القبر الأبيض المتوسط..


بين الوطنية والشوفينية خيط رفيع، وبين الوطنية والتكسب بها خيوط أوهى من بيت العنكبوت، وهذا حال من تذكروا الوطن فجأة، حين رفع شباب غاضبون شعارات تدعو لإسقاط الجنسية ،وتمجد المستعمر السابق،وبدأ هؤلاء “الوطنجية” في سب شباب، هو في المحصلة النهائية ضحية للتجهيل والتفقير والحكرة، ونعتهم بالغوغائية والخيانة، طبعا، تلك الشعارات غير مقبولة، بل ومؤلمة، ولكن من قلبه على الوطن-لا جيبه فقط-عليه أن يتساءل بانتباه عن العوامل التي أوصلتنا لهذا الوضع الذي يكاد يصل مرتبة الكفر بالوطن، “أنا مش كافر،بس الفقر كافر،،،”، فالوطن ليس نشيدا رسميا، يمكن تغييره بنزوة حاكم أو بسقوط نظام، وليس راية ترفعها الإنجازات وتنكسها الكوارث والوفيات، راية يجب أن تمثل المشترك،لا أن يتم توظيفها بخبث في “شيطنة” حراك، أو في دعاية بلهاء على خصر مطرب (ة) بمقابل مادي، أو في خنق محتجة من البسطاء، ظنت أنها باحتمائها بالراية ستقي نفسها وأهليها شر الركل والرفس وغيرهما من ضروب التدخلات الأمنية، التي لا تراعي مبدأ التناسبية، الوطن هو الجغرافيا والتاريخ والمشترك الذي تسيج حدوده: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ويحميه المواطنون الذين اكتملت مواطنتهم بسيادة القانون وسموه على الأنساب والمواقع والمصالح.

الأستاذ خالد البكاري

ما وقع بتطوان كان منتظرا بعد التراجيديا التي أودت بحياة فتاة كانت لها أحلام بسيطة، فقتلها “الوطن” المفترى عليه مرتين، الأولى في عرض البحر،والثانية في جنازة أشبه بالاختطاف القسري، وطبعا خرج التبريريون –وأغلبهم لم يطلب منهم شيئ،بل هم من محترفي عرض الخدمات- ليلووا عنق الحقائق والقوانين بحثا عن مسوغات لإطلاق البحرية الملكية النار على قارب يحمل مرشحين للهجرة غير النظامية، والمشمولين بحماية القانون الدولي حول الهجرة الآمنة، الذي يجعل من واجب دول العبور والاستقبال حماية السلامة الجسدية والحق في الحياة للمرشحين للهجرة غير النظامية أثناء عبورهم البحر، وبعد تأمين ذلك،فلكل دولة الحق في مباشرة الإجراءات القانونية الوطنية بما يتوافق مع المرجعية الحقوقية الكونية، فاستعمال الرصاص الحي في هذه الواقعة،وحسب المعطيات المتوفرة لحد الآن ، (شح المعطيات دليل على أن المبدأ الدستوري القائل بالحق في المعلومة مجرد حبر على ورق) كان خارج أي تقدير قانوني أو سياسي سليم، ولم يراع أن هذا الإجراء الذي لم يكن له من داع، لوجود بدائل أقلها إجبار الزورق على العودة للمياه الإقليمية الإسبانية، ما دام انطلق من سبتة (ذاك وجع آخر)، لم يراع تداعيات الحدث في بيئة اجتماعية محتقنة، ولا تحتاج للعب بأعواد الثقاب أمام أكوام التبن تحت شمس ملتهبة.

من يتحمل المسؤولية في واقعة جعلتنا نتصدر عناوين الأخبار العالمية، ولكن بشكل يضر بسمعة بلد، صوره الإعلام دولة تقتل مواطنيها، لأنهم قرروا الفرار منها،على شاكلة السيد الذي كان يطارده عبيده الفارين من ضيعات الجنوب الأمريكي بالبنادق ذات عبودية،،؟؟
لا يمكن أن نبرئ أوروبا التي تشدد قوانين الهجرة والتنقل إليها، والتي تتحمل مسؤولية كبرى في الأوضاع التي تؤدي بمواطني الجنوب للتفكير في الهجرة،سواء بسبب ماضيها الاستعماري أو بسبب دعمها لأنظمة مستبدة فاشلة،أو بسبب هيمنتها على مقدرات بلدان الجنوب ومواردها الطبيعية والاستراتيجية، ولا يمكن أن نبرئ أنظمة الدول المصدرة للهجرة،بما فيها النظام المغربي، بسبب سياساته الإقصائية وغياب العدالة الاجتماعية والمجالية ،وتعميق الفوارق الطبقية، وانعدام تكافؤ الفرص في التعليم والصحة وحتى أمام العدالة، أما الحديث عن مافيات التهجير السري والاتجار في البشر ودورها، فهو بحث في النتيجة وليس في السبب، هذه المافيات تنشط في كل معابر الهجرة غير النظامية غرب المتوسط وشرقه، في أمريكا اللاتينية وفي القرن الإفريقي،، فكلما ازدادت عسكرة الحدود وتشددت قوانين الهجرة واللجوء، إلا وانتعش نشاط هذه الشبكات المافيوزية، التي تعيد بناء نشاطاتها بشكل دوري رغم كل الضربات الأمنية، لوجود طلب متزايد عليها.

فرجاء،لنسم الأسماء بمسمياتها،ولا نستأسد على شباب أخطأ في رفع شعارات،بسبب الغضب والحنق و”القهرة”، ونلصق به تهمة “خراب روما’ بسبب لا مبالاة نيرون،،، والرحمة على الأرواح المدفونة في القبر الأبيض المتوسط،، أرواح “عزيزة عند الله”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد