يهمني المكسب السياسي للشعب ولا يهمني المكتب السياسي للحزب

من أحمد الخمسي إلى عبد الاله بعصيص

هذه المرة غضبي يشبه غضب افارقة امريكا الذين اسقطوا تماثيل رؤساء العبودية دون تمييز. تبا لكل زعيم يركب رأسه ويناوب بين المظلومية والانتصارية كائنا من كان.

اتجه الغاضبون في أمريكا بطرفيهما إلى أقصى شكل من الصراع: اتجه اليساريون إلى تحطيم تماثيل المؤسسين للولايات المتحدة ورميها في النهر. واتجه اليمينيون إلى الهجوم على مقر سيادة الشعب (الكونغريس) وعبثوا بملفاته ومنهم من كان على استعداد للقضاء على رموز الديمقراطيين. في مقابل ذلك، أوصت الدولة العميقة شركة التويتر، بوقف حساب الرئيس المنتهية ولايته على خلفية احتمال أنه المحرض على احتلال مقر البرلمان. وذلك، إنقاذا لسير المؤسسات كي لا ينهار نظام أعظم دولة في العالم.

حصتنا في المغرب، ليست أقل سوءا مما يعيشه لبنان اليوم من مظاهر الانهيار المتوالية للدولة، مع الفارق التاريخي، كون لبنان، مثل بلجيكا التي تشكلت بداية القرن 19، بينما الدولة المغربية أكثر رسوخا من الدولة الفرنسية في وجدان الشعب، زمنيا ورمزيا. بدليل سقط عرش البوربون ولم يسقط عرش المغاربة بقيادة العلويين.

أما حصتنا في اليسار، فالسقوط المدوي للاتحاد الاشتراكي، في جداول نتائج الانتخابات، هو الورقة الأولى في توالي سقوط أجنحة القصر الورقي لليسار ككل. وما يعرفه مسلسل التحالف الحزبي لفيدرالية اليسار الديمقراطي،

تتناوب أصوات ولولة المظلومية تارة مع ضجيج الانتصارية المتوهمة. والمنطق التاوي وراء هذه المتوالية المتصاعدة تارة بشجن المظلومية وتارة أخرى بزعيق الانتصارية هو المنطق الثنائي المتخلف لوهم الانتصار بحساب وضع “الخصم” في الزاوية الحادة، المنطق المستند على ثنائية الربح والخسارة في المعارك الداخلية، والتي يوجد بها حكّام يحسبون مدى “عجز المغلوب” على الانهيار التام في حدود الأجل المعمول به في رياضات العنف على الحلبة.

اعتبرت دائما عشق رياضات العنف على الحلبة نوعا من التعويض الرياضي للمرضى النفسيين والذين لم يستطيعوا يوما استبدال اديولوجية الحرب بثقافة السلم.

قاطعت الأجهزة القيادية الحزبية ورفضت دخول المكتب السياسي للتنظيم مرتين: الأولى سنة 2000، والثانية سنة 2018. ولست نادما ولا بيّ حسرة على عدم تسجيل “عضو المكتب السياسي” في موجز سيرتي الذاتية. لأن صعود المكاتب السياسية في أحزاب المغرب، مثل الصعود من الطابق الأرضي في المنزل القروي المغربي إلى ذاك المكان المثلث الذي يوجد بين السقف العشبي المحدودب في شكل زاوية تمتد بضلعين، حيث يخزن الدقيق والفواكه المجففة لنوائب الدهر. لا يمكنك أن تستقيم واقفا. بل لا بد أن تدخل منثني الظهر والعمود الفقري. راكعا حتى تقضي المهمة الموكولة ثم تنسل نازلا مغبرا أشعث الرأس.

والفارق الكبير بين هذا النوع من الناس الذين يرفضون أن يركعوا للتمكن من دخول الخزين/المكتب السياسي، هو أن من يدخلون غالبا ما ينسون أن حلبة السياسة يقتضي أن تكون مدرسة لإعلاء الرأس وحفظ الكرامة والانحناء للآخر احتراما وليس صُغارا. ودون أن ندري، ننسى هذه المدرسة التي نتدرب فيها على المساواة، ونعود إلى كهف الشيخ لنلعب دور المريد طوعا، وفي الحقيقة: “خوفا وطمعا”، هنا تجب السجدة للواحد الأحد دون غيره كما يعلم العارفون بعبادة الخالق وحده.

ما الذي يفيد الشعب الذي عانى قرونا من الخوف والطمع من شخص آخر يروج أنه حر الموقف والقرار والضمير، بينما ينخرط في العبودية الطوعية (ايتيين لابواسي)، فلا ينتقل خارج المعبد وإنما يستبدل المستبد الصادم بالمستبد الناعم الداهية؟ الذي لقبه المغاربة منذ قرون “العينين د لمسكين فالراس ديبليس” (عفوا الرائع بلال).

لو أردنا أن نديم عيشنا في شكل من أشكال العبودية ما نغصنا طمأنينة الدار الكبيرة التي لها أصول مرعية في معاملة الرعايا بمعايير مستنيرة مجزية بما لا يقاس. ولكن ونحن قد أمضينا عمرنا في التعبير لدار المخزن أن المغاربة الذين أنتجوا أمثال علال بن عبدالله، يستحقون كرامة مكمولة، في مقعد الأبناء في المدرسة وفي سرير بالمستشفى وفي منصب شغل كريم وفي التنقل بطمأنينة وفي أداء الضرائب عن قناعة مواطِنة جازمة، وفي الدفاع عن التراب الوطني بالنفس قبل النفيس.

الأغلبية الساحقة تحترم مواطنا اسمه محمد بن الحسن بن محمد بن يوسف. والكل لا يريد بديلا عن الدولة المغربية كما ورثناها عن الأجداد. لكن سجلات المخابرات تحمل أسماء الذين أشعلوا الناس في أجسادهم قبيل انطلاق حركة 20 فبراير المجيدة.

عندما، أنجزت مارينا أوطاوي (خبيرة في معهد كارينجي الأمريكي) تقريرا عن سنة من حركة 20 فبراير، سجلت ثلاثة أسماء لهيئات المغرب ذات التأثير ساعتها: العدل والإحسان، الاشتراكي الموحد، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

ساءني كثيرا ألا يطلع المعنيون ساعتها على التقرير المذكور. وحزنت أن يتخذ زعماء الاشتراكي الموحد قرار مقاطعة لجنة الدستور وانتخابات 25 نوفمبر 2011. بصفتهم زعماء يساريون يفتخرون بتبني أفكار الثورات، كنت متأكدا أنهم لم يقرؤا يوما حيثيات المقاطعة والمشاركة التي حللها وركّبها لينين سنة 1905 وسنة 1908. طبيعي أن يتصرفوا كذلك، لأنهم وقد سعوا أن يضطلعوا بدور الزعماء لم يتعبوا أنفسهم في التثقيف الذاتي كي يميزوا ما بين الايديولوجيا والسياسة والتنظيم والتدبير، ما بين الاستراتيجيا والتكتيك. بل لم يحفظوا تقاليد “الترابي” بمعايير “ادفع بالتي هي أحسن” التي حوّلها الأجداد ببلاغة الترخيم “غي بالتي”.

قد يتابع البعض هذه السطور ويتبادر إلى ذهنه، أن مسنّا هرما يسمح لنفسه بالحديث المجرد عن الأغلبية الساحقة أو عن أفكار الثورات أو علال بن عبد الله أو أو أو…

كاتب هذه السطور اعتقل لأن اسمه كان اسم صاحب الخلية السرية التي تجتمع فيه منظمة 23 مارس عبر الخلية ولم يكن المسؤول. كاتب هذه السطور وجد نفسه مطالبا بتغيير السكن بعيْدَ أحداث يناير 84 بتطوان لأنه الوحيد الذي استدعي من بين أعضاء اللجنة التحضيرية لتأسيس منظمة العمل في مارس 84. كاتب هذه السطور كان الوحيد –وهو مجرد مستشار- في اللجنة التأسيسية الأولى التي قدمت الملف الأداري لأول مرة الى السلطات، دون أن يتمكن لا كاتب الفرع ولا نائبه ولا أمين المال ولا نائبه ولا مراسل أنوال، وحدي الذي كنت بلا مهمة محددة تمكنت من تقديم مكان المخابرة ضمن ملف تأسيس م ع د ش، بتطوان. لأنني ساعتها كنت قد اخترت صديقي الذي أسكنني معه في أقاصي جبل درسة على الحدود مع الغابة في حومة عيساوى. تمكنت من ذلك لشهامة عامل مقهى ريفي ما زلت أطأطئ له رأسي عند لقائه بينما جبن باقي أعضاء م ع دش.
اليوم نتسابق على مسؤوليات المجد في اجهزة الاحزاب لأن الثمن لم يعد الاعتقال والنفي والطرد من العمل

كاتب هذه السطور، لما حفر اسمه داخل المدينة الجميلة بعد اثني عشر عاما، تولى كتابة فرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وأول ما فكّر فكّر في الحصول على مقر من مؤسسة عمومية (المجموعة الحضرية) لأن الصحافة المغربية التي كانت – قبل عصر الفيسبوك- تساهم في بناء الرأي العام الوطني والمحلي، كان لها الحق في الحصول على مقر. وفعلا، استجابت المجموعة الحضرية في شخص رئيسها الاستقلالي المحامي الحبيب الخراز.

كاتب هذه السطور لم يتقلد يوما مهمة نتيجة تهافت وتسابق على تحملها منافسا الآخرين. بل كانت المهام التي تقلدها باقتراح من الآخرين. لذلك، لم أفكر يوما لا في التشبث بتلك المهام عندما انتهت المدة القانونية، ولا بالتدليس على الآخرين. فمن الطبيعي أن يسمع الناس أنني أختار أصدقائي ليكونوا أحسن مني ويسمعون بصدق وبالحجج أنني رفضت أن أصبح عضوا في مكتب سياسي. لأنني من أؤلئك الذين يهمهم المكسب السياسي للمغاربة وليس مكسب المكتب السياسي لنفسه.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد