وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام، أو الموضوع الذي وقع عليه اختيار أخي الكاتب العام الحبيب قابو عندما قارب لسانيا الخطاب السياسي بالمغرب، أو الخلاصات التي توصلت إليها الأخت بشرى البهيجي بعد تفكيكها لآليات وإواليات الإتصال المؤسساتي في المغرب من خلال نمَوذج الوكالة الحضرية لإنقاذ فاس، أو ما قدمه زميلنا في مهنة القلم الصحافي القدير لحسن والِنّيعام حول تجربة الصحافة الجهوية بالمغرب) “.

“فما أنزه نفسي وأطروحتي عن الذاتية لان كان في اختيارها حظا للنفس، فقد أردت فعلا أن يقع اختياري على موضوع أطروحة بِكر لم تُعبِّدها أقلام الباحثين، فيجد طلبة الكلية قطوفا مما أدنيناه منهم دون شتات بين الديار، فيولون الأدبار ليجدوا ضالتهم تحت ظلال هذه المكتبة وبين دفتي الأطروحة التي أردناها مقدمة لمشروع توأمة جامعية، نُقارب من خلالها لسانيات وسيميائيات الخطاب الملكي لنُقرِّبها من دويلات  الجوار المعرفي والجامعي”.

وحسب الباحث، فقد كان “مناط هذه المجازفة الأكاديمية في دأبي على أن أُنجح هذه الزيجة المختلطة دون أن أَجنح في هذه المهمة المسحية لأركيولوجيا الخطاب الملكي والسياسي عموما، فأقدم مساهمتي أسوة بإخوتي، في أفق الخروج مستقبلا بفريق عمل عَبر- تخصصي ينهض بمهمة تتبع الإنتاج الخطابي الملكي والسياسي الوطني تَصوُّرا، وصياغة، وتحليلا وتناولا لمستويات توقيعه وقياسا كميا لدرجات وقعه”.

وعليه، فإن “حديثي عن الذاتي جعلني لا أرجم بالموضوعية المُطلقة التي تَطلِّق الذاتية عند اصطفائي لخطب دون غيرها ضمن مدونة خطابية ملكية ممتدة زمنيا وتيميا على مساحة فترة 18 سنة من الحكم، لإستحالة الإنطلاق من جميع الممارسات الخطابية الملكية (خطابات، حوارات، رسائل، كلمات ترحيبية…) وكذا صعوبة تحنيط تلك المدونة الخَطابية الممتدة في أطروحة لها سقفها الكمي: فحتى عند اختياري لفقرات بعينها دون سواها، أو عند إيثاري لشذرات دون أخرى، فقد كان في الاختيار منسوب من الذاتية، على نحوٍ كان يُنذر بخروجي عن جادة الإختيار الموضوعي، لأن الإعجاب ضرب من ضروب النفس التي تَعيب البحث الاكاديمي، فكان لزاما علي أن أكبَحَه من خلال خطاطة محاذير وتحصينات منهجية سطرتها سلفا للبحث”.

وعليه، “فقد قلتها صريحة فصيحة لما آويت في الأطروحة إلى سَوْق عدد من المحاذير التي تعصمني من الذاتية ومن مغبة السقوط الموغل فيها، فخلِّصت ذمتي منهجيا وأخلصت لسَنن الموضوعية وسُننها عبر رُزمة ورزنامة من الضوابط المنهجية، فحجّمت وقزمت ولجمت هذه الذاتية وتحررت منها لما تحريت تكثيف المقاربة الوصفية، واستخرجت جداول إحصائية، واعتمدت مؤشرات كمية مُتحصَّلة من عمليات تفتيت النص وتحويله إلى أرقام وبيانات وخطاطات”.

ولكي يُستتب للدراسة أمر تغطية كل المداخل النظرية والتطبيقية، طرح الباحث “العديد من الأسئلة البحثية الناظمة وطارحها سُبل التفكيك، فتناسلت بشكل مسترسل فولدت الواحدة الأخرى وفق الآلية الفرويدية لتداعي الأفكار الحر، حتى ناهزت 387 سؤالا بلورناها بإيجاز المقال حول حاملين توكأ عليهما جسد الإشكالية”.

وقد شكل هذان الحاملان “قادحا لبحث ما تواريه الخطابات المولوية من عوالم استراتيجية خطابية وتواصلية، تراعي السياق، وتتصف بالإتساق، وتروم فهم الأنساق الإتصالية وخواريزمات خلق التتبع الجماهيري ومؤشرات التتبع والإجابة والإستجابة وقنوات الإبلاغ ورسالية الإقناع، خدمة لمأرب الانسياق وتحقيق الإجماع على محورية المؤسسة الملكية في النسق السياسي المغربي باعتباره الضامن لوحدة التشكيلات الموزاييكية واللغوية والقبيلة والجهوية المغربية”.

وعليه، فقد تفرقت مشاريع الأجوبة عن الإشكالية بين “ديار فصول أربعة وتفرعت بعدها بشكل عنقودي en grappes، وارتصفت وتراصت على وجه 500 صفحة ونيّف، فجيء لجل الأسئلة بمحاور مُجزاة والتُمِسَ من اللغة ومنها أن تجزي الكيل كيفا وكما، علّها تولجنا إلى عالم البلاغة المولوية”.

بشكل تفصيلي، فقد أورد الباحث حديثه في الفصل الأول عن أهم ملامح مورفولوجية الخطاب الملكي من خلال “قراءة في  الشكل ومستويات الإتســـاق التـــرتيبي والتركــيبي للخطاب الملكي والصياغة وإبداع الصاغة، والشكل الهندسي والطقوس المرتبطة بالإستهلال والإستقبال وتهييئ شروط الإقبال التي يوطئ لها  الإعلان المعلن للعنوان وللفعل الخطابي من خلال لازمة “صاحب الجلالة يخاطبكم”……….فضلا عن قراءة في لوغاريتمات تفكيك بعض الوقائع اللغوية، والوقوف على الاستلزام الحواري، لعلاقته بالأفعال الأنجازية غير المباشرة ودوره في معالجة الأساليب الخبرية المستلزمة خبريا (في الجملة المثبتة، وفي الجملة الخبرية المنفية، وفي الجملة الخبرية المؤكدة)، وكذا في معالجة الأساليب الإنشائية المُستلزمة حِواريا (في الامر والنهي والإستفهام وفي النداء أيضا) “.

فإذا كان الفصل الأول قد وقف عند الشكل ومستويات الإتساق الشكلي، فإن الباحث قد أفرد الفصل الثاني للحديث عن “سياقات التشكل وعلى مستويات السياق، وخصيصة تنويع الأساليب الخطابية والإستراتيجيات التداولية التي توقع بها المؤسسة الملكية أفعالها المادية وإشاراتها الرمزية، فترِد في سياقاتها المخصوصة لترسم المآل بعد مراعاة سياق الحال والسياق الموقفي، ومستويات الإدراك الملكي وحتى لحظات الإستدراك، فتعطي بذلك للملك ولخطاباته مستويات قبول ومنسوب إقبال يحضان على الإذعان الإرادي والإنسياق الجماعي أوالأحادي-الإنفرادي”.

وانسجاما مع العنوان الفرعي للأطروحة، (محور بلاغة الإيجاز وفصاحة الإنجاز)، ذهب مسار البحث في اتجاه الحديث عن “بلاغة الخطاب المولوي من خلال توصيف محددات الإيجاز والقوة الإنجازية للأفعال الكلامية، وتم تعقب القوة الإنجازية للأفعال للوقوف على الإدراك الملكي لمفهوم الأفعال اللغوية المباشرة وغير المباشرة، وتقويته للعناصر اللغوية وغير اللغوية أيضا، كما وردت مُتضمَّنة في أسلوب التوكيد والمؤكدات وسلطات جلالته التكلمية، والحُكمية والحاكمية والتوجيهية والتبليغية التي تجعل لمنطوقه هِبة وقوة مستمدتان من منزلة المؤسسة الملكية”.

كما اوضح السيد ياسين ازريعة أنه ركز على قيمة الإيجاز في النص المولوي بعيدا عن الشكل الذي يُدرَّس به الإيجاز “كمبحث من مباحث علم المعاني وعلم من علوم البلاغة، بتسليط الضوء على قيمة الإيجاز في بلاغة النص المولوي ودراسة تطبيقية لمتنه، حتى نتلمس أوجه الإيجاز فيه والقيمة البلاغية لعدد من الشواهد النصية اعتمادا على التحليل المباشر للنص من خلال نظرة استقصائية داخل السياق” وبمناى عن “النماذج المكررة لأنواع إيجاوز القصر وإيجاز الحذف التي تحفل بها ادبيات التوثيق البلاغي وعجزهم عن وضع ضابط لإيجا القصر في نص الإعجاز البلاغي القرآني وسيرهم وفق قواعد مائجة مضطربة تأخذ  البحث بالحدس والتخمين أكثر مما تأخذ بالقاعدة والتقنين”.

في حين انصرف الفصل الثالث للحديث عن “أنساق تواصل الملك مع شعبه، من خلال ثنائية الرسائل والوسائل، حيث حَرِصت على تجاوز وسائط النسق الإتصالي الكلاسيكي للسلف التي أُفرِدَت لها سلفا العديد من الأطاريـح الجامعية، لأبسط الحديث بشكل حداثي عن القنوات والأوعية الإلكترونية الحديثة لضخ الخطاب الملكي الواعي في وعي الحقل الخطابي السياسي المتداعي، وعن منهجية المستشارين الإعلاميين للملك في استثمار الهِبة التكنولوجية لوسائط وشبكات التواصل الاجتماعي للجم الهَبّة الإحتجاجية الجماهيرية في عدد من المحطات المفصلية”.

وقد بَسط الباحث ياسين ازريعة الحديث مفصلا عن فضاءات التفاعل مع العاهل وتوزعها بين “تفاعلية المنظومة المشهدية ومجاز رد العاهل الفاعل على انفعالية النشطاء الإلكترونيين، والحركية والتكثيف الخطابي الملكي الذي يصاغ على عجل لمواجهة الحراك والحَركة والحْرْكَة الخطابية المضادة، من خلال الحديث عن المؤسسة الملكية بين:

-تجدد الرســـائل وتمدد الوســـائل؛

-التدوين الرقمي الرسمي ومدونات الإعلام الإسمي من خلال نموذج المُدوِّن أو سفيان البحري صاحب موقع “كريم روايّال”، ودوره مؤخرا في تقليص مساحات الإبهام الحالي ووقف تناسل الإشاعات حول الوضع الصحي لعاهلنا وحياته وشؤونه الأسرية لتييسرها لشعبه، وما استتبع ذلك من ترسيخ ملكيٍّ لثقافة السيلفي مع شعبه الوفي، خرق فيه جلالته ما عرف عن احتراز سلفه من إقحام الشعب في الحدائق العائلية للملك الراحل”.

كما تحسس الباحث مورفولوجية “الرسائل العنوانية الآنية الموازية، وما تنطوي عليه حروف التشكيل وكذا الأداء البصري للشكل الكاليغرافي، فضلا عن خلفية الإبلاغ البصري وخلفياتها البلاغية ومهارة صناعة المعالجة الإعلامية، ودور الإشاريات الشخصية لجلالته”.

وفي اعتقاد أحد أعضاء اللجنة، كان بالإمكان اجتزاء هذا المبحث لجعله موضوع أطروحة أخرى لجِدته وسبقه، قبل ان يُعقب باقي الأعضاء ويعتبرون أن أربع أطروحات أخرى يمكن أن تستخرج وتَخرج من جلباب الاطروحة.

وقد ساق الحديث عن الوسائل والتعاطي الإعلامي مع الرسائل الملكية لتوجيه بوصلة البحث للحديث في فصل رابع  وأخير شَطر “دور كتبة العرش ولفيف الإستشارة في الإشارة على الملك والتأشير على خُطب القصر وصاحب الإمارة، فضلا عن مهارات الصاغة في ترويج البضاعة في أسواق التداول الخطابي، وخبايا الأمور وما يدور ويمور في كواليس الكتابة وأوراش الصناعة والمعالجة الإعلامية للخطابات والرسائل الملكية، قبل أن نعرج في نهاية المطاف على محددات الإنسياق وراء خطاب ملكي بديل لخطاب سياسي هذيل”.

في هذا السياق، ولعلم الباحث الصميم بأن “الأشياء تُعرف بضدها، وبمنطق مقياس المقارنة المعيارية Benchmarking، انطلق من الخطاب السياسي بمستواه الشعبوي الهزيل والهذيل، وتطرقنا لفجور الخصومة وما شهده ولم يحبذ الباحث الإستشهاد به من تبادل للتقريع في لحظات المقارعة والجدل البيزنطي بين أجيال العمل النقابي والسياسي، وما وقف عليه من محاولات بائسة ويائسة لكل فاعل سياسي في بناء نصية خطابية غير متماسكة، تستمسك بناصية كاذبة، وما يعرفه كل كرنفال انتخابي من توالي خطابات التحقير الآخذة بمسوح السخرية والتصغير والتشهير بمنتوج الغير، وما سجلناه من التباس في الموقف وتلبس بتلبيس الخطاب الحزبي لبيلسة الآخر…وما تواريه من خطاطات تدافع من أجل المواقع والمنافع”.

بالمقابل، تطرق الباحث ازريعة ياسين “لمسالك التأليف ومناط التكليف بصياغة خطابات ملكية لا تدافع فيها ولا دفاع ولا اندفاع، فوجد فيها خطابات ترافع، تترفع عن التدافع، وترفع سقف تداولها لتدويلها، في فصحى خطابها إفصاحا عن الواقع دون رتوش أو سفسطة، وتقليصا لمساحات الإبهام وتوسيعا لفسحة الإفهام، مع تغليب الإظهار على صناعة الإبهار أو تصنُّع الإنبهار، وإيثار التفسير على التبرير، والدأب الدائم على التحليل والتفكيك بدل الإنزلاق في مهاوي التشكيك… مع توزع الخطابات بين بنائية وبيانية، تأليفية وموقفية وأحيانا توفيقية لوقف النزيف الذي كان سيعصف في العديد من المحطات باستقرار المملكة ومصالحها وملفات مصالحاتها وأوراشها الإصلاحية الكبرى”.

 

ضمن الخلاصات والتوصيات التي توصل إليها الباحث والآفاق الجديدة التي يفتحها البحث، اورد صاحب الاطروحة ما يلي:

“رسالية رسالة الدكتوراه يجلوها تجاوزي للفوبيا البحثية التي ميزت عهد الإنقلابات والدسائس، وما استبطنته من توجس خيفة من تحليل خطابات السائس، مع الإشارة والإشادة بالفتح البحثي الذي شكله عهد محمد السادس: بعد أن كان المرء لا يفتح فمه إلا وهو مُسجَّى فوق كرسي طبيب الأسنان، شاء الله أن تطلق الألسنة من عقالها والأقلام من معتقلاتها، فكُسِر جدار الصمت والخوف من تفكيك الخطاب السياسي والتحرر الإعلامي من السلطة المنتجة للخطاب، في سياق مرحلة عرفت تقزيما لعالم اللغة واللسانيات لحجبه عن عالم السياسة، وبالتالي وصد باب التحليل واحتمال تحايل اللغة، وبالتالي الحيلولة دون فتح الباب للتبكيت أو التنكيت”.

“لذا، نروم مستقبلا المضي بهذا البحث الأكاديمي قدما في اتجاه رفع حالة توجس اللغة من دخول ردهات المعترك السياسي، لتفسح السياسة المجال للغة وتصفح عنها فتمكنها من تصفح أوراقها ودخول معتركها وجبهات معاركها، فتضرب بذلك صفحا عن عقود من القطيعة، فندشن مرحلة عنوانها الأبرز خلق التوالج والتواشج بين عالمين وعِلمين هما لَعَمري متنافران: علم اللغة وعلم السياسية، علّنا نحوز بذلك قَصب السبق في التقريب بين العَدْوَتين العَدُوَّتين”.

“كما رسمنا ضمن مسارات تصورنا المسقبلي الإسهام في تشييد بلاغات نوعية تمهد الطريق أمام التأصيل لقوانين بلاغية كلية لضبط الصفة البلاغية لمختلف أنواع الخطاب وصيغه وأنماطه بعيدا عن التنميط والتحنيط اللذان لازما البلاغة ووصماها لقرون بالسفسطة، معبرين عن إشادتنا بالحركية الحالية للدرس اللغوي الحديث في مجال إعادة الإعتبار للبلاغة، مُذ وطّأ لها بيرلمان، فوسّع مفهوم البلاغة، فصارت بفضله علما عاما للخطابات، قبل أن يدأب على دأبه رواد الساحة اللغوية المغربية لإعلان تبني نفس الحركية البحثية التي كان كُل من الأستاذ محمد العمري والقارئ السيميائي والمترجم الجاد سعيد بنـﮝراد والحجة الثقة في الحِجاج اللغوي أبو بكر العزاوي ثالوثَها الأبرز”.

وعليه، تحذونا مستقبلا رغبة شخصية للإنخراط الجاد في هذه الحركية البحثية لندلي بدلونا بمعية ثالوثها المغربي المذكور (محمدالعمري/ سعيدبنكراد/ أبو بكر العزاوي) وحتى المغاربي، وتتبع مسارب الجدل النظري والنقاش الدائر، في سياق التمدد الأفقي المغاربي لإطارات الحركية البلاغية الجديدة حيث كان لي سابق لقاء تاريخي جمعني في تونس بالدكتور المميز ووزير التعليم العالي ورائد التصوير اللفظي والديبلوماسي القدير عبد السلام المسدي، فضلا عن لقاءات بالشيخ الوقور حمادي صمود، وباقي رموز المدرسة التونسية (بجيليها وتياريها الكلاسيكي والمجدد)، في انتظار توسيع مجال زياراتي الودية والمريدية لباقي شيوخ البحث اللساني بالجزائر بعد رجوع العلاقات الثنائية إلى سابق عهدها، فيكون إعادة فتح الحدود الترابية والنفسية مع نظام جارتنا الجائر فتحا اكاديميا على البحث اللساني المغربي بسبب النشاط البحثي المميز للجامعات الجزائرية”.

واختتم الطالب الباحث تقديمه لأطروحته بالقول “كي أبقى في إطار اللياقة وأنضبط لضابط السقف الزمني وأضبط مداخلتي مع عقارب ساعتي، أقول انه آن الأوان لأضع القلم وأستغفر المولى إن زلت القدم، ورجائي أن تلقى الأطروحة حظها من المناقشة والمفاتشة والملاحظة والتدقيق والتحقيق، فتجد بذلك سببا لتسويغ ذاتها وتثبيت لبناتها ضمن باقي الأطاريح ، فتُثري الكائن وتتيح تلمس سبل الممكن في حقل تحليل الخطاب السياسي.

فكانت زبدة القول الفصل في عبارة وقف بها الباحث على بوابة الكلام بعد ان ألح في الإجابة عليه وفتح مسارب النقاش، صرح بموجبها على أنه “بالرغم من علمي بأنني أطللت وكان حريّا بي لو أطللت، فلي اليقين أن لأعضاء اللجنة الموقرة من حاتمي العطايا وكريم السجايا ما يشفع لي، فلا عتاب إن تجاوزت العتبة الزمنية، وشكرا على سعة الصدر وحسن التتبع وطيب الإصغاء”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد