center

قائمة مجهولة المصدر واستنتاجات بِلُغة التشكيك.. ملاحظات نقلتها “الصحيفة” لناشري “تسريبات بيغاسوس” دون أن تجد لها جوابا

الصحيفة – حمزة المتيوي

أثارت سلسلة التحقيقات الاستقصائية التي نشرتها 17 مؤسسة إعلامية عبر العالم، بتنسيق مع مؤسسة “فوربيدن تسوريز” والمختبر التقني لمنظمة العفو الدولية، حول استخدام برنامج “بيغاسوس” الإسرائيلي في عمليات تجسس، الكثير من الجدل، خاصة فيما يتعلق بالمعطيات المرتبطة بالمغرب، الذي قالت المواد المنشورة إنه استهدف هواتف مسؤولي وقادة دول أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالإضافة إلى العشرات من الصحافيين المغاربة والأجانب.

ووصل هذا الجدل إلى الحكومة والبرلمان الفرنسيين، حيث أجاب الوزير الأول الفرنسي جون كاستيكس على استفسار من أحد أعضاء الجمعية الوطنية حول هذا الموضوع بالقول إن التحقيقات التي فتحتها سلطات باريس لم تصل إلى أي دليل يثبت ما تم نشره، في حين جددت الرباط “تحدّيها” للمشرفين على التحقيق والمؤسسات الإعلامية الناشرة له بتقديم أي دليل يثبت صحة ما ورد في تلك المواد الصحفية.

هاتف الملك محمد السادس نفسه تعرض للاستهداف بواسطة برنامج التجسس، وهو الأمر الذي يبدو غريبا بالنسبة للعارفين بطبيعة المنظومة الأمنية والاستخباراتية المغربية

وبمتابعتها لمختلف الحلقات التي نُشرت في العديد من المؤسسات الإعلامية المنخرطة في هذا التحقيق الاستقصائي، بما فيها تلك المنشورة من طرف صحيفة “لوموند” الفرنسية وموقع “درج” الموجود مقره في لبنان، راكمت “الصحيفة” مجموعة من الاستفسارات والملاحظات التي وجهتها، عبر مراسلة، يوم أمس الثلاثاء، إلى الموقع اللبناني باعتباره أحد المساهمين الأساسيين في العملية وأحد الناشرين لحلقتها، كما أنه المؤسسة الوحيدة المشاركة فيها من المنطقة العربية، لكنها لم تتلق أي جواب.

ويبرز “الدليل” الذي تطالب به السلطات المغربية كواحدة من علامات الاستفهام العريضة المسجلة بخصوص ما نُشر، فالأمر يتعلق بجنس صحافي يسمى “التحقيق الاستقصائي” الذي يفترض فيه، مهنيا، أن يستند إلى معلومات مُوثقة صادرة عن جهات ذات مصداقية أو ذات صلة مباشرة بالحدث، لكن في حالة تحقيق “بيغاسوس” يجري الحديث عن قائمة مسربة تتضمن 50 ألف رقم لا يعرف مصدرها ولا مدى مصداقية الجهة التي سربتها، بالإضافة إلى أن ناشري التحقيق يؤكدون أن القائمة لم تكن تحمل أسماءً، بل هم من تولوا ربط كل خط هاتفي بهوية صاحبه المفترض.

center

استخدام عبارة “ربما” يؤكد حالة “عدم اليقين” البارزة في مادة شديدة الحساسة يفترض أنها بُنيت على معطيات سليمة

وإن كان السؤال عن “المصدر” قد يجد في الضوابط المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي مبررات لرفض الإجابة عنه، فإن ملاحظات أخرى تبدو في حاجة لتوضيحات، على غرار ما نُشر بخصوص استهداف المخابرات المغربية لهاتف الرئيس الفرنسي، فالمادة المنشورة عبر موقع “درج” تقول بالنص “فريق التحقيق لم يتمكّن من فحص هاتف رئيس الجمهوريّة تقنيّاً للتأكّد من الاختراق”، لكنها تضيف “لا يمكن تأكيد أنّ هذا حصل بالفعل، إنّما التسريبات بين أيدينا تثبت أنّ هاتف الرئيس الفرنسي كان ضمن الهواتف التي سعى المغرب إلى اختراقها وهذا ما يعدّ خرقاً لديبلوماسيّة العلاقة بين الدولتين الصديقتين والحليفتين”، والسؤال هنا هو: إذا كان الاختراق غير مؤكد، كيف يمكن الجزم بأن ما جرى هو “خرق ديبلوماسي”؟.

وفي النموذج نفسه، يبرز أمر مثير للانتباه كونه غير معتاد في الصحافة الاستقصائية، ويتعلق الأمر بنشر معطيات على شكل استنتاجات لا على شكل معلومات قطعية، وبأسلوب لا يخلو من تشكيك، فعند الحديث عن دوافع استهداف المغرب لماكرون تقول المادة “(…) من أبرز هذه الهواجس هي علاقة المغرب بجارتها ومنافستها وغريمتها الأزليّة الجزائر، ففي مارس 2019، اعتذر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي ترأس الجزائر لمدّة 20 سنة، عن الترشّح لولاية رئاسيّة خامسة، وتم تأجيل الانتخابات التي كانت المقرّرة آنذاك في أبريل 2019، وهذا ما أقلق المغرب المهتمّ بمعرفة مستقبل النظام السياسي في الجزائر، وباعتبار أنّ السلطات الفرنسيّة تتابع عن كثب التغيرات السياسيّة في الجزائر، فربما ارتأى المغرب أن يعرف انطباع الرئيس الفرنسي حول المستجدّات”، واستخدام عبارة “ربما” يؤكد حالة “عدم اليقين” البارزة في مادة شديدة الحساسة يفترض أنها بُنيت على معطيات سليمة.

وفي المادة ذاتها، يبرز هذا الأمر بشكل أكثر حدة عند الحديث عن الجهات التي تقف وراء عمليات التجسس، إذ رغم التحقيق يؤكد أن السلطات المغربية هي التي تقف وراءها، إلا أنه لم يستطع تحديد هوية الجهاز الذي يفترض أنه قام بها، مكتفيا باقول إن الجهات التي “قد تكون” خلف المشغل المغربي هي المديرية العامة للدراسات المستندات أو المكتب الثاني أو المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

والمثير فيما نُشر أيضا هو استبعاده لأن يكون للمؤسسة الملكية في المغرب يد في هذه العملية، انطلاقا من أن هاتف الملك محمد السادس نفسه تعرض للاستهداف بواسطة برنامج التجسس، وهو الأمر الذي يبدو غريبا بالنسبة للعارفين بطبيعة المنظومة الأمنية والاستخباراتية المغربية، والتي يصعب، من النواحي التراتبية والإدارية والمنطقية، فصلها عن القصر الملكي وعن شخص الملك تحديدا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد