center

متى تزهر شجرة الليمون

يبدأ يوم كورونا كما سائر الأيام، شمس تشرق، ونور يسطع ..لكن منذ أن حط هذا الزائر المرفوض مدينتي حط بغطاء من الغمام الداكن. فأيام كورونا بتطوان غائمة شديدة القتامة، يضفي عليها الحجر المنزلي جو السجون الباردة الرطبة .. أتسائل : أين السلاح عفوا أين الشمس ؟ قال ابني ذي العشر سنوات متهكما، ساخرا هازئا : “أصابتها كورونا وهي الآن بالحجر الصحي في مكان ما بالمجرة، الخشية يا أبي من أن تنقل العدوى الى باقي المجرات أوالأسوء : أن تموت الشمس بالاختناق ” .. أدهشتني قدرة ابني الصغير على تخيل مشاهد الرعب الكوني .. ما تحمله نفسية أطفالنا من صور الفناء وحديث الكبار عن القيامة والنهاية سيحكم مصير الابداع والتخييل الانساني لسنوات طويلة قادمة.. إنهم الآن يشحنون مخيلتهم بصور الموت والرعب !
غابت الشمس. لا ربيع قادم ..

بعد أن ألقيت نظرة على السماء من شرفة المنزل .. عدت الى الداخل التقتني زوجتي بفنجان سألتها “ما هذا ؟ ” قالت مستغربة “ما هذا !!؟ قهوتك !!” خشيت ان يكون ما بالكأس وصفة من وصفاتها التي تعلمتها من الدكتور الفايد: ” القرنفل والقرفة تقوي المناعة ” هكذا تردد وأضيف ساخرا : ” وحب الرشاد والبيروبوليس وغذاء الملكات” ثم أتعمد غيظها “وفرث الابل وبول البعير “.

تتجه نحو المطبخ ” حجرها المنزلي اليومي والدائم ” غاضبة .. على كل حال نحن نتعايش على الرغم من الاختلاف الكبير في وجهات نظرنا ..فهي ابنة هذه البيئة التي تربت على الخرافة إنها من الجيل الذي نشأ وفي جيبه حصن المسلم و التأويل الوهابي للدين .. في حين تربيت في بيئة كان الأب فيها صوفيا لا يمل من ذكر الله وتلاوة القرآن، حتى إنه قبل موته بثلاثة أيام وبعد ان فقد القدرة على تذكر أي شيء حتى أقرب أبنائه اليه ..لم ينس ان يصلي صلاة العشاء بالآية التي كان قد تعود دائما ان يصلي بها .”آمن الرسول “وكان يقول لنا بأن هذه الآية تجلب الأمن. كنا نستمع له وهو يصلي بها ونحن صغارا ونشعر معه بالأمن.. في تلك الليلة بدأ يكبر وسمعته يصلي بالآية نفسها حملت هاتفي وقررت أن أخلد هذه اللحظة الاخيرة بفيديو لازلت احتفظ به ..هذا الاب الصوفي كان اشتراكيا !! “اذن كان ملحدا صوفيا ” هكذا قد يصفه الآن أتباع الدكتور الفايد .. مرة كنت اناقش شخصا عزيزا وجاء على لساني ذكر العلمانية ..سمعت أحدهم صادف مروره بجانبنا يقول ” استغفر الله العظيم ” إنه يستغفر الله من ذكر العلمانية !

في هذه البيئة نشأت .. بيئة تؤمن بالاختلاف حتى في الذات الواحدة وتتعايش الافكار والتوجهات في البنية الواحدة ..
أحمل فنجان القهوة وأعود الى الشرفة، أرفع عيني الى السماء وأتحدث مع ربي بصوت لا يخرج من الصدر ولا يتجاوز الصمت : ” يقولون يا رب إنك غضبت، وقررت قتل الناس. كل ما أعرفه عنك انك تحيي .. وان الموت عندك بأجل لا يستقدم ولا يستأخر ..فانت الحي المحيي وانت الحياة ..فلم يقولون عنك أشياء يجهلونها..”

center

أنظر إلى شجرة الليمون التي غرستها بنفسي قبل ثلاث سنوات، ما فعلته هو أنني تركت ليمونة حتى اسودت ويبست من الداخل، ربما دامت المدة ثلاثة أشهر ، لم أعد أذك، حينما رأتها أمي تساءلت عن سر احتفاظي بهذه الليمونة قلت لها إني أريد غرسها بأصيص من الأصائص التي أهدتني إياها جدة ” الطيب ” صديق ابني الذي يلعب معه الكرة بالشارع، وذلك لما رأت ولعي بحديقتي الصغيرة في شرفة المنزل. ثم نصحتني أمي أن أغرس ليمونتي قبل شهر مارس قائلة ” الغرس يكون قبل مارس “. هي حكمة الأجداد، تنقلها للأحفاد، أو ربما هي غريزة البقاء تنتقل من جيل إلى جيل.. وهي مهارة اكتسبتها من الذين تعاملوا مع الأرض ليزرعوها بالحياة ..الآن تكمل شجرة الليمون عامها الثالث، والليمون مصدر طبيعي لفيتامين “c” الحليف الاستراتيجي للمناعة الطبيعية … أتوجه بالسؤال إلى شجرتي الصغيرة : متى تزهرين يا شجرة الليمون ؟ متى تنبضين بالخلود؟ متى تمدينني بالفيتامينات الضرورية لمواجهة العدو المتربص بالحياة ؟
أعود الى الداخل .أجلس وحيدا أتصفح الفايس بووك ..مازال “ن.ن ” يسخر كعادته، كتب : (ما فهمتش علاش تدوينة كانتحدى فيها أي واحد ينكر أن الفايد مقمّل و ما كايغسلش سنانو بالدونتيفريس ، قلقات الأتباع دياله ؟… و سبوني و عايروني مع ان هاد التدوينة رآه كاندافع فيها على الفايد… و أجزم فيها أنه رجل أفعال وليس فقط أقوال… راه ما كانظنش انه غاينصح الناس بشيء و يفعل عكس ذلك…
حشومة يا أتباع الفايد، ما تسيؤوش للدكتور !… بالعكس… افتاخروا بذلك ، وقولوا بلي حتى نتوما مقمّلين وبلي الدونتيفريس والشيتة د السنان ما كايعتبوش ديوركم…
وما فيها بأس گاع ديرو، شي حملة مقاطعة الشامبوان…)
..أما الشيخ “ح. س” فكتب : (إخواني في الله: ونحن على أبواب الشهر الفضيل، لماذا مثلا ما نديروش “سفوف البعير” وشباكية “فرث الإبل” على موائد الإفطار باش المناعة ديالنا ترجع مسلحة أكثر من الإسمنت؟ )وختم بوسم : #من-أجل-مناعة_قوية)

لكل زمان رجاله، وشخصياته التي تقتحم المكان وتروض الزمان، تصنع الأمن بالابتسامة في زمن الرعب، تقوي المناعة بالكلمة وليس بفرث الحيوانات، إنها تبحث دون كلل عن الحياة قبل الموت في الوقت الذي يبحث فيه الأخرون عن الحياة بعد الموت !

هذا هو اليوم الأول من خمسة عشر يوما، هي مسافة عمر ومسيرة حياة يحدد بدايتها ونهايتها فيروس لعين . قد لا نلتقي بعد خمسة عشر يوما .. ففي كل يوم نبدأ العمر من جديد، وبعد أن غابت الشمس تحدد العمر في خمسة عشر يوما قبل الكارثة ، أي قبل المواجهة النهائية المباشرة مع الموت ( ذكرتني هذه الجملة ” المواجهة النهائية” بالسنة الماضية حيث كنا نستعد لمشاهدة المواجهة النهائية بين ليفربول وبرشولة في الأمفيلد . يا لها من ليلة) .. ماذا بعد خمسة عشر يوما؟ بكل ثقة أقول لن ينتصر الموت.. الحياة معجزة الله ولن يتخلى الله عن معجزته و عن دليل وجوده.. قال أبو بكر الشبلي ” إن الله موجود عند الناظرين في خلقه مفقود عند الناظرين في ذاته” وهذا عمق الخلاف بيننا وبين مع من يريدون أن يروا الله جهرة..

انظروا إلى أقرب شيء إليكم، بل، إلى ما هو أقرب إليكم من حبل الوريد، هناك ستجدون الله : في جاركم الجائع، في وجع مريض، في قطة لم تجد فتات طعامها.. وفي زهر شجرة ليمون يتفتح في الربيع في شرفة منزل يتحصن بداخله المؤمنون بالحياة ..المؤمنون بالله …

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد