- Advertisement -

- Advertisement -

انتصار المغرب التطواني وعودة النقاش كل مرّة إلى نقطة الصفر

حروف صغيرة: محسن الشركي

محسن الشركي

انفلت فريق المغرب التطواني مؤقّتا من حالة الاختناق والتخبّط التي عانت منها كل مكوناته بسبب اختيارات مسؤوليه الفاشلة والمهترئة. واسترجع الفريق الأمل والبريق وتنفس الصعداء بانتصاره بعد طول انتظار على نادي الفتح الرياضي نتيجة وأداء، وبتركيبة غالبية عناصرها متشبّعة بجذور وهوية وأساليب مدرسة المغرب التطواني على مدى سنوات خلت.

حقيقة انتصار الماط يعيد النقاش لدرجة الصفر، ويؤكد مصداقية ما قلناه مرارا وتكرارا دون أن يحقّق صدى ” حروف صغيرة” صدمة لعقلية تسيير متجاوزة، تبحث عن حركية سوق كرة بائرة ، وتقحم نادي المدينة الأول كل مرة في عملية بيع وشراء بالجملة لخردة لاعبين، ولا تقدّر بتاتا قيمة ما تمتلكه تطوان من ثقافة كروية عميقة الجذور، تمتح وتستلهم من أعتد مدارس كرة الفرجة والمتعة في الضفة الشمالية. وعلى هذا النحو التدبيري الممنهج والملتبس والنظرة الذاتية الضيقة، فإننا إزاء عقل لا يبالي أيضا بما تزخر به المدينة من طاقات بشرية جواهر اللاعبين وكفاءات عالية محلية في مجال التأطير والتكوين وفهم عوالم الكرة….إنّ من يخطئ الاختيار في ظل هذه المعطيات لا يستفيد من التجارب، ولا يقرأ الماضي القريب للألقاب ولملاحم الانعتاق من الاندحار إلى القسم الثاني ، بل وببساطة يعلن نفسه مناهضا لتاريخ الكرة بالمدينة لأنه يسبح ضد إمكانيات الأحمر الأبيض وتطلعات القاعدة العريضة المنتمية لهويته..

ببساطة، انتصار الماط، مظهره في الملعب وجذوره في التكوين، ولا شك أنّه أثار حالة انتشاء طبيعية لكل الأطر المحلية التي وضعت فكرة أو لبنة في صرح لا يخجل بعض قاصري الرؤية من تخريبه كل مرّة، بتهميش نتاجه من المكوّنين واللاعبين، وبإجهاض الأفكار والتجارب التي تصبو إلى استثمار هذا الزخم والتراكم. فعلا إنّه انتصار يؤكد أنّ فريق المغرب التطواني لا أفق يغطّيه ولا مستقبل ينتظره، إلاّ إذا كرّس لنفسه استراتيجيا نموذج الفريق الذي يعتمد على غالبية أبناء المدرسة، مع تطعيمه في حدود قصوى بثلاثة أو أربعة لاعبين يصنعون الفوارق والإضافات النوعية، على أن تكون أسماء بارزة من طراز عال وبقيمة مالية تضاهي سومات 15 لاعبا أو 20 لاعبا وافدا كل سنة ، رغم أنّ كثيرا منهم خردة مكرورة ومجرّبة في حركيات الفشل بين الأندية.

ويكفي أن نعلم، أنّ الفريق تجاوز سقف انتداب 75 لاعبا طيلة سنوات الضياع والمتاهة الأربع الأخيرة. حيث أن مسؤولي الفريق الحاليين أنفسهم، كانوا منذ سنتين قد أجهضوا عن جهل أو عن تحوّل غير مفهوم الغايات ، و ضيق في حساباته الشخصية، تجربة العودة إلى مدرسة التكوين وهوية المدينة وفلسفة الكرة التطوانية وثقافتها الراسخة، بالضبط عندما رفعوا شعار التوازنات المالية، وتكوين فريق بهوية مدرسة التكوين، وإرساء مشروع مدخله تحقيق البقاء في العام الأول للتسيير، والمراتب الوسطى في السنة المقبلة، وصولا إلى الألقاب في مدى متوسط معقول، وبالتالي بحثوا عن بلقنة متجدّدة لتركيبة الفريق بفسيفساء غير منسجمة من اللاعبين وأشباههم وافدين من العديد من الفرق.

انتصار المغرب التطواني على الفتح الرياضي درس بليغ للمسؤولين تحديدا ، وأيضا لجزء من الجمهور الذي يحارب منفعلا ودون وعي النضج الهادئ للتجارب تحت ذريعة شعار” تحقيق الألقاب هذا الموسم والآن” . إنّه درس لتكوين دام سنوات وكان نتاجه الحاضر في لقاء الفتح الرياضي: سعيد بومعيز، وعلي المنالي، وأيوب البوعدلي، وهلال الفردوسي، وحذيفة المحساني، والهواري، وقبلهم أيوب الكحل، وحمزة الموساوي، وكثير ممن حققوا ألقاب الفريق في السابق وصانعو عصره الذهبي الوطني والقاري، ومنهم أيضا من تم بيعهم بأسهم مرتفعة لكبريات الأندية، بل وهناك عدد لا يحصى ممن ضاعوا، أو تمّ تسريحهم لجلب لاعبين أقل مؤهلات وعطاء منهم بكلفات مالية لا يؤديها إلا متهوّر في إنفاق مال عامّ في أغلب مصادره.

انتصر الفريق بعودته إلى أسلوب لعبه المهضوم عند من تدرّجوا في فئاته الصغرى عبر عمليات الببناء من الخلف، والاستحواذ على الكرة وحرمان الخصم منها وجعله يلهث للحصول عليها، وبواسطة تمريرات متواصلة في إطار السهل الممتنع الذي لا يلعبه إلى خريج تكوين بلمسة أو بعد لمستين، ومن خلال تنويع الانتقالات السريعة عبر تمرير الكرات في الممرات واستقبالها فيها، مع ضبط إيقاع اللقاء بالتحكم فيه بنصف ميدان الفريق، وبتسريعه في النصف الثاني للخصم سواء بهجمات منظّمة أو حملات مضادّة، وبخلق التفوق العددي عبر صعود الظهيرين خاصّة بعد دخول حذيفة المحساني، ومشاركة لاعب ارتكاز سريع وأنيق هلال الفردوسي في الهجوم، لهندسة مثلثات لعب متحرّكة في جهة اليمين مع أيوب الكحل والبوعدلي، أو في اليسار إلى جانب خليل بنحمص.تتبع الجمهورراضيا تنويع طريقة اللعب عبرمحا ولات اختراق وسط دفاع الفتح، خاصة في التمريرات التي لم ينهها مصطفى اليوسفي في الشباك، أو من جانبي المعترك بعد التوغل والتمرير إلى الخلف بحثا عن القادمين من الوضعيات الثانية، كما فعل البوعدلي في الكرة التي كادت أن تعطي أول هدف للماط في الدقيقة 18 بقدم اليوسفي، أو كما حدث في التمريرة القاتلة التي منحت رصاصة الفوز من الهواري إلى البوعدلي.

تمتّع الجمهور الرياضي بصور تقنية ممتعة، عناصرها التكتيكية بماركا مسجلة عنوانها مدرسة الماط. وهي أوطوماتيزمات وميكانيزمات لعب لنتّفق على أنّه لم يفرزها تدريب يوم أو يومين، بقدرما تعبّر عن تأصيل واضح الملامح للكرة التطوانية، التي تستلهم نموذج الكرة الشاملة الممتعة في العالم. بعيدا عن رتابة أسلوب الاقتتال وخيار الصدامات الهوائية، وكثرة الأخطاء، والإبعاد العشوائي الطويل للكرة، وافتكاك الكرة والجري بها دون هدف حتى ضياعها، والانكماش المفرط في دفاع متأخر منحسر ومرتبك قرب الحارس، لا يقوى على الانتشار والتقدم كلما امتلك الكرة أو استرجعها.
فلماذا يلعب الفريق بنهج لا يوافق مؤهلات لاعبيه؟. إنّ لاعبي الذين يستحقون قميص الانتماء إلى نهج كروي أصيل، قوتهم ليست في العضلات المفتولة ولا في الطول الفارع ولا في الصدامات المتكررة على غرار سيارات ” ألعاب المعارض”، بل في الفنّيات وسرعة الإيقاع وفي الذكاء، والذكاء قمة التكتيك المتفوق.

ولماذا يصر المسؤولون عن الفريق والمنفعلون من الجمهور تحت ذريعة النتائج أوّلا والآن، على حرماننا من متعة فريق بهوية التكوين مدعّم ب 3 لاعبين بمسار بارز، ويختارون فريق سوق “البيع والشراء”، فتستنزف ميزانية الفريق بجلب لاعبين من درجة ثالثة ونسيجا آخر من خردة غير منسجمة لتنعدم الفرجة، والنتائج ، ويصير الحديث عن الألقاب مجرد سراب.. ونعود كل مرة إلى نقاش الصفر ؟؟؟.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد