بعد الرأس

معضلة سيزيف.. أو طريق الديموقراطية

“مسكينة تلكَ الأمة التي تحتاج إلى أبطال”
برِشت

وسط المقال

كيف يحضر الشعب في عقلانية الدولة؟ وهل هذا الحضور يوازي الزخم المستمر لحضور العقلانية السياسية في ذهن الشعب؟ قد يبدو مستغرباً أن نطلقَ كلمة “شعب” هكذا دونَ أن نطرحَ لها فهما محدداً وتأويلاً معيناً ، وربما كلمة “شعب” من أكثر المفاهيم استعمالا في حقلنا السياسي والاجتماعي، دونَ بيان وظيفتها الدلالية والعملية، ويبدو أنّ هذا الابهام هو ما يرادُ تحقيقه لأنه يجد معناه العملي في عقلانية الدولة وأجهزتها.

الاستاذ أنس الشعرة

تمارس السلطة السياسية في المغرب دور الأب الرشيد! الذي يضع وصايته على الحرية الطبيعية والسياسية للأفراد والجماعات على حدٍ سواء، فبدل أن تمارس دورها المنوط بها: الانتقال من سلطة الوصاية، إلى سلطة القانون وممارسته – ممارسة العدالة-، فإن هذه الممارسة تكاد تغيب عن المشهد ككل إلا في بعض الحالات، ما يعطينا صورة ناصعة عن ما هو عليه شكل الدولة وعقلانيتها، إنه اجهاز على حقوق الإنسان، وهذا يعني الانهيار الأخلاقي والسياسي للدولة.

تطالعنا هنّا أرنت Hannah Arendt في كتابها حول الإمبريالية أن أفول دولة ما، يعني نهاية حقوق الإنسان، هناك علاقة ضرورية تجسر هذا التصور، اذ تتجسد هذه المفارقة في انحطاط الحقوق الطبيعية والمدنية والاجتماعية والسياسية للمغاربة، انحطاط يستتبع بالضرورة انهيار الدولة كنظام أخلاقي وسياسي في أذهانهم. من هذا المنطلق فإنّ كل دولة لا تحصرَ سلطتها في الإرشاد والمتابعة المدنية –مع التدخل في الحالات التي تستدعي ذلك- فسلطتها ساقطة أخلاقيا-سياسيا، ويمكن الحكم على ذلك انطلقا من ممارستها التي لم تصل بعد مرحلة العقد الاجتماعي، إذ لا يمكن لسلطة سياسية النجاح، وهي تمارس سلطتها من أعلى في اقصاء تام لما عليه الحياة الاجتماعية والاقتصادية لأفراد المجتمع الواحد- المتعدد، إنّه رهان خاسر منذ البداية، لأنه يرهنُ ذاته في نموذج لم يستجب للمصالح والطموحات الطبقية الدنيا التّي تمثل سواد الشعب المغربي.

إذا ما أرادت الدولة أن تفسح المجال أمام الديموقراطية، فربما أحد طرق ذلك أن تمر عن طريق الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، كي تنتج الأحزاب برامجها وينتجَ عن ذلكَ تنافس وتتقوى المعارضة المستقلة التي تستطيع خلق توازن في ممارسة السلطة، لا التسابق نحو تحقيق رغبة الملكية وبرامجها. وأن تبادر هذهِ الأحزاب لطرح نموذج تنموي عضضه التعليم الذي يضع رهانات بديلة في ظل الرقمية المعاصرة.

إنّ الخيار الديموقراطي في المغرب، لم يعد مطلبا وفقط، بل أصبحَ ضرورة- حتمية اجتماعية واقتصادية وسياسية، وإلاّ فإن نبوءة الاقتصادي الراحل إدريس بنعلي هي الجواب عما ستصير إليه وضعية الدولة أي وضعيتنا جميعا: “نحن أمام نهاية التاريخ في المغرب”.

أمام هذا الانهيار المتنامي، على مستويات عدة: سياسي، اجتماعي، ثقافي، اقتصادي، يتشكل العجز المغربي، باعتبارهِ استثناء! استثناء لم يبرح موقعه منذ ستينات القرن الماضي، والحال أنّ طريق الديموقراطية التي أوهمَ (المغرب) بها هيئات ومنتظم المجتمع الدولي –ابان المرحلة الانتقالية لتأمين سلسة السلطة ومرورها-، سرعان ما باتت تقلق راحته بتقارير متذيلاً هناك أسفل الترتيب، في قطاعات هي عضض الدولة وشكلها الأخلاقي-الاقتصادي (الصحة، التعليم، الشغل)، تفسر لنا هذه المعطيات أنّ عقلانية الدولة تتخلى عن عَقدها الذي قامت لأجله، وتفسر أيضا أنّ نصيحة مكيافيل Machiavel هي عقلانية الدولة وأجهزتها.

 

بعد المقال
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد